إعلام - نيوميديا

كي لا ننسى .. سوا..ربينا !! – ريم عثمان

|| Midline-news || – الوسط …

تحت شعار “ما بيحرّك شغلك غير ابن بلدك” أطلقت وزارة العمل اللبنانية حملة لمكافحة العمالة الأجنبية في لبنان ,بغية قوننة العمل بحسب زعمها , والمستهدف من هذه الحملة بالدرجة الأولى إن لم تكن الوحيدة هم السوريون اللاجئون على الأراضي اللبنانية . حملة فجّرت مواقع التواصل الاجتماعي التي أظهرت حالة من العنصرية المقيتة مكنونة في صدور لبنانيين كثر ,وكأن بها تنتظر شرارة صغيرة حتى تخرج من تلك الصدور وتشتعل في وجه السوريين ,بالمقابل أثارت شجون السوريين الذين بقوا أسرى الحنين لزمن “سوا.. ربينا”. لكن “سوا .. ربينا” بات من الماضي أو ربما حُكِمَ عليه أن يُدفَن في غياهب النسيان بعد أن قُتِل في الذاكرة الجمعية للبنانيين بشكل ممنهج وعلى مراحل وصلت ذروتها مع حملة وزارة العمل المذكورة . وما أعطى هذه الحملة الزخم الذي انطلقت فيه هو طابعها الرسمي والذي لم يخرج من منبر المعارضة اللبنانية أي “فريق 14 شباط” حتى نسقطها من حسباننا لطالما اعتدنا على غدر هذا الفريق ومكائده ومصائده التي ما انفكّت تطال سورية والسوريين لحساب “إسرائيل” وحلفائها ,لكن وللأسف ,هذه الحملة انطلقت بدعم من جزء من الفريق الآخر الذي يفترض أنه يقف مع سورية في خندق واحد في مقاومة عدوّ مشترك . فوزير الخارجية اللبناني,جبران باسيل, الذي من المفترض أن ينأى بنفسه عن العنصرية ومفرداتها لطالما كان رأس الهرم في سلك دبلوماسية الدولة ,كما يفترض أن ينأى بنفسه عن كل ما يصبّ في بوتقة أذيّة السوريين , لطالما كانوا شركاء الدم والنسب والجغرافيا والتاريخ والاقتصاد وحتى الخبز والملح , باسيل تبنّى الحملة بشعاراتها العنصرية التحريضية وأصبغ عليها الشرعية بعباراته التي خطّها على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” ,عبارات تقطّر نكراناً للجميل قال فيها : “إذا بتحب لبنان وظّف لبناني . للأسف هناك من لا يفهم ماذا يعني أن تكون لبنانيتنا فوق كل شيء. وماذا يعني أن تشعر برابطة الدم”. ويا للأسف , فالدبلوماسي باسيل هو من يصعب عليه أن يشعر برابطة الدم لطالما تنكّر لرابطة الدم التي تجمع السوريين واللبنانيين من قرابة وتزاوج وفوق كل هذا وذاك تلك الدماء التي امتزجت على تراب واحد في مواجهة العدوّ الإسرائيلي على أرض لبنان ,بلده, ولمواجهة المشاريع الغربية على أرض سورية التي تستهدف لبنان واللبنانيين كما سورية والسوريين أي نهج المقاومة ,التي بصم باسيل نفسه وتياره الوطني الحرّ على عقد الشراكة معها . ما هكذا تورد الإبل يا معالي الوزير ,فحملتك تقول لا للسوريين في راياتها التي ترفع في الشوارع وتعلّق على جدران المنازل وواجهات المحال التجارية. هذه اللا ,التي ترفع في وجه السوريين ليست إلاّ رصاصة قاتلة ,فقطع الأرزاق بمثابة قطع الأعناق , ليس للسوريين وحدهم بل للبنانيين أيضا, دون مبالغة ,لأنها ستطال أرزقهم أيضا, ولا يحتاج الأمر سوى جردة حساب بسيطة حتى يثبت برهان هذا القول , فالسوري في لبنان هو من حرّك شغل اللبناني في بلده على عكس ما يقول شعار حملة وزارة العمل اللبنانية , ولنا أن نستذكر ما أكده ديفيد بيزلي, المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة الذي قال إن “النزوح السوري صوب لبنان حمل معه فوائد اقتصادية عادت إلى جعبة الحكومة اللبنانية نتيجة استقبالها لهم”. ما قاله بيزلي أكده خبراء اقتصاديون لبنانيون ومن أفواههم ندينهم,ولنا ما يقطع الشك باليقين في تصريحاتهم التي يزخر بها أرشيف صحفهم ومجلاتهم وقنواتهم التلفزيونية والإذاعية لمن يود المراجعة ,والتي تقول “إن الوجود السوري في لبنان ساعد في تحريك العجلة الاقتصادية على مستوى الأفراد وأدى إلى تحريك أنشطة التجارة الاستهلاكية في السلع التي يحتاجها البشر بصورة يومية ” . كما أكدها أصحاب المتاجر في تصريحات صحفية عدة بالقول : “إن المبيعات ارتفعت بشكل ملحوظ مع تزايد النزوح السوري وخصوصا مع تخصيص الأمم المتحدة لبطاقات “إعاشة” التي تمكن النازح من شراء المواد الاستهلاكية “. فضلا عن أن موجات النزوح السوري صوب لبنان جلبت للأخير الكثير من الاستثمارات السورية وهذه الاستثمارات خلقت عددا كبيرا من فرص العمل وساهمت في بقاء الاقتصاد اللبناني متماسكا. من الإجحاف نكران أن للنزوح السوري إلى لبنان سلبيات لكن مهما كانت فتبقى هذه الإيجابيات طاغية في بلد مديون وغير منتج يعتمد على الحوالات الواردة من هجرة أبنائها الخارجية لتحريك اقتصاده . ومن الإجحاف أيضا فهم هذا المقال على أنه تشجيع للسوري على البقاء لاجئا خارج حدود بلده بعد أن هدأت طاحونة الحرب فيها. لكن ما يمارس ضده من عنصرية وسلب للكرامة قبل سلبه اللقمة, لا يليق به خاصة إن كان من شقيقه اللبناني الذي تربّى معه على الحلوة والمرّة . وكي لا ننسى ,في نيسان من العام 1996 ، أي مع الحرب الإسرائيلية على لبنان والتي عرفت بــ “عناقيد الغضب” التي استمرت 16 يوماً تدفقت موجات نزوح لبناني صوب سورية هرباً من نيران تلك الحرب فما كان من السوريين إلاّ أن وفّروا لأشقائهم سبل العيش الكريمة وتأمين الحياة الآمنة. وفي تموز من العام 2006م، شنت “إسرائيل” عدوانا جديدا على لبنان استمر 33 يوماً تدفقت خلالها موجة نزوح لبناني صوب سورية ,ُقدِّر عددهم بنصف مليون نازح, فما كان من السوريين إلاّ أن فتحوا لهم أبوابهم وقاسموهم الخبز والملح تحت سقوف منازلهم, وليس تحت الخيام التي لا تقي حرّا ولاقرّا . تلك الذكريات ليست ضربا للمنية ولا ندما على ما قدّم السوريون لأشقائهم اللبنانيين من لقمة ومأوى وعمل وكرامة ,بل هي مجرد تذكير لمن نسي علّ الذكرى تنفع ,وعلّ “سوا.. ربينا” تُبعَثُ من جديد في ذاكرة اللبنانيين حتى لا تقع كورقة على الطريق بعد رفقة طويلة وعمر عتيق .

ريم عثمان- صحيفة العربية العراقية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى