رأي

“قسد” بين الانتماء والمصلحة والواقع …إلى أين الوجهة؟

|| Midline-news || – الوسط 
في شمال شرق سورية يطرأ على المشهد السياسي الكثير من التطورات خصوصا بعد الانتهاء من ذريعة مكافحة داعش والتنظيمات الأخرى التي نشرتها وأنبتتها واشنطن في سورية .
ميلشيات “قسد” أو ما يعرف بقوات سورية الديمقراطية, المسيطرة على منطقة شرق الفرات السوري والتي تسمى بالجزيرة السورية, باتت أمام استحقاقات وقرارات مصيرية عليها اتخاذها لتحديد الوجهة النهائية لهدفها الذي حاولت إلى اليوم إعطاءه لبوس “سوري ديمقراطي وشعبي جامع” .
الاحتجاجات تتفجر في عدد من مدن وبلدات شرق الفرات ,في دير الزور والرقة ,وتتسع رقعتها وقوتها وتعبّر عن رفض الشعب في تلك المناطق لممارسات هذه الميلشيات ، بالإضافة إلى ما جرى من مؤتمر للعشائر العربية برعاية “قسد” ,والذي بيّن أيضا وجود انقسام كبير بين المكونات الشعبية في المنطقة وتحديدا العربية ,تجاه خيارات “قسد” السياسية , لجهة التعامل مع الأمريكي وتسليمه الأرض السورية وممارسة كل أشكال الانفصال والتقسيم كأمر واقع على الأرض ,فكان هناك مؤتمر للعشائر موالٍ للدولة السورية وآخر تحت إمرة “قسد” والأمريكي .
طبعا لا يمكن إغفال الشروط التي وضعها متزعم “قسد” مظلوم عبدي للتوصل إلى حلّ مع دمشق ,وهذه الشروط التي ذكرها مظلوم في كلمته أمام مؤتمر عشائر “قسد” هي :
1- رفض سياسة المصالحات التي تتبعها الدولة السورية في المناطق الخارجة عن سيطرتها.
2- الاعتراف بحقوق الشعب الكردي دستوريا.
3- الاعتراف بالإدارة الذاتية والتي تخدم مكونات منطقة الجزيرة السورية.
4- قبول الدولة السورية بمليشيات “قسد” كأمر واقع كونها ,وفق مظلوم, تحظى بخصوصية في سوريا المستقبل.
هذه الشروط يضاف إليها عقد مؤتمر العشائر دفع إلى مزيد من توتير الأجواء مع الدولة السورية ,التي ردّت على ما قاله مظلوم عبر مصدر رسمي ” إن ما سمّي بمؤتمر العشائر السورية هو التقاء العمالة والخيانة والارتهان ,وأن مثل هذه التجمعات تجسد بشكل لا يقبل الشك خيانة منظميها ,وأنهم لا يعبرون عن أي من المكونات السورية الوطنية الشريفة” .
العلاقة المتوترة بين دمشق و”قسد” شعبيا وسياسيا يمكن أن تصل إلى المستوى العسكري كون “قسد” اليوم تنفذ بكل التفاصيل على الأرض ما يريده الأمريكي بعيدا عن الخطابات والشعارات الطنّانة التي تقولها “قسد” و”مسد” وهذا ما لن تسمح به دمشق حتى لو اضطرت للجوء إلى الخيار العسكري ,وهذا سيكون كارثيا على الجميع. هذه الخطورة استشعرها على مايبدو الزعيم الكردي عبدالله أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي ,وبعث برسالة هي الأولى منذ أكثر من خمس سنوات يطلب فيها من “قسد” تحديدا التعقل والابتعاد عن لغة التهديد والاستقواء قائلا : ” نحن على ثقة بقدرة قوات سوريا الديمقراطية على حلّ المشاكل في سوريا ضمن إطار المحافظة على وحدة الأرض على أساس الديمقراطية المحلية المنصوص عليها في الدستور الحالي مع الأخذ بعين الاعتبار حساسية تركيا “.
رسالة أوجلان الحسّاسة في المضمون والتوقيت تؤكد أن ما تقوم به “قسد” و “مسد” بات يشكل خطرا كبيرا على المنطقة كلها ,سوريا وتركيا والعراق وإيران. وهناك توافق بين هذه الدول على مخاطر المشروع الكردي في المنطقة وبالتالي استمرار تحرّك “قسد” للأمام في هذا المشروع سيوحّد هذه الدول أكثر لجهة التصدي له ودفع الأكراد ثمنا باهظا نيابة عن الأمريكي المخطط والداعم لأيّ جهود ونوايا تقسيمية للمنطقة.
يضاف إلى ذلك أن رسالة اوجلان ,الموجود في سجن أردوغان, تضمنت تحذيرا لـ”قسد” من إثارة الحساسية التركية تجاه مشروعها في سورية ,وهذا يؤكد أن كل الاتهامات التي توجهها دمشق وأنقرة لهذه الميلشيات هي حقيقية وفي محلها .
أما توقيت رسالة أوجلان لـ “قسد” ,فالمعلومات والتسريبات تربطها بالداخل التركي وبصفقة جرى الاتفاق عليها بين أردوغان وحزب الشعوب الديمقراطي لاستعادة العاصمة الاقتصادية التركية من يد المعارضة التي فازت بها في الانتخابات البلدية الأخيرة, وتقول المعلومات “إنه بالتزامن مع قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الانتخابات البلدية في اسطنبول جرت مفاوضات بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب انتهت بالاتفاق على إطلاق سراح صلاح الدين دمرتاش زعيم حزب الشعوب ونقل الزعيم الكردي عبدالله أوجلان من سجنه في جزيرة إمرالي إلى مكان احتجاز آخر هو عبارة عن منزل يضع فيه أوجلان قيد الإقامة الجبرية وذلك لقاء تصويت قرابة المليون كردي في اسطنبول لصالح مرشح حزب العدالة أو على الأقل عدم التصويت لصالح مرشح المعارضة” .
هذا بالنسبة للتوقيت التركي ,أما بالنسبة للتوقيت السوري فهي تتزامن مع إطلاق عملية عسكرية باتجاه إدلب وريف حماة الشمالي آخر معاقل التنظمات الإرهابية المسلحة ,وهذا يعني أن الدولة السورية لن تترك المناطق خارج سيطرتها مهما كانت الصعوبات والنتائج ,فبعد الانتهاء من هذا الملف ستتوجه الدولة السورية وجيشها باتجاه الشمال الشرقي وهذا يعني حمّام دم كبير سيكون الأكراد أكبر ضحاياه .
هذه الرسائل والمعطيات والتطورات والصفقات مرهونة اليوم بقدرة ميلشيات “قسد” على الالتزام بتوجيهات الأب الروحي لها ومنظرها وقائدها عبدالله أوجلان , فهل ستستطيع الإفلات من القيود الأمريكية الموجودة على الأرض وتغدق الدعم على “قسد”؟ هذا لن يكون بالأمر السهل وعليه فإن “قسد” يجب أن تتحضر للمرحلة القادمة فهي أمام خيارات أسهلها ترك الأمريكي ,وهي إن حاولت تركه فهو لن يتركها وشأنها ,وأصعبها هو مواجهة الدولة السورية وجيشها وحلفاءها والذهاب في مصير النصرة وداعش مع انقسام داخلي عقائدي. أوجلان لم يكن في يوم من الأيام أمريكي الهوى ولا يثق بالأمريكي وسياسته وهو يعي جيدا أن واشنطن ستستخدم الأكراد لتنفيذ مصالحها وترميهم , وعليه فإن “قسد” مدعوة إلى تحمل مسؤوليتها الوطنية السورية بكل ما للكلمة من معنى .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق