العناوين الرئيسيةخاص الوسط

قدسية الأمومة عبر الأرقام .. لمى الحسنية ..

|| Midline-news || – الوسط 

 

قد تكون معظم نساء الأرض لديهن القدرة الفيزيولوجية على الإنجاب، لكن الميل “الفطري” للأمومة شيء مختلف تماماً.

الأمومة هي عقد عمل مؤبد، ساعات الدوام فيه 24/7، حيث الأعمال دائماً غير منتهية، يتخلله انقطاعات مستمرة، ولا يمكن فسخ العقد، كما لا يوجد سقف تقاعدي .. إذا ما رأيناه بهذا التجرد، لا بد أن يكون من أكثر الأعمال الشاقة على وجه الأرض. لكن أعتقد أننا، نساءٌ ورجالٌ، على حد سواء، نحاول إحاطة هذا العمل بهالة من القدسية لأسباب متباينة.

بعيداً عن القدسية التي يحاط بها عيد الأم هناك بعض الأرقام والحقائق التي لا بد من الوقوف عندها لفهم ماهية ذلك العيد. رغم عدم وجود دراسات دقيقة حول الأمومة في الدول العربية لكن الاستئناس ببعض الأرقام والدراسات العالمية يعد مؤشراً مبدئياً لما تعنيه “الأمومة”.

هناك مقولة شهيرة تقول: “نحن نحمل أطفالنا بين ذراعينا لبعض الوقت، وفي قلوبنا إلى الأبد.”عرف كل من الوالدين تلك الحقيقة، لكن بالنسبة للأمهات، هذه المقولة صحيحة حرفيًا.

في فترة الحمل، تتأرجح بطون النساء كالأقمار، وبعد الولادة، يحملنّ نوعًا آخر من السحر: حيث تحملنّ فعلاً بقايا من خلايا أجنتهنّ في دمائهنّ وفي قلوبهنّ وكل مكان في أجسادهنّ. وتسمى هذه الظاهرة بالخيمرية الدقيقة Microchimerism ، التي تعرف على أنها وجود مجموعتين من الخلايا المتميزة وراثيًا في نفس الفرد،  يمكن أن تنشأ من عدة أسباب من أهمها النقل ثنائي الاتجاه للخلايا بين الأم والجنين.

تشير دراسة في المجلة الدولية لعلم الأوبئة إلى أن هذه الخلايا الجنينية المتبقية من أطفالهن بعد فترة طويلة من الولادة في أجسادهن قد تأتي بفوائد صحية كبيرة.

فمثلاً عندما يصاب قلب الأم، يبدو أن الخلايا الجنينية المتبقية في جسمها منذ فترة الحمل، تتدفق إلى موقع الإصابة وتتحول إلى أنواع مختلفة تخصصية من خلايا القلبية. لذلك من الناحية التقنية، قد تكون بطاقات عيد الأم التي تحمل عبارات مثل “الأم تحمل أطفالها في قلبها” والتي تبدو مبالغات كلامية ومجازية تعد صحيحة حرفياً.

إذاً نحن لا نحمل فقط حرفياً خلاياكم وبقاياكم داخل أجسادنا وأرواحنا، بل وذلك يقوينا جسدياً ويحمينا من الإصابة بأمراض خطيرة مثل السرطان وأمراض القلب، كما يقوينا وجودكم الفعلي في حياتنا.

أول أرقام حول ضرورة تحويل الأم لأيقونة مقدسة، أن ربع أمهات العالم يقمن بتربية أطفالهن بمفردهن.

وفقًا لمركز بيو للأبحاث Pew Research Center، فإن %24 في المائة من الأمهات الأمريكيات هن أمهات عازبات، ووجدت الأبحاث أن “حوالي 9 ملايين أم تعيش مع طفل يقل عمره عن 18 عامًا بدون زوج أو شريك”.

وتمتد العنصرية لتشمل الأمومة، حيث تعد الأمومة العازبة أكثر شيوعًا بين الأمهات السود، فإن %56 في المائة من الأمهات السود يقمن برعاية أطفالهن بمفردهن، في حين أن %17 في المائة فقط من الأمهات البيض يفعلن ذلك.

أما عن الأمهات “العازبات” في سوريا فليس هنا أرقام واضحة، لكن العنصرية لا تطال لون البشرة هنا بل الجنسية السورية. لكن تقديرياً فقد تضاعفت تلك النسبة العالمية في السنوات العشر الأخيرة في سوريا، حيث قد تزيد في بعض المناطق على 50%، لأسباب عديدة معظمها يتعلق بالرجال منها: التجنيد والاستشهاد والاختفاء والتهجير والسفر. في المقابل فإن 7% سبعة في المائة فقط من الآباء يقومون بتربية طفل بدون زوجة أو شريكة.

أرقام أخرى قد تكون صادمة، أن الكثير من النساء اليوم لا يقضينّ فحسب وقت أكبر في العمل والإنجاز الأكاديمي، بل أيضاً في المهام المتعلقة برعاية أطفالهن. وعكس ما هو شائع فأن المرأة العاملة أو الباحثة اليوم، تقضي وقتاً أطول في رعاية أطفالها أيضاً.

وجد باحثو مركز بيو أنه في عام 2016، قضت الأمهات ما يقرب من 25 ساعة في الأسبوع في العمل، مقابل 14ساعة في رعاية أطفالهن، بارتفاع تسع ساعات في العمل، و10 ساعات أكثر في رعاية الأطفال عن عام 1965.

كما وجدت الدراسة، أن غالبية النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 40 و44 عامًا وحاصلات على درجة الدكتوراه أو يعملن في مواقع قيادية قد اخترن أيضاً الانجاب. وفقًا لمركز بيو للأبحاث، في عام 2014، أنجبت %80 في المائة من النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 40 و44 عامًا والحاصلات على درجة الدكتوراه أو مواقع مهنية عالية، في ارتفاع غير مسبوق.

إذاً علينا نحن الأمهات إشهار تلك الأرقام في وجه كل من يحاول أن يخبرنا أنه علينا البقاء في البيت والاهتمام بأطفالنا وعدم متابعة دراستنا أو أحلامنا المهنية، نحن نصبح أمهات أفضل مع تحقيق طموحتنا الفكرية والمهنية.

لا تجعلوا قرون من الأدلجة الفكرية للنساء والرجال على حد سواء في أن مهنة المرأة الأساسية هي الأمومة. لا تجعلوا الكليشيهات الجاهزة تثبط عزيمتكن في السعي وراء احلامكن مهما بدت مستحيلة في ظل ظروف الأمومة الصعبة.

كما يمكن للصور أيضاً ان تبرهن على قدسية و”جدلية” علاقة الأم بأبنائها. حيث يعد مشروع (أنّا & إف) Anna & Eve المنشور في مجلة (لينس كولتشر)، فيلم روائي مصور مستمر؛ بدأت المصورة فيكتوريا سوروشينسكي العمل عليه منذ عام  2005 حتى اللحظة.  يقع هذا المشروع ضمن فئة المزج بين الخيال والفيلم الوثائقي. على الرغم من أن جميع المشاهد تم عرضها وتصويرها بشكل افتراضي، إلا أنها تكشف عن علاقة حقيقية بين أم وابنتها، أي فيها حد كبير من الواقعية.

في عام 2005 كانت الحدود بين الطفلة والأم البالغة غير واضحة تماماً ذلك، ذلك بسبب صغر سن الأم (23) ؛ حيث بدت في بعض الأحيان أنها طفلة أكثر من ابنتها البالغة من العمر 3 سنوات. كان من الصعوبة بمكان على المصورة في كثير من الأحيان معرفة من التي يمتلك القوة والسيطرة بين الاثنتين.

تقول المصورة فيكتوريا سوروشينسكي: “كنت دائمًا مهتمة بالحكايات الشعبية على أنها تمثيل للمعرفة والإدراك العام، من حيث تأثيرها على تصّور الأطفال لمفاهيم الخير والشر والأخلاق.  لذلك، في أعمالي السابقة غالبًا ما كنت أنفذ التصوير الفوتوغرافي في إطار أسطورة أو حكاية شعبية موجودة في التراث.  لكن مشروع (أنّا & إف) لا يندرج تحت هذا الإطار، فهو ليس مبني على حكايات معينة بل هو خلق لأساطير جديدة، تم تمثيلها من خلال المشاهد تخيلية، وتعد تفسيري الشخصي للعلاقة الحقيقية بين هذه الأم وابنتها.”

وباعتباري شخصياً مصورة فوتوغرافية، فقد التقطت العديد من الصور التي تمثل الأمومة بالنسبة لي كأم بالعموم، وكأم سورية في زمن الحرب على وجه الخصوص. وتلك العلاقة الغاية في التعقيد بالأساس تتجلى بأقسى وأبهى صورها في الحرب. لا اعتقد أنه يمكن إضافة الكثير على ما تقوله الصور بحد ذاتها، ولذلك سأرفق المقال ببعض هذه الصور التي تم التقاطها في دمشق بين عامي 2016 و2020

  

ختاما، قد تمت إحاطة هذا العمل “الأمومة” بهالة من القدسية لأسباب متباينة كما ذكرنا. فقد تفعل النساء ذلك كآلية دفاعية للتخفيف من وطأة هذا العمل المضنى جسدياً وعقليا ونفسيا. وأيضاً لكسب امتيازات لدى الرجال والمجتمع.

أما الرجال يحيطون الأمومة بالقدسية غالبا لإبعاد المسؤولية عنهم والادعاء أنهم غير قادرين على القيام بهذا العمل “المقدس” .

لا توجد خلطات سحرية لنترقي نحن النساء على سلم درجات مهنة “الأم”. لكن من المؤكد أن جميع من يتبؤون هذا المنصب؛ يحاولون المحافظة على الكرسي. لكن صادفت حالة استثنائية: (أمي) لا تأبه بالكراسي أو الطاولات أو الأرقام أو الدراسات أو الصور … جل حياتها … نحن.

لمى الحسنية – كاتبة وفنانة سورية – دمشق 

===================================================================

[i] https://academic.oup.com/ije/article/43/1/168/733280?login=true

[ii] https://www.pewresearch.org/fact-tank/2019/05/08/facts-about-u-s-mothers/

[iv] https://www.lensculture.com/

[v] https://www.lensculture.com/articles/viktoria-sorochinski-anna-amp-eve?fbclid=IwAR3Jz2tWNila1bKeBEcJ25P4GSGayOQhZCDADDxA3Cmcl5y2qRLfvMF-76g#slide-1

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى