اقتصاد

قفزة واسعة في العلاقات العراقيَّة-الصينيَّة.. استثمارات ضخمة ومشاريع إستراتيجية

|| Midline-news || – الوسط …

تسعى الصين  للقيام “بشراكات استراتيجية شاملة” في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا مع كل من السعودية والإمارات والعراق ، وكذلك إيران الآن، من خلال توقيع اتفاقية استراتيجية شاملة لمدة 25 عاماً حول التعاون الاقتصادي والأمني مع طهران.. ومن خلال مبادرة الحزام والطريق، وتعد الصين أيضاً أكبر مستثمر أجنبي في المنطقة، حيث تبني بنية تحتية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.

وتكثف الصين جهودها في العراق، وتسعى للاستحواذ على مشاريع إستراتيجية، سواء تلك المتعلقة بقطاع الطاقة أو البنى التحتية، بما يمكنها من بلوغ أهدافها الرئيسية المتمثلة ببعث الحياة في مشروع الحزام والطريق ، فيما يسعى العراق إلى أن يكون نقطة ربط رئيسية في طريق الحرير الجديد، ويخطط لتوسيع موانئه البحرية وتجديد خطوطه البرية، من أجل كسب مردودات إيجابية.

وتأتي أهمية العراق أيضا  بسبب الموقع الجغرافي من ناحية وجوده على رأس الخليج العربي، وما يمثله من حلقة وصل بين المنطقة العربية وجوارها الشرق أوسطي، مثلما يصل إيران ودول الخليج بأوروبا عبر تركيا، وهذا ما جعل الصين تصوّب سياستها نحو العراق لضمه إلى مشروع “طريق الحرير”.

وتعتبر الشركات الصينية من أكبر المستثمرين في مجال الطاقة في العراق، وهذا يرجع بالدرجة الأساس إلى الاحتياطيات الكبيرة الموجودة في العراق، بالإضافة إلى سهولة الاستخراج النفطي بالنسبة لتلك الشركات.

لقد بدأت العلاقات العراقية الصينية منذ قرون مع طريق الحرير القديم، وفي عهد الخلافة العباسية خلال العصور الوسطى، حيث سهّلت التجارة بين الإمبراطوريتين الصينية والإسلامية.

وفي القرن العشرين، نمت العلاقات الثنائية بين الصين والعراق بنحو مطرد منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1958.

وعلى الرغم من أن الصين بعد عام 1991، قامت ببعض التجارة مع العراق في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، وكانت المبيعات الاقتصادية والعسكرية للعراق تتم وفق قرارات الأمم المتحدة، إلا أن العلاقات الصينية العراقية تضاعفت خلال فترتين زمنيتين مختلفتين: أولاً حينما حدثت الثورة في العراق وغادرت القوات البريطانية البلاد، وثانياً في عام 2011 حينما انسحبت آخر القوات الأمريكية من الأراضي العراقية.

لقد زار الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني للصين في حزيران 2007، ثم أُنشئت آلية للتشاور السياسي بين وزارتي الخارجية العراقية والصينية. وفي تموز 2011، قام رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بزيارة رسمية إلى الصين، وفي كانون الأول 2012، أعادت السفارة الصينية في العراق فتح خدماتها القنصلية ومنح التأشيرات.

تعد مشاركة الصين في الشرق الأوسط عنصراً مهماً في شبكتها الخاصة بالتعاون الدولي. لقد وقّعت الصين على 15 علاقة وشراكة مع دول الشرق الأوسط، وفقاً لأربع فئات عامة حسب أهميتها، حيث تبدأ عبر الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، ويقع العراق في المجموعة الثالثة من الشراكات الاستراتيجية التي تضم عدداً من الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، والأردن، والكويت وسلطنة عمان، وقطر.

وتحولت الصين إلى لاعب مهم في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة، واضطر هذا البلد إلى رفع مستوى تنسيقه مع دول الشرق الأوسط؛ بسبب نموه الاقتصادي الكبير. ومن حيث المقارنة، ليس للصين أي وجود تاريخي في الشرق الأوسط وتعتبر قوة عالمية جديدة؛ وبالتالي بدأت علاقات الصين مع منطقة الشرق الأوسط في عام 2013 بناء على احتياجاتها من الطاقة وخطة “حزام واحد، طريق واحد” أو ما يُعرف بمبادرة الحزام والطريق BRI.

وأصبحت الصين رسمياً المستورد الرئيس للنفط الخام في العالم في عام 2015، حيث يأتي توفير نصفه تقريباً من الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، تقع منطقة الشرق الأوسط في موقع استراتيجي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهذه المنطقة مهمة لمستقبل مبادرة الحزام والطريق، التي من المقرر أن تضع الصين في مركز شبكات التجارة الدولية، ومع ذلك، تتركز علاقات الصين في الوقت الحاضر، مع منطقة الشرق الأوسط بسبب دورها المهيمن في أسواق الطاقة، وخاصة في دول الخليج، وتحديداً الإمارات العربية المتحدة والسعودية.

لقد أتاحت هزيمة داعش في أواخر عام 2017 فرصة للمسؤولين العراقيين للعمل على تلبية احتياجات إعادة الإعمار في البلاد وحل المشكلات الاقتصادية، ولذلك، تخطط الحكومة العراقية لتوسيع صناعة النفط وكذلك تنويع المنتجات النفطية على المدى الطويل، وهي تطمح للحصول على دعم الصين لهذه الجهود. ويحتل العراق المرتبة الرابعة في صادرات النفط إلى الصين في عام 2018 بعد روسيا، وأنغولا، والسعودية، وهذا البلد يحتاج إلى الأموال الصينية لتطوير البنية التحتية الحيوية، ويمكن أن يكون لهذه المساعدات تبعات بعيدة المدى على البلاد.

والآن بعد أن تراجع خطر داعش، برزت الصين كشريك تجاري رقم واحد للعراق كثالث أكبر مصدر للنفط للصين بعد السعودية وروسيا، وحاولت الصين توسيع وجودها في العراق، ووجدت في بغداد، شريكاً في أمَس الحاجة لدول مثل الصين لإعادة البناء والتعافي، حيث عندما وصل رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي إلى بكين في 19 أيلول 2019 على رأس وفد من 55 عضواً، وصف زيارة الصين بأنها واعدة “بنقلة نوعية” في العلاقات الثنائية. وتوجت هذه الزيارة التي استمرت خمسة أيام بتوقيع ثماني مذكرات تفاهم واسعة النطاق، واتفاقية ائتمان، وإطار عمل، وصدور بيان عن خطط العراق للانضمام إلى خطة الحزام والطريق الصينية.

وإن مذكرة التفاهم هذه هي تعاون بين كل من وزارات التجارة، الخارجية، الداخلية، النفط، المالية، الكهرباء، والثقافة والصناعة، كما تضمنت إعادة الإعمار الشامل، وتنمية قطاع الاتصالات، وتطوير تقنيات الأمن الداخلي، وتخصيص أرض لبعثتين دبلوماسيتين بين البلدين، وإنشاء مكتبة صينية في جامعة بغداد، وإعداد خطة تنفيذية للتعاون الثقافي.

وفيما يتعلق بجواب السؤال الذي يقول لماذا العراق مهم للصين:

ينبغي القول إنه منذ إعلان قمة التعاون الصيني العربي في عام 2004، سعت الصين إلى تعزيز العلاقات مع الشرق الأوسط، ومنحت العراق خطوط ائتمان منخفضة الفائدة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية المحلية، وفي بعض الحالات قروضاً بمليارات الدولارات. وفي عام 2010، سددت الصين حوالي 80 في المئة من ديون العراق. وتقوم الصين بشراء ما يعادل نصف إنتاج العراق من النفط. وكانت شركة البترول الوطنية الصينية NOC رائدة في الاستثمار في شركات الطاقة المحلية في الشرق الأوسط، وفي العراق تمتلك هذه الشركات الصينية حصصاً كبيرة في حقول الأحدب، وحلفاية والرميلة.

ومن ناحية أخرى، أعرب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن رغبته بتنمية علاقات بلاده مع العراق، ويرى العراق شريكاً استراتيجياً وأساسياً في الشرق الأوسط، وعبّر عن رغبة بلاده في الاستثمار في العراق لتطوير وتنشيط الصناعات المحلية، وحقول النفط الجديدة، وبناء المدن الحديثة والموانئ والسكك الحديدية والسدود، وإنشاء شبكة اتصالات من الجيل الخامس. وكما أظهرت ميزانية العراق لعام 2019، فإن خطة الحكومة المركزية لإعادة الإعمار والانتعاش تعتمد على إنعاش وتوسيع قطاع النفط. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر النفط أمراً حيوياً لرفاهية الاقتصاد العراقي، إذ يشكل 65 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، و100 في المئة من عائدات التصدير، و90 في المئة من إيرادات الحكومة المركزية.

وعلى الرغم من أن إنتاج النفط العراقي انخفض إلى النصف تقريباً؛ بسبب الاضطرابات التي تشهدها البلاد وتقلب الأسعار، من المهم الإشارة إلى أن قطاع النفط يواجه بنية تحتية متضررة وقديمة، فضلاً عن نقص في خطوط الأنابيب والقدرة على التصدير. وتعاني البلاد أيضاً من نقص حاد في الكهرباء والمياه الصالحة والكافية، وفضلاً عن ذلك، هناك حاجة ملحة لإصلاح مصفاة بيجي وإصلاح قطاع المصافي النفطية لتلبية الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

ويمتلك العراق القدرة على تحقيق أهداف إنتاج النفط الجديدة البالغة 2/6 مليون برميل يومياً بنهاية عام 2020، و9 ملايين برميل يومياً بنهاية عام 2023، وتتوقف السيطرة على فائض الغاز المصاحب من الحقول في محافظة البصرة الغنية بالنفط على توفير المياه الكافية لإعادة حقن مكامن النفط.

ومن هذا المنطلق، فإن بغداد لديها خطط طموحة لبناء مشروع متكامل في جنوب العراق. وفي الواقع، يعد التعاون في مجال الطاقة حجر الأساس للشراكة الاستراتيجية بين الصين والعراق، ولطالما كان التعاون الصيني العراقي في مجال الطاقة أساس العلاقات الثنائية.

وعادت الصين بقوة للبحث عن فرص استثمارية جديدة في قطاع النفط العراقي بعد توقف قصير بسبب تفشي فيروس كورونا، في حين ما زالت الولايات المتحدة تحارب لاحتواء مخاطر هذا الوباء.

وبالنسبة لإحياء طريق الحرير .. بدأت به الصين عندما أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013 وأفصح عن إستراتيجية الحزام والطريق، وهذه الاستراتيجية هدفها الأساسي هو إحياء الطرق البرية والبحرية التي كانت تتخذها الصين ممرات للوصول إلى قارات العالم القديم آسيا وأفريقيا وأوروبا..

و يرى خبراء أن هذا المشروع مهم جدا وفيه فوائد اقتصادية كبيرة، إذا تم استثماره بطريقة ذكية ومن قبل إدارة نموذجية للحكومة العراقية، خصوصا إذا أنجز ميناء الفاو الذي سيعد حينها إنجازا كبيرا للحكومة.

وأشاروا  إلى أن الصين تفضل ميناء الفاو لأن الغاطس يصل عمق 24 مترا، بينما غاطس ميناء مبارك لا يتجاوز 16 مترا في أحسن حالاته، وهذا يمنع السفن ذات الغاطس العالي من الوصول إليه، وهذا المشروع إذا ما تمت إدارته من قبل الحكومة العراقية وتم التعامل بذكاء وحرفية ومهنية، فبالتأكيد سيغير كثيرا من واقع الاقتصاد العراقي لأنه سيعزز العراق بموارد اقتصادية جديدة.

وينقل عن دراسات وبحوث تقديرها بأن عائدات مشروع طريق الحرير تتراوح بين 20-60 مليار دولار سنويا، وهذا بالتأكيد سيرفع من قيمة الاقتصاد العراقي ويوفر فرص عمل ويقضي على البطالة والفقر،  لكنه يحتاج إلى سنوات وخطط عمل واسعة وأموال طائلة لجني ثماره.

وكانت شركة تسويق النفط العراقية” سومو”، قد أعلنت في وقت سابق  أن الشركات النفطية الصينية كانت الأكثر شراءً للنفط العراقي خلال شهر آيار الماضي.

وذكرت “سومو” في إحصائية نشرتها على موقعها الرسمي واطلعت عليها وكالة شفق نيوز، أن “الشركات الصينية كانت الأكثر عدداً من بين الشركات العالمية الأخرى في شراء النفط العراقي وبواقع 8 شركات من أصل 32 شركة قامت بشراء النفط خلال شهر آيار”.

وكانت الصين قد انضمت إلى معاهدة دولية مع العراق في محاولة لاستئناف وجودها في العراق وتعهدت بتقديم نحو 5/6 مليون دولار في شكل مساعدات لقطاعي الصحة العامة والتعليم، وتنازلت عن 80 في المئة من الديون، هذا في حال أن الحكومة العراقية مدينة للصين بحوالي 8/5 مليار دولار. وتم توقيع اتفاقيتين تهدفان إلى تعزيز التعاون الاقتصادي خلال لقاء بين رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي ونظيره الصيني وين جيا باو في بكين في يوليو 2011.

وقال وين جيا باو إن بكين ستساعد في إعادة إعمار العراق، والإعفاء من الديون، وتوسيع التعاون في مجالي النفط والغاز. وفي نهاية عام 2013، تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر مستثمر أجنبي في العراق وتجاوزت الولايات المتحدة كأهم شريك تجاري للعراق.

لقد تطورت العلاقات الصينية العراقية في السنوات الأخيرة. وفي عام 2015، قام البلدان برفع مستوى علاقتهما إلى شراكة استراتيجية. وتخطت التجارة الثنائية بين العراق والصين 30 مليار دولار في عام 2018، مما جعل العراق ثالث أكبر مصدر للنفط الصيني المستورد. إن التعاون في مجال الطاقة هو أساس العلاقات الثنائية بين البلدين، وتشارك الشركات الصينية الآن في عمليات المنبع، ومنتصف المجرى، والمصب في العراق. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن الاستثمار الصيني في العراق لا يركز فقط على التنقيب عن النفط، وإنما على البنية التحتية مثل محطات الطاقة ومحطات الأسمنت ومحطات معالجة المياه أيضاً.

وتعمل الشركات الصينية حالياً على مشاريع البناء الرئيسة والضخمة في العراق، بما في ذلك شركة شنغهاي الكتريك Shanghai Electric، وشركة إنتاج مواد البناء الصينية China Building Materials، وشركة الصين الكهرومائية لتوليد الطاقة China Hydroelectric Power Plant. وإن شركة سيتيك CITICللإنشاءات كمورد ائتماني ومقاول هندسي، وشركة المشتريات والبناء (EPC) تعملان على بناء محطة توليد كهرباء ذات دورة مركبة في محافظة ميسان.

ويمكن اعتبار نجاح الصين في العراق على أنه مزيج من المخاطرة والمقاومة والحظ السعيد والسياسات الدبلوماسية الماهرة والمحنّكة.

المصدر : وكالات ، صحف، مواقع إخبارية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى