إضاءاتالعناوين الرئيسية

“قبقاب الحارة” .. د. محمد عامر المارديني ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

* أهدي هذه المقالة إلى روح الأستاذ الدكتور رضا سعيد أول رئيس للجامعة السورية (لاحقاً جامعة دمشق) التي تأسست عام 1923 ..

استيقظ “العكيد” أبو شهاب ذات يوم يريد دخول الحمّام. صرخ بأعلى صوته منادياً زوجته شريفة لتحضر له قبقابه. قالت له شريفة: ” أمرك ابن عمي، تكّة وبيكون عند رجليك”. بحثت شريفة عن القبقاب في كل مكان، في غرفة النوم، في المطبخ، في الليوان، في القاعة، في بيت المونة، ولكن عبثاً، لم تجده.

ملأ الرعب قلب شريفة، فماذا ستقول “للعكيد” عن اختفاء القبقاب؟ فكرت للحظات، ثم قالت له بصوت مرتجف: “وليْ على قامتي، القبقاب مو بالبيت، القبقاب مسروق ابن عمي”.

شُده أبو شهاب لسماع ما قالته شريفة. نظر عبر النافذة الخشبية إلى أرض الدار، ثم أخذ يفتل شاربه الطويل وهو يقول: ” لَكْ يا حيف عليك يا أبو شهاب، يا حيف عليك، قبقاب الحارة ينسرق من بيتك؟، يا حيف، والله ما في غيرك يا إدعشري، أنت يلّي سرقتو”.

فتح أبو شهاب باب المنزل، ثم أخذ ينادي النمس ليسأله إن كان يعرف شيئاً عن سرقة قبقاب الحارة. أنكر النمس معرفته بالجريمة جملة وتفصيلاً، متّهماً كبير الحارة أبا عصام بتدبير سرقة القبقاب ليهين ابن الحمى، “العكيد” أبا شهاب، أمام أهل حارة أبي النار.

في هذه الأثناء حضر أبو النار إلى حارة الضبع، ووقف عند باب الحارة يحمل قبقاباً محروقاً. صرخ أبو النار مزمجراً بأعلى صوته : ” لَكْ عيب عليك، عيب عليك يلّي مسمّي حالك عكيد، عيب عليك ترمي حارتنا بقبقاب محروق، هي يا صوص بيسمّوها تعليمة، شو يا أبو شهاب عم تعلّم على حارتنا؟”، لكْ وينك يا صوص؟، أرجينا وشّك؟”.

اجتمع زعران حارة أبي النار يؤازرونه في مصابه، فكيف لقبقاب محروق أن يُرمى على حارتهم، إن هذه لإهانة كبيرة لا يُسكت عنها.

بدأ فتيل المؤامرة يشتعل، لكنْ من له مصلحة في إشعال هذا الفتيل غير “الكوماندان ماكرون؟”.

ركض “العكيد” الصغير معتز يخبر خاله عن اعتصام زعران حارة أبي النار عند باب الحارة، فما كان من “العكيد” أبو شهاب إلا أن حشد على الفور أهل حارته، حارة الضبع، وعلى رأسهم كبير الحارة أبو عصام، ومن خلفه أم جوزيف، وأبو ظافر، وأبو حاتم، وأبو بشير، ومأمون بيك، ثم انطلق الجميع متوجهين إلى باب الحارة.

وعندما وصلت جموع أهالي حارة الضبع رأوا زعران حارة أبي النار متجمعين يرفعون رايات الانتقام، متسلحين بالعصي والسكاكين. وقف أهالي حارة الضبع مقابل زعران حارة أبي النار وجهاً لوجه، معلنين التحدي بصدور عارية، لا يريدون قتالاً.

صرخ أبو شهاب منادياً أبا النار: “أبو النار، يا أبو النار، أنا أجيتْ وصدري مفتوح”، ثم شق قميصه البروكار المطرز بالبرّيق فبانت حلمتا ثدييه، ثم قال: “لك دبحْني يا أبو النار ولا تؤول عني خوّان، برضاي عليك، خلّي إيدنا بإيدك يا أبو النار، أيدنا بإيدك بوشّو للكوماندان ماكرون وعصابته المأفونين”. ثم قام أبو شهاب بقص شاربه الأسود المفتول ورماه على الأرض من دون أن ينظر إليه، ثم لبس القبقاب المحروق، وداس على الشارب المفتول بكلتا قدميه قائلاً: “شكلين ما بحكي، قسماً بالله العظيم، ويلّي خلق الكون بستّيام، ما بترجع شواربي على وشّي إلا بعد ما بدعس بهل قبقاب على راس الكوماندان ماكرون، والله، ويلّي اسمو الله لخلّي باريز مربط خيلنا”.

صمت الجميع للحظات، ثم ارتفعت أصواتهم مهللين بالقول : الله أكبر، الله أكبر، ثم ما لبث أن تعانق أهل حارة الضبع مع زعران حارة أبي النار متحابين متعاضدين. حمل معتز خاله على كتفيه، بينما امتطى العكيد أبو النار كتفي الواوي، ثم انطلق الجميع مهرولين إلى المخفر ليجدوا هناك صدفة الداية أم زكي وفريال وفوزية بعد أن كنّ عند أم حاتم لقضاء “صبحية”.

دخل الجميع المخفر وهم يهللون الله أكبر، الله أكبر، ثم ربطوا على الفور العسكر “الفرنساوي” بالحبال، وأخذوا منهم أسلحتهم، وأعطوها لبشير وعصام كي يسلماها لاحقاً لأبي حسن في الغوطة، وفي غرفة أبي جودت رئيس المخفر وجدوا “الكوماندان ماكرون” يرعد ويزبد. وعندما شاهد “الكوماندان ماكرون” ذلك الحشد الشعبي ارتعدت فرائصه، فتراجع قليلاً إلى حائط غرفة أبي جودت مستنداً إليه، ثم قال وهو يرتعش، بلغة عربية ملحونة بالفرنسية: ” توّل بالك أبو شهاب، توّل بالك، دهيلك أبو شهاب، ماكرون يبوس أيدك، دهيلك أتيني كبكاب محروك”. أعطى أبو شهاب القبقاب المحروق للكوماندان ماكرون قائلاً له: شرف يا أفندي، شرف أرجيني شو بدّك تساوي بالقبقاب. أخذ الكوماندان ماكرون يضرب رأسه بالقبقاب قائلاً : ” بئتذر منكم أهل هارة، دهيلكم تسامهوني، دهيلكم لا تكتلوني، والله أنا بكرا ماشي على فغنسا، وأتيت أوامر فك هصار عن هارتي دبع وأبو النار، ويتلع برا سجن كل مهكومين مؤبد، ورايهين أنا وكوّات فغنسية برات أرد سورية بأد يومين، وسنأتذر من سورية في أصبة أمم متهدة، ولا تهافوا ألى كبكاب، بكرا أشتري كباكيب لكل واهد من أهل هارتين”.

زغردت الداية أم زكي، ودلال، وفوزية، وأم جوزيف، ثم صرخ أبو دراع وأبو طاحون وأبو حاتم وأبو سمعو وأبو سمير الحمصاني وأبو بدر وقاعود وصطيف، صرخوا عالياً، مهللين فرحين ومستبشرين: الله يعزّك يا شام، الله يعزّك يا شام.

وفي هذه الأثناء ظهر أبو ظافر ينادي أبا عصام قائلاً: “أبو عصام!!، لَكْ سماع مني يا أبو عصام!!، لازم تطلّق مرتك العواينية، روح طلّقها وريّحْنا منها”. دمعت عينا أبي عصام، ثم أخذ يتمتم بكلام غير مفهوم، ثم قال بعد تنهيدة طويلة كادت تُخرج ناراً من صدره: ” لَكْ روحي يا مرتي يا عواينية، روحي وإنتي طالق، طالق، طالق”. وعلى الفور آزره ابنه معتز فطلق زوجته اليهودية سارة وطلب في الوقت نفسه يد أم زكي الداية.

*أديب وكاتب – وزير التعليم العالي السابق – سورية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق