العناوين الرئيسيةحرف و لون

“قريحة كاتبة” .. صفاء الطحاينة

لوحة : د. ميسر كامل

|| Midline-news || – الوسط …
.

قرأتْ آخر ما سطّر قلمها، ثُـمَّ وضعتْهُ من يـدِها وهي تـتـنهـد. شعرتْ بالرضا عن نفسها. فقد مرَّ على قريحتِها زمنٌ طويل منذ آخر مرّةٍ أسعفتها لتدوّن فيها قصيدة، أو حتى خاطرة.
سعادتها لا توصف وهي تُـلملمُ أوراقَـها لتذهب إليـهِ. ليس من عادتِها الاهتمام بآراءِ الآخرين بكِتاباتِها، خاصةً وإنْ كانت بوحاً لمجرّدِ الفضفضة، أو هامشاً فكريّاً لا تعني بهِ شيئاً. لكنْ هذه المرّةُ، ستُجرّبُ أن تهتم! وهو متذوّقٌ للأدبِ كمّا تدّعي إحدى زميلاتها.

وضعتْ الأوراقَ أمامَه، وبُـكلِّ حماسٍ قالت له:
– وأخيراً أنهيتُها، وأُريدُكَ أن تكون أول من يحظى بقراءتِها.
راقبتْـهُ وهو يقرأُ بإمعان، شعرتْ بقصيدتِها تُسافرُ بهِ بعيداً. اللمعةُ الماكرةُ في عينيهِ تَـفصَحُ عن مكنوناتِ قلبـهِ الوضيعة، وابتسامَتُه الخبيثةُ الّتي حاولَ جاهِداً أن يُخفيها، فضحتْ مشاعِرَهُ ببساطة. بدأتْ تلومُ نفْسَها، وتعاتِبُها. هل هو حقّـاً الشخص المناسب ليكون شاهداً على ولادةِ حبيبتها؟
– جميلةٌ، بل رائعة. ألديكِ المزيد من هذه القصائد؟
نظرتْ إليـهِ بعينينِ نصفَ مغمضتين، وحاولتْ سبرَ أغواره أكثر، لكنّ النتيجـة الّتي توصلتْ إليهـا لم تعجبها بتاتاً، فقالت له بكُـلِّ حزمٍ:
– كلّا، ولكن لديّ قصيدة بعنوان “على هواكَ تسامرنا أيُّـها الوطن”
عضّتْ على شفتِها السفلى بامتعاضٍ، وهي تسمعُهُ يضحكُ ويقول:
– لا أرجوكِ، لا أُحبُّ القصائدَ الوطنية. أُفضّلُ قراءةَ هذا النوعِ الرومانسي من القصائدِ الّتي أشعرُ بها تأخذُني إلى عالـمٍ آخر. وكأنني أرى نفسي فيها.
كـلماتـُه تـلك كانت الدلـيـل القاطع على شكوكِهـا في تـفاهتهِ، وسطحيّـةِ أفكــارهِ. وبكُــلِّ اشمـئـزازٍ قـالـت له:
– ليس لديّ من هذا النوع إلّا ما تحتضنه بين كفّيك.
شعرتْ بخيبتـهِ وهو يرجعُ بظهره إلى الوراءِ قليلاً، ويرفع كتفيه ثّمَّ يُرخيهما بيأس، قبل أن يُتمتمُ قائلاً، كمن ليس لديهِ خيار آخر:
– إذاً هاتي الوطنية لأقرأها.
ضمّتْ الأوراقَ إلى صدرِها محاولةً حمايتها من أيّةِ إهانةٍ قد تُـقلل من قيمتها، ضمّتها أكثر وهي تقول:
– للأسف الشديد، حتى القصائد الوطنية لديها الحقّ باختيارِ من يستلذُ بعُمقِ حروفِها.
.

*كاتبة وتشكيلية من الاردن
*اللوحة للفنان التشكيلي  – سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى