إضاءاتالعناوين الرئيسية

قضاء و قدر .. د. محمد عامر المارديني

 || Midline-news || – الوسط …

 

يحتاج الإنسان في أحيان كثيرة إلى بضع دقائق يختلي فيها مع نفسه، ينقطع معها عن العالم أجمع، يتأمّل في الحياة، يحلم بالمستقبل، يسهو، يعشق، يتألم،فمثل تلك اللحظات غدت ضرورة لا غنى عنها في خضم فوضى الحواس، كما تقول أحلام مستغانمي.

ولا أخفيكم أنني كثيراً ما أفكر في الروح، في الحياة والموت، في القضاء والقدر، ثم أسْقِطُ بعضاً من هذه الغيبيات على مستوي الواقع، كما كان يطلب منا مدرِّس الهندسة الفراغية في الصف الثاني الإعدادي لإثبات نظرية ما، لم أعد أتذكّر منها شيئاً، فأجد نفسي تائهاً، مضطرباً، مشكِّكاً، بالرغم من أنني لست ملحداً، وأؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره.

ومع كل ذلك أجد أن للقضاء والقدر في عقولنا وأفكارنا وثقافتنا مفهوم آخر غير الذي يعتقد به سكان الأرض الآخرون، دوناً عنا، وبخاصة مَنْ هم سليلو الحضارات البائسة كالأوربيين أو الأمريكان، بينما إن تسأل عنا فنحن أحفاد حمورابي، أبي القانون والتشريع على سطح المعمورة.

كثيراً ما تتناول وسائل إعلامنا المرئية والمسموعة والمقروءة، وكذلك جلساتنا العائلية والوظيفية قصصاً تقْشعرُّ لها الأبدان من هول فاجعة ما، مليئة بالحزن والأسى، ليربطها الجميع مباشرة بمنظومة القضاء والقدر. فتارة تسمع أن أبا فلان “يا حرام” قد حضر من دير الزور ليزور ابنته المقيمة مع زوجها في دمشق، لكن نصيبه أو قدره كان في أن الباص الذي كان يقِلُّه “صفقته”، يعني صدمته سيارة قاطرة ومقطورة عند “نزول الثّنايا ” ففارق الحياة مع عشرين آخرين،  والسبب المعلّل من قبل شرطة المرور هو أن سائق القاطرة كان نائماً أثناء القيادة.

مسكين الموظف فلان، سافر إلى حلب بمهمة رسمية، لكن القدر استقبله عند حسياء، حيث سقطت على سيارته أسياخ حديد لم تربط جيداً بالسيارة الشاحنة التي كانت أمامه.

ويا رب الطف بنا، فها هي أم فلان عادت من زيارة صباحية لابنتها ليسقط على رأسها “دش”، أي صحن لاقط، من أحد سطوح المنازل. وهذا فلان “يا رب عافِه” اقتلعت عينه حصاة سقطت من سيارة شاحنة محمّلة بالحصى لم تضع غطاء للحصى المحمول. وذلك فلان “قليل الحظ” شُلَّت يده بصعقة كهربائية من شريط كهربائي متدلٍّ من عمود إنارة أثناء مسير ليلي قام به مع زوجته لتخفيف وزنهما الزائد.

طفل يقطع الشارع عند إشارة المرور ليصل إلى مدرسته، فتطيح به وبأحلامه وبأحلام أهليه سيارة مسرعة دون أن تتوقف حتى لتسعفه، ودائماً القول إن ذلك الحادث كان نصيبه، وهذا قدره، وهذا هو اليوم الذي وعده فيه ربه.

لا أعرف، لماذا لا تتشابه مثل هذه الحوادث العنيفة مع ما نشاهده في دول الغرب مثل ألمانيا، أو دول الشرق مثل اليابان. فقد نشاهد هناك حوادث كثيرة أعنف بكثير مما نراه في بلادنا، لكنها حوادث من نوع آخر، حوادث ترتبط حقاً بمنظومة القضاء والقدر، وليس لها أي علاقة بسوء تطبيق الأنظمة، أو بعدم احترام القوانين، أو بمشكلات أخرى على مستوى التربية والأخلاق. ففي مثل هذه الدول لا يمكنك أن تشاهد مثلاً قاطرة ومقطورة تسير على الطرق الدولية دون مصابيح، أو أن ترى شاحنة محملة بالحصى ترميها أثناء سيرها يميناً وشمالاً، أو أن تتجاوز سيارة ما خط المشاة قبل أن يمر الجميع من البشر، وحتى قبل أن تمر قطط الشوارع، كما لا يمكنك أن ترى شارعاً تتأخر عنه صيانة الكهرباء، أو الماء، أو إشارات المرور، ولو ليوم واحد.

لكن قد يحصل في بلادهم أن تغرق قرى بأكملها بفعل فيضان الأنهار، ليهلك جراءها الحرث والزرع، وقد تقطع الثلوج المتراكمة أوصال البلاد طولاً وعرضاً، وقد تدك الزلازل مدناً بأكملها، لكن كل ذلك هو بالتأكيد فعل مرتبط بالقضاء والقدر، إلا حوادثنا نحن، هي من عشقنا التاريخي لممانعة تطبيق القوانين، وعدم احترامنا لبعض، ثم أخيراً ضعفنا على مستوى التربية، وواجبات المواطنة.

 

*أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق