إضاءاتالعناوين الرئيسية

“قبل أن نتفرغ للموت” .. فدوى خصاونة

|| Midline-news || – الوسط
.

كنا صغاراً نتهامس في الطرقات ونبوح أسرار الحياة، فجاء القطار من تلك المسافات، وتذكرت انني لم أجهّز حقيبة الرحيل؛ والقطار لا يقف في صف المنتظرين، ولا يغادر إلا أن أصعد ذلك السلم، يا حسرة ماذا قدمت نفسي لذلك اليوم؟
يا حسرة على ما فرطنا.
حسرة، إنها سكرة الموت؛ ذلك الموت الذي لا ينتظر ولا يخجل.
كلّ ما أذكره طيفا لطفلةِ تخطت الازدحام وعاشت لحظات الحياة بانتظار كلّ شيء، واليوم أسير بطريقي وقد انطفأ نور الكون وذبلت أزهار الربيع؛ فاستسلمتُ وأعلنتُ الانسحاب.
تتزاحم الصور بألبوم بحجم الكتاب؛ صور لا تكبر ولا تشعر ولكننا نشعر بتفاصيل لحظاتها؛ فتسبب لنا صخبا وتساؤلات كثيرة كيف عشنا ذلك السراب؟
ومن أين امتلكنا كل تلك القدرة على السعي في كل هذه المتاهات؟
استوقفتني صورة وأنا أسير بين الورود حول الفراشات؛ وكم عشقت الفراشات البلهاء وهي تحوم حول «فلاش الكاميرا» لتقع صريعة اللهيب، كذا نحن نحوم ونبحث عن وهج ونور؛ لنبصر الحقيقة فترانا فيها صرعى كأعجاز نخل خاوية.
نحن على موعد في مقهى الحياة على طاولة القهوة؛ وحبات المطر تداعب النوافذ، وتتسابق في السقوط؛ قلوبنا تتآكل بانتظار اللقاء حتى تهمس العقارب أن الوقت يمضي، وعلينا أن نكف عن تعاطي الانتظار؛ فنترك الطاولة و نغادر بالحال.
نحن أيتام الألم قهرتنا التفاصيل وتكبدنا في معركتنا مع الزمن العجيب خسائر جسيمة بالنفوس، عشنا في برود من العاطفة وكأننا في عاصفة هوجاء تحمل ما تحمل من أشلائنا.
أدركت اليوم كم كنا ساذجين كم نحن بريئون عندما قهرتنا جراثيم الحياة.
عندما يأتيك الموت لن تتذكَّر الأشخاص الذين كرهتهم، لن تقف على تفاصيل ظلمهم، عند الموت لن تتذكر إلا نفسك ستحاول أن تهزم الألم، ستطلب الرحيل دون وجع، لن يكون معك أحد ستتألم لوحدك، و تصارع النزاع لوحدك، و ستدفن لوحدك، و تحاسب لوحدك، ولن ينفعك مال ولا حتى ولد.
المؤسف بالموت أننا نموت قبل أن نتفرغ له.
نموت ونحن مشغولون بالحياة وعلى رأس أعمالنا.
نحن نمر على هذه الحياة ونمضي دون أن نصنع شيئا نمضي بخطوات تصرخ وتستغيث وتضرب الأرض والطرقات.
نسير إلى الموت بعد أن نشق طريقاً معبدة لعبادة الحياة وبعض البشر.
الموت يوجعني عندما أعلم أنه جاءنا ونحن نخطط، ونصوب سهامنا نحو حرية ونصر، أو حتى صلح مع الذات؛ نمضي مع الموت قبل أن نحقق شيئاً سوى حياة وبعدها موت.
يد الموت طويلة تسرق وتخطف وبلمح البصر ينتهي كل شيء.
خيارات الموت كمجموعة تسير في شارع فتأتي سيارة من ذلك الأفق، ومن تلك السحابة، وتصدم الجميع والموت يكون لواحد بعينه.
يوماً ما ستطل علينا عجوز قبيحة المنظر ريحها نتنة تضحك بأسنان مخلوعة، نحاول أن نبتعد عنها لا نريد أن نرى كل هذا القبح، ولكنها تلاحقنا فنسألها: من أنت ولماذا أنت هنا؟
فتقول: أنا الدنيا.. أنا الدنيا التي تنازعتم لأجلي، تقاتلتم لأجلي، سرقتم، كذبتم، ظلمتم، كل هذا كان لأجلي فهل كنت أستحق كل ما فعلتم؟
هذه الحياة لا تستحق أن نلتفت للحظات ولَّت.. فامض وألق كل ما علق بحقيبتك من بؤس الماضي.
أمام الحقيقة الوحيدة أمام الموت انس كل شيء واعمل وكأنك بآخر يوم من حياتك.
الموت باب وكل الناس تطرقه.. الموت باب وكل الناس تدخله.
.

*كاتبة من الاردن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى