إضاءاتالعناوين الرئيسية

في وشايات الكلام .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

 

يحدث أن يفضي شاعر ما بشبهة «سر» ولعل ذلك ما يواسي أكثر من نزوع للالتفات إليه أولاً لا إلى من يقصده بالكلام ، جهراً بما يشبه الحقيقة لا الحقيقة كاملة، ولعل ذلك قد غدا بحكم التقليد المذموم الذي عرفناه في أدبيات عربية وغربية، لا سيما حينما تصبح السيرة الأخرى أقرب إلى البطولة الناقصة، أو كمن عثر على سر شاء مداولته على ألسنة العامة، ومنها إلى النخب توسلاً لهز قناعات راسخة، من شأنها أن تخدش  «أيقونة» الشاعر، لطالما ظل الشعراء الكبار في الوعي الجمعي قوة المثال، بل الصورة التي تحتفظ بكامل براءتها وتحت الضوء، أما في الظلال الكثيفة فلا شأن للوشاة بتفصيل إضافي أو مخترع، سيبدو الأمر أشبه بإلقاء نكتة باردة على جمهور حار!.

لم يعد تفصيلاً فائضاً ما وشى به شاعر صديق جاور صديقه في أمكنته وأزمنته وتراسل معه خطاباً وإيقاعاً اسماً وهوية حدَّ التماهي بطقس القصيدة، فما يُقرأ من وراء وشاية مخاتلة ليست المسألة في صدقها أو كذبها، بقدر ما تشي بطريقة التفكير وبحمولاته النفسية والوجودية والثقافية وتوقيته الماكر، لحظة احتدام الذاكرة والاختلاف على المسمى، واحتدام الخطاب النقدي في المكونات والطبقات والخطابات الثقافية التي شكلها منجز بعينه دون اسقاط التشاكل مع نزوعات فردية محضة، ليس لها في الميزان حصة لطالما غاب الجسد في التراب، أليس هو القائل في جداريته العتيدة: «ولي جسدي المؤقت، حاضراً أم غائباً، متران من هذا التراب، سيكفيان الآن، لي متر و75 سنتمراً، والباقي لزهر فوضوي اللون يشربني على مهل».

والحال ماذا لو وشى مروان قصباشي بصديقه عبد الرحمن منيف، أو غابرييل ماركيز بكواباتا، أو ماركيز بماريو باراغاس يوسا، وهكذا فإن القائمة ستطول ولن تنتهي عند جمستين ورامبو وديستوفسكي وسواهم الكثير، فالأمر ليس بسهولة إطلاق رصاصة رحمة على سيرة ملتبسة ظلت تشغل الثقافة العربية والعالمية ردحاً بعيداً في الزمن، إنه بمثابة الاقرار بأن ثمة في تجربة الواشي ما ينقصها اكتمالاً وما يواسيها قلقاً، لتُنجز علامتها، ولعل هذا المقام من يشي بغير سؤال هاجسي التكوين يأخذنا لأكثر من سجال ربما على الأقل يعيد لنا الآن ذاكرة المعارك الأدبية التي انتهت في أربعينيات القرن الماضي وكان المنتصر فيها الإبداع فحسب.

وبوضوح منهجي وبالنيات الحسنة، يظل سؤالنا الكبير والفادح لماذا الآن تُفتح نافذة في قبر، وتُخدش شاهدة ويأتي الكلام مثلوماً ليهشم الأواني والزجاج، فهل كان «درويش» العابر لكل السياقات الجمالية والإنسانية بآن معاً بما يشبه الخطر على من عرفوه، ولماذا في الآن عينه ظل هاجساً يبحث في أسراره القاصي والداني، توسلاً إلى أن تصبح حقيقة بعينها، إذ الحقيقة لابد لها من حقيقة أخرى بالضرورة، لا نذهب إلى توثين الشخص لكننا نذهب إلى أخلاق المعرفة، بما تقتضيه صداقة اكتفت بمدائحها وصارت أقرب إلى أنموذج بعينه، يواسي قلق شاعرين تقلب بهما الزمن، فجناية الكلام خدش للتصورات، خدش ماكر بالضرورة لأنه يذهب أبعد من شخص بعينه لظاهرة مازالت مركبة بما يكفي، وملتبسة بما يكفي، اسمها النهائي محمود درويش.

*أ. أحمد علي هلال.. كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق