العناوين الرئيسيةفضاءات

عن فيلم “ديل السمكة” .. سعد ناجي علوان

|| Midline-news || – الوسط …

.

 

تتناقل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في مصر؛ خبراً يتصل بنية قيام المخرج الشاب محمد سامي، بإخراج مسلسل يعدّ العدة له كي يكون جاهزاً للعرض في الموسم الرمضان المقبل. إنما سبب الضجة التي حدثت ترجع إلى المسلسل سبق أن عُرض في السينما المصرية بعنوان “ديل السمكة” وهو لقطبين من أقطاب الفن المصري المؤلف والسيناريست وحيد حامد، والمخرج سمير سيف.
وما سبق كله، دفعني للكتابة عن فيلم “ديل السمكة” لوضع قراء “الوسط” في أجواء الفيلم السينمائي، المتوقع تحوله إلى مسلسل تلفزيوني.
بداية.. تجتهد السينما بمعناها العام وبما تطرحه من مفاهيم وأسئلة موازية لمسيرة الحياة على تأكيد صورتها الخاصة ضمن أطرها المجتمعية، حتى وإن بدا ماتقدمه ضرب من السعادة المبالغة والتسلية. وذلك أيضاً أحد عناوينها اﻷصلية، لترسي قواعدها الثابتة التي تنطلق منها بعد حين إلى آفاق أرحب..
إﻻ أننا سنجد غياب اﻷمر ضمن اشتغاﻻت السينما العربية والمصرية خاصة مع تفوقها الإنتاجي. فلا سمات شخصية وﻻ دﻻﻻت مميزة تنفرد بها عن أية سينما أخرى! ليبقى الاجتهاد والمحاوﻻت الفردية هي التقاليد المتبعة في السينما العربية.. فما زال الإصرار على تجاهل معنى السينما الحقيقي وأبعادها الفنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وفقدان المبادرة على الإبداع أطول وقت ممكن لتأكيد مميزات الشخصية الفنية، واللجوء الى الاستعارة والسذاجة هو الواقع المفضل! على الرغم من استمرار البعض على العمل لإعادة السينما إلى مسارها الصحيح بتجارب جميلة مع ندرتها كفيلمنا الذي نتحدث عنه”ديل السمكة”.

الفيلم مقتبس عن تجربة الشاعر محمد مسعد؛ الواقعية، كمسجل عدادات كهرباء. في إطار لحكايته، ومستعيناً بالوقت ذاته برباعيات الشاعر الكبير صلاح جاهين كإمضاءات على مايحدث من فواصل حياتية لشخصيات الفيلم، والذي يصادق تماماً على خياراتها ويتعامل معها بحيادية تامة، بينما يحنو كثيراً على مسارات شخصيته الرئيسية وتطورها الفكري والدرامي، أمام أزمة وجود الفرد /الفرد البسيط خاصة/ وأصالة كيانه، مقابل إهمال السلطات والمؤسسات الرسمية، وهو مفصل فكري وفني لطالما عمل عليه وحيد حامد وسمير سيف.

بعد فترة من العمل في العشوائيات التي تفتقر الى أبسط الاحتياجات الإنسانية، ﻻيصدق /أحمد..عمرو واكد/ أن الناس يعيشون بأماكن كهذه في مدينة القاهرة!
وحين ينتقل للعمل في وسط البلد، المكان الملائم له كشخص وﻷي بعد درامي فني في الفيلم أو حياتي، تتجسد صور الحياة الزاخرة بالمعنى الثر للوجود المتناول كوجبة مشتهاة دائماً /الحب- الخصام- الكذب- الخيانة- الوفاء/ وكل مايزيد ويوضح أو يقوض معاني لعبة الحياة.
درس صعب يشبه صفعات متواترة على الوجه. لكنه موّلد جيد للأسئلة والبحث عن الإشكاليات التي تحيط بشخصية أحمد وتؤرقه. فما معنى عمل حبيبته الممرضة /ليلى.. حنان ترك/ في نادي القمار ليلاً لإعالة أخوتها، رغم أنها محجبة؟! وكيف تحول /سيد بطش.. سري النجار/ سمسار المتسولين، إلى رجل أعمال ينافسه على حبيبته التي تغادر الحارة مع أخويها الصغيرين دون تبرير؟

يثب السؤال: إلى أين سيؤول التردي المتزايد في كل مكان حوله من مصر؟والجواب بالطبع أكثر ألماً، وأغرب مما يتوقعه لدى صديقه الكتبي /العم حسن..عبد الرحمن أبو زهرة/.
-من نحن ياعم حسن؟
-نحن ديل السمكة يا أحمد.. الجزء الذي ﻻيرغب به أحد ويُرمى به جانباً عند اﻷكل.. لكنه من يحافظ على توازنها.. هكذا نحن في المجتمع بما نقدمه من عمل منتظم لكن ﻻ أحد يهتم بنا!
ومع تنامي وعي أحمد وتنقله بين طبقات المجتمع، يقدم لنا الفيلم شخصياته اﻷكثر ثراءً واكتماﻻ. ولربما لم يسبق للسينما المصرية أن اقتربت أو قدمت بعضها بحيادية ونضج كما في هذا الفيلم. ففي شفة فاخرة يتعرض أحمد لإغراء صاحب الشقة /رؤوف مصطفى/ كي يمارس اللواط معه! أمر سيربك ويخيف أحمد نظراً لوجاهة الرجل وسنه وفداحة اﻷمر كما يؤمن، لكن صاحب الشقة يدافع عن نفسه:
-ﻻتفهمني خطأ.. أنا لم أختر اﻷمر، ولدت هكذا فلا تحقد علي.
وذلك دفاع نادر جداً من الفيلم عن المثلية التي يقدمها هنا كجزء من تكوين الفرد البايلوجي! وليس اختياراً شخصياً وأخلاقياً. لتتكرر التجارب المؤلمة في الجزء الراقي من المدينة وكأنه اﻷضعف إنسانياً، رغم ثرائه المادي والاجتماعي، إذ يلتقي أحمد بسيدة مقعدة على كرسي متحرك /محسنة توفيق/ تعيش الوحدة والفراق وعقوق أبنائها. بل هي لا تعرف كم تبدلت شوارع القاهرة، لتدهش كطفلة أمام ساعة سعادة يمنحها لها أحمد كما ابن بار. وﻻبد للفيلم بعد ذلك من أن يكافيء أحمد الشاعر في مدارات دفاعه عن شخصياته. لتدور أشعاره أغنيات على ألسن الناس، وهو يعيد بذلك ألق توارى لسنوات عن المطربة /كروانة.. سوسن بدر/.

يكتمل الدرس بعد عدة مفارقات إنسانية أخرى ويتعلم أحمد أن “اﻷخلاق ﻻيمكن لها أن تتحقق اعتماداً على براءتها وصدقها فقط”!.
توازن يعمق فهمه لذاته أوﻻً ومواجهاتها فيما ترغب ثانية. لذا لم يضعف أو يتراجع عندما يجد حبيبته ليلى في إحدى شقق ذلك الحي الفاخر متزوجة من ثري خليجي! وسيكون الحوار بينهما عقلانياً وودياً بجمله القصيرة المتزنة والضحكات الصادقة، ليغادر مطمئنا بأنه ربح نفسه:
-لم تقرأ العداد؟
-أنا ﻻ أنتمي إلى هنا..
-كذلك أنا يا أحمد ﻻ أنتمي إلى هنا!
لدي أمل أخيراً أن يكون المسلسل المرتقب، كما كان الفيلم الذي أعاد لنا من خلاله (وحيد حامد وسمير سيف) الثقة مرة أخرى بصورة واضحة للسينما العربية التي تحتاج إلى محاوﻻت أخرى متواصلة، قد يكون المسلسل إحداها.

 

*شاعر وناقد سينمائي – العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق