العناوين الرئيسيةترجمات وأبحاث

قراءة في المشهد التونسي مابعد السبسي

د.سعيد عيسى

تجاذب سياسيّ متصاعد ستعيشه تونس في قادم الأيام، بين مختلف الأطياف السياسيّة والمدنيّة سواء بسواء، على وقع صراع عسكري مفتوح على شتى الاحتمالات في ليبيا، وحراكٍ مدنيّ متصاعد في الجزائر، وأصداء لصراعات عربيّة – عربيّة من العراق إلى سوريا مرورا بالسعودية واليمن وغيرها، يتداخل فيه الإقليمي بالدولي بالمحليّ، سيفضي بحلول الانتخابات الرئاسيّة توافقًا من القوى السياسيّة الأساسيّة على رئيس جديدٍ للجمهوريّة.
استطاع المغفور له، الرئيس السبسي خلال حكمه القصير نسبيًا، مسك العصا في المنتصف، مزاوجًا بين مختلف الفئات السياسيّة، من الحرس القديم لنظام بن علي، والحركة الإسلاميّة بجميع مكوّناتها، والليبيراليّة التاريخيّة، والحركة اليساريّة، والمجتمع المدني، عاملا على تفكيك عُقد السّلطة والطامحين إليها، مشكّلا نقطة ارتكاز للجميع بعقلانيته وبراغميته، وخبرته الطويلة في المضمار السياسيّ، لكنّ اليوم، بعد رحيله، انفتح المشهد من جديد على مصير تونس القريب والبعيد.
مسألة مهمّة يجب الانتباه لها، وهي من محدِّدات المشهد التونسيّ الجديد، تراجع الوضع الاقتصادي التونسيّ وانحداره، وانعكاسه سلبًا على حياة التونسيين، في ظلّ وعودٍ بحلّها، مقطوعة من القوى السياسيّة التي استلمت دفّة السلطة بعد عام ٢٠١١، ولم تفِ لغاية اليوم بوعودها، لا بل ازداد الوضع الاقتصاديّ تأزّمًا، ما جعل كثيرهم يتلو فعل النّدامة على تغيير النّظام، وهي نقطة ستُستَغلُّ، لصالح عودة النّظام القديم، وتنقضّ على مسارات الثورة الدّاخليّ، خصوصًا في ظلّ انكسارات التجارب العربيّة المشابهة، وتراجع المطالب وانحسار سقف الشّعارات التي طالبت بتحقيق العدالة، والاقتصاص من الفاسدين، وتصفية إرث بن علي كاملا، والخروج من نير الفقر والتهميش، والبطالة، ولا عدالة التنمية.
لا تزال الشبكات المعقّدة من المصالح متمكّنة في مختلف مرافق الدولة التونسية، تُمسك بوسائل الإعلام، والاقتصاد، لها واجهات سياسيّة، وأحزاب تسعى لاكتساح المشهد السياسيّ، مدعومة بقوّة ماليّة واقتصاديّة، وبدعمٍ خارجيّ عربيّ ودوليّ، يسعى لإعادة المشهد إلى ما كان عليه؛
لقد وجدت أحزاب وشخصيات كثيرة نفسها في السّلطة، وتصدّرت المشهد، إنّما دون خبرة كافية، وظنّت بفضل خطابها الثوريّ، أنّها طوت وإلى الأبد صفحة نظام الاستبداد، ورأت انّ فرصتها التاريخيّة حانت للتعويض عمّا لحقها من حرمان سنين عجاف ماضية، فتفرّغت لصراعاتها البينيّة، واصطدمت مع بعضها البعض، حطّمت معها الدولة والمجتمع والاقتصاد، وأفقدَت ثقة النّاس بها، في الوقت الذي كان اتباع النّظام القديم، يستفيدون من كلّ ذلك، ومن المنصّات الإعلاميّة، ليشيطنوا الثورة وللتذكير بمحاسن الاستبداد.
ما تزال أمام القوى السياسية التونسيّة فرصة كبيرة لتدارك أخطاء الماضي وإصلاحها، والوعي بمستحقات المرحلة التي تتطلب أول ما تتطلب وضع الاختلافات الفكرية والمطامح الفردية جانبا، والسعي إلى إفشال مخططات النظام القديم وخلاياه النائمة والمتيقّظة، وذلك لن يتمّ دون انسحاب الوجوه المعارضة القديمة التي استنفدت قدراتها خلال السنوات العشر الماضية، والدفع بوجوه شابة جديدة تستطيع حمل أدوات جديدة، وخطاب جديد، وحلول مبتكرة، ووضع الصراع التاريخي والأيديولوجي جانبا، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية وفقا لمبدأ الكفاءة والقدرة، وليس بناء على مبدأ الولاء والقرب من هذا أو ذاك؛
دون ذلك ودون مراجعات حقيقية وتقييم جدي للمرحلة السابقة، المشهد سيراوح مكانه، وسيبقى مفتوحا على كل الاحتمالات التي أخطرها هو عودة النظام القديم إلى السلطة من جديد، والعودة معه إلى المربّع الأول.
تونس اليوم عائدة إلى التوافق على رئيس جديد، والقوى السياسيّة مُدرِكة لذلك، وستسعى له، ولكن إذا لم يجرِ حلّ إشكالية الحكم والاقتصاد، فستعود عاجلا أو آجلا إلى بيت الطّاعة الاستبداديّ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى