إضاءاتالعناوين الرئيسية

كلّ السوري على السوري حلال!.. فادي سهو

|| Midline-news || – الوسط …

.

لا يُلام الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد حين قال: وظلمُ ذوي القُربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد. لا ريب أنّ ظاهرة التنمّر على الناس البسطاء لا تحتاج إلى تعريف وتنظير وتأطير. هي ظاهرة موجودة في معظم المجتمعات، لها أسبابها التي يعرفها زيد وعمرو. وقد درج في الثقافة الشعبية أنّ الغربة تجمع ولا تفرّق، بمعنى أنّ الإنسان يشعر بالحبّ والحنين والألفة عندما يرى ابن بلده في الغربة، كما قال الشاعر الجاهلي امرؤ القيس عندما عاد خائبًا من عند ملك الروم، ويحمل قلادة سامّة، وقد أدركه الموت عند قبر امرأة غريبة مدفونة بالقرب من جبل “عسيب”، فقال:
أجارتنا إنّ الخطوبَ تنوب وإنّي مقيمٌ ما أقامَ عسيبُ
أجارتنا إنّا غريبان ههنا وكلّ غريبٍ للغريب نسيبُ

يرى امرؤ القيس أنّ الغريب عون للغريب، في الحياة وفي الممات، فما بالك بابن وطنك الذي تضطهده صباح مساء! لم يسلّط الضوء على هذه القضية التي أراها واضحة وضوح الشمس في لبنان. لا يغيب عن بالي مشهد اعتداء رجل سوري على طفل سوري بائس، يعمل لديه في محلّ الخضار.

كثيرة تلك المواقف والأحداث التي تتجاوز حدود الغيرة والحسد، ربّما تصل إلى حد الأذية وقطع الأرزاق. أذكر ذات مرّة اتّصلت بي الكاتبة أحلام مستغانمي، وطلبت إليّ أن أبادر إلى توزيع مبلغ من المال على بعض العائلات السورية المعدومة، في الحقيقة كنت مشغولا في رسالة الماجستير حينئذ (عام 2014)، وكان الطقس باردًا جدًّا، لكنّي لم أجد عذرًا مقنعًا للهروب من عمل إنساني. التقيت بالسيدة أحلام على عجل، ثمّ توجّهت إلى تلك العائلات، قمت بتوزيع مبلغ بحدود ثلاثة آلاف دولار على ما أعتقد. ووجدت عائلة فقيرة جدّا، يعيلها رجل عجوز في السبعين من عمره، دخلت إلى منزله وعاينت أوضاعهم بعد أن سألت بعض الأشخاص الذين أثق بهم في تلك المنطقة. قبل أن أعود إلى بيروت اتصلت بأحلام وأخبرتها بوضع العائلة الجديدة، فقالت لي: سوف نتكفّل بها، وقمنا بدفع مبلغ كبير لتلك العائلة. مضت شهور وأصبحتُ أثق بتلك العائلة، وحين ذهبت إليهم لتقديم مساعدة من السيدة أحلام، أخبرني الرجل العجوز وزوجته بوجود عائلة سورية بحاجة إلى مساعدة. درست وضع الأسرة من بعيد كما يقال، ووجدت أنّهم بحاجة إلى مساعدة غير دائمة، نظرًا إلى وجود العائلات الأشد فقرًا. لكن قررت أحلام مساعدتهم، وقدّمنا لهم مبلغًا كبيرًا من المال، بعد شهر تقريبًا جاءني اتصال من العائلة التي ساعدناها في الجولة الأخيرة، ظننت أنّ المرأة تطلب المساعدة، لكني فوجئت بطلبها وهي تخبرني أنّ عائلة الرجل العجوز لا تستحقّ المساعدة لأنّ ابنهم ذهب إلى ألمانيا! فلماذا تساعدهم؟ يجب عليك تحويل المبلغ المخصص لهم إلينا! قلت لها: هذه العائلة هي التي أرشدتني إلى مساعدتكم! قالت: لا بأس، انسَ الموضوع!

لا أعرف لماذا وصلنا إلى الدرك الأسفل من التنمّر على بعضنا البعض. ليست حالات عابرة، لأنّها لا تقف عند الحسد، بل تتجاوزه إلى الأذية.. ولعلّ المثل الشعبي الذي يردّده أهلنا في الجزيرة يصوّر حالنا “لو سلمَت من عيد ما جاءها من بعيد”. في كناية إلى أن الشرّ يأتيك من القريب قبل البعيد. فلا لوم ولا تثريب على ما يأتينا من الغرباء! هناك عشرات الشواهد التي أحفظها، ومئات الشواهد التي يحفظها غيري. أخي السوري في كلّ مكان أحبّ أن أقول لك: كلّ السوري على السوري حرام.

 

*روائي وأكاديمي سوري

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى