الوسط الثقافي

فوّاز خيو : كانت السيوف تنغرز في جسدي ودمائي تسيل بينما أمنح الإثارة والضحك للآخرين..

تجربتي الحياتية كانت محاولات مهلكة لأعرف من أنا!

|| Midline-news || – الوسط …

حوار : روعـة يـونـس 

هو الشاعر الوعر، لكنه الكاتب الساخر الأشد وعورة والأكثر خطورة.. كانت له صولاته وجولاته في ساحة الكتابة النقدية الساخرة عبر زاويته “أبجد هوز” في صحيفة الثورة، خلال العقدين الأخيرين قبل نشوب الحرب على سورية.

فواز خيّو، الذي لا يشبه أحداً ولا أحد يشبهه، خلقه الله قلماً يحارب الفساد والمفسدين، غيّر بكتابته بعض الأحوال والإدارات، لكنه لم يتغيّر مع النجاح والشهرة. ظل على نقائه وطيبه وإحساسه العالي بالآخر الموجوع، ولم يستثمر قلمه للتكسب ولا رهنه للمال!

اقتنع بما لديه، فامتلك في الشعر والصحافة كنزاً يؤرخ لسيرته وسيرة مجتمع ووطن بأكمله.

في حوارنا معه اليوم، نستذكر رحلته مع القلم وبوادر الشعر والكتابة، ونقف على رأيه في فواز خيّو نفسه، وفي الواقع الثقافي والمؤسساتي بما فيه من خيبة وآمال.

محاولات معرفية

لا بد من قبيل التذكير، واستقطاب الفئة الشابة في “الوسط” التي وُلدَت في التسعينيات بينما أنت كنت تكتب الشعر وعمودك النقدي الساخر في صحيفة الثورة. أن نرجع إلى تلك المرحلة كتوطئة لحوارنا، فماذا تقول؟

  • أنا ساحر يدخل الحزن إلى الروح فيخرجه قصائد وعصافير من أكمام القلب. كتبت على غلاف ديواني أبصرت العتمة عام 1961، نسيت أن أترعرع، درست في أكاديمية الخراب، وتخرجت بمرتبة متشرد وغريب.لا شيء فيَّ يشبهني، حتى المرآة لم تستطع لملمة شتاتي. وجدت في القصيدة خيمة على أطراف هذه الصحراء، تعصف الريح بأوتادها، لكنها أمتن من أوتادي، فدلفت إليها مرتعداً من الخوف والحر والبرد والحنين لعلني أعرفني. إلى أن وجدت في الصحافة بعض ملاذ، فكتبت الزاوية الساخرة في جريدة الثورة وكانت واسعة الانتشار، حتى أنا لفتت انتباهي!

لكن، كل تجربتي الحياتية والكتابية كانت محاولات مهلكة لأعرف من أنا، ثمة نفق مظلم تصطف على                 جانبيه أعمدة الأحلام المكسورة. وكلما خيل إليَّ أني اكتشفت شيئاً، ازداد غموضاً:

“هارباً مني أتيت.. هارباً مني سأمضي

ليس أقتلَ من أن تقف أمامك كغريب”

الحب والحرف

قبيل تلك المرحلة، متى بالضبط حملت القلم الذي وصفته في غير مرة “سلاح” خاص بك؟

  • حملت القلم.. وهو حملني، سندني ومنعني من الانكسار، وأنا منحته الضوء والقوة. جئت من تحت الأنقاض أحمل بكالوريا صناعية – كهرباء، وليست لدي أية ميول أدبية أو ثقافية حتى!! لكن، فتاة أضرمت هشيمي بنظرة لاهبة، وذهبت إلى الجيش وأصبح اللقاء معها صعباً، فكان هاجسي هو تفريغ بركان المشاعر وإطفاء الحرائق في داخلي. فتعربشت على بحور الشعر وقراءة الشعر، وبدأت أكتب وأمزق حتى استقامت القصيدة.

إذاً، الحب هو الذي أمسكك القلم. وعليه، ما هو أثر الحب ودوره في حياتك كشاعر وإنسان؟

  • الحب هو أن تجد مسروقاتك كلها في وجه من تحب، أن ترى اكتمالك فيه. ثلاث نساء وثلاثة كتب لهن. ففي مطلع التسعينيات كنت غارقاً في كوابيسي، وعلى وشك الغرق والاختناق، ظهرت “أمل مكارم” كحبل من الضوء، التف حولي وانتشلني من عتمتي، فكتبت لها “طائر في الفضاء الوعر”. وحين أصدرته كديوان، وافقت على أن تكون صورتها معطفاً للقصائد، وكتبت مقدمة مهداة لها.

             قلت لها ذات مرة: لقد كُنتِ حَدثاً كَبيراً، وأرسلني الله كي أقوم بتوثيقك وتأريخك، كي لا تتعرضي للتزوير               ككل أحداثنا الكبرى.

والحقيقة شكلت لي سارية وأيقونة حمتني من نفسي، ورغم افتراقنا 23 سنة بسبب ظرف يخصها،                 فقد بقيت امبراطورية مترامية أتبع لتاجها. ثم التقينا بعد عمر، وساندتني أثناء اختطاف عائلتي بتواصلها               و اطمئنانها الدائم، فكانت إنسانة كبيرة ووجودها سند حقيقي لي. لكنني هجرت القصيدة ربع قرن                     بسبب غيابها.إضاعة البوصلة

اليوم، كيف تنظر إلى الشاعر في داخلك طالما هجرت القصيدة، وبالتالي كيف ترى الحالة الثقافية عموماً؟

  • الشاعر محضّر أرواح، يستحضر كل ما هو غائب؛ الوطن، الحبيبة، الأحلام، يستحضر كل شيء ووحده الغائب. الدجل الجليل يمنح الأمل وهو يتصدع، الكلمة حين تكون رسالة وليست مهنة تكون جمراً لا يطاق. لذا، يهم الشاعر إلى بناء عالم جميل، ثم يتصاغر حلمه إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ثم إلى محاولة إنقاذ ما تبقى منه هو نفسه.

فالشاعر أو الكاتب الذي لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن مصير العالم ليس جديراً بالحياة. بينما المثقف                      والنخب عندنا، والتي يجب أن تحمل المشاعل، هي أكثر الناس ضياعاً وإضاعة للبوصلة.

عقد النقص تقتل الكثيرين، بعضهم جاهز للصعود ولو على خازوق!! الازدواجية والانتهازية دمرت النخبة                فضاعت وضيعت البلد معها. إن عامل “البيتون” متماسك ومنسجم مع نفسه أكثر من معظم المثقفين.                وبينما النخبة في الغرب مهدت وقادت وقامت بكل التغييرات الكبرى، نجد عندنا نخب الموضة                              “الشارلستون”.

 الندّ وتوأم الروح

خلال تلك الفترة، بمن تأثرت من الشعراء العرب أو الأجانب؟

  • المتنبي الشاعر الأعظم عبر العصور، كما أحببت درويش والسياب. لكن أكثر من تأثرت بهما هما عمر أبو ريشة ومحمد الماغوط. عمر منحني الكبرياء والجرأة، كان يقابل جون كندي ونهرو وعبد الناصر والملك فيصل وغيرهم، الند للند، أنت رئيس جمهورية أو ملك، وأنا رئيس جمهورية الشعر العربي. التقيته مراراً وبكيت حين قفز أمامي خبر رحيله.

          أما محمد الماغوط فهو توأم الروح، علمني كيف أخرج عارياً، وأن أكسر كل الأقنعة والحواجز. حين مات                  بكيت لأني لم أستطع أن أبكي.

أبجد هوّز

لندخل إلى المرحلة المهمة في حياتك ككاتب مقال ساخر، من أين بدأت في عالم الزاوية الساخرة، وكيف امتلكت جرأة تحدي سلطات ومسؤولين بلغة ساخرة قاسية؟

  • عملت في مطابع جريدة الثورة من أجل أن أنشر قصائدي في الجريدة، كانوا يعذبوني لينشروا لي قصيدة، بينما أرسلها الى جريدة السفير وتنشر فور وصولها. اشتغلت في المطابع بالشحم والزيت خمسة أعوام، وحين صدر ديواني “سفر في الجنون” نقلوني إلى التحرير، وبعد أشهر جاءنا رئيس التحرير وطلب زاوية ساخرة، فقدمت نماذجي، وبعد شهرين صارت الناس تتابع الجريدة لتقرأ “أبجد هوز” للساخر “فواز خيو”. والحقيقة جلب لي النجاح كل الخناجر إلى عنقي، من الصغار الذين لا يكبرون ولا يحتملون أحداً أن يكبر.

رغم نجاح زاوية “أبجد هوز” وتألقك في كتابتها عدة مرات في الاسبوع عانيت كثيراً، ولم تكن في أمان؟!

  • نعم، كنت كثور اسباني، تنغرز السيوف في عنقه وظهره وتسيل دماؤه بينما هو يمنح الإثارة والضحك للآخرين.
    كتبت في الرياضة والاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع وغيرها من المجالات بنقد وسخرية مُرَّة، ما جعل الجميع يتابعونها. كتبت بلغة مشتركة وصلت للجميع، كانت مقروءة من كل الفئات، من رئيس الجمهورية إلى العامل البسيط. كانت جريدة الثورة تنفق بعد ساعة من المكتبات في يوم نشر زاويتي بينما المرتجع ضخم في بقية الأيام. وهذا ليس غروراً أو تكبّر. فالحقيقة حوربت وحرمت من امتيازات وسفريات وغيرها، من قبل ادارات كنت أنتقد ترهلها وعدم كفاءتها.

حماية عليا

هل كانت الحرية نابعة من داخلك من منطلق (ليس لديك ما تفقده)، أم كان حينها رئيس التحرير الأستاذ عميد خولي قد أتاح لك هوامش من الحرية مرفقة بحماية ما؟

  • من قيمي التي أحملها، وأحلامي بوطن قوي معافى خالٍ من الفساد والمحسوبيات، تكون الكفاءة هي معيار وجود أي شخص في مكانه. الأستاذ عميد خولي خلال فترة رئاسته تحرير جريدة الثورة منحني دعماً قوياً، ورغم ذلك، لم يستطع أن يكف الأذى عني أحياناً. مُنعت من الكتابة مِراراً، فصرت أكتب باسم مستعار بناء على طلبه، إلى أن كتبت عن اسمي الذي يسبب لي المشاكل. وعلمت أن الرئيس الراحل حافظ الأسد قد قرأ الزاوية، فاستدعاني الأستاذ خولي وقال لي: منذ اليوم تكتب باسمك الصريح ومعك هامش لم يمنح لأي صحفي. طبعاً لو لم يعرفوا أني نظيف فلا يمكن منحي هذا الهامش، وعلى الرغم من ذلك خضت الكثير من المعارك، وعانيت المضايقات، ومنعت مراراً من الكتابة، وكنت السبب في تغيير عدة أحوال وإدارات. لكن مع الأسف لم يحصل التغيير الذي نريد في ذهنية العمل الصحفي وإدارته. وآخر مرة حوربت على أثر مقال في الإنترنت لم يعجب الوزير محسن بلال، فأوقفني عن الكتابة للمرة الثانية نهاية 2010.

تقاعد وانطلاق

كيف انتهى عهدك مع المقال الساخر في الصحيفة، وبالتالي، كيف انتهى عهدك بالصحيفة ككل؟ نما إلى مسمعي أن اختطاف إرهابيو “النصرة” لك خلَّف نقمة منك على إدارة التحرير !

  • لقد دخل المسلحون، ومنهم جبهة “النصرة”، إلى عدرا العمالية وارتكبوا الفضائح والفظائع. خطفت لأسبوعين لديهم، بينما زوجتي وابني قضيا سنة ونصف عند ما يسمى “جيش الإسلام وأجناد الشام”، وجعلت منهما قضية رأي عام، وتدخلت الأيادي الخيرة وأنقذتهما. نهب بيتنا وتحطمت السيارة وابتزونا بمبلغ من المال قبل تدخُّل الواسطة.

إنما لا إطلاقاً، لا علاقة للجريدة بالأمر، لقد تحملوني طوال فترة الاختطاف. ثم قدمت تقاعدي لأن الوضع              النفسي المرعب الذي عشته أنا وطفلتي نور طوال غياب زوجتي وابني، وهما تحت الخطر، لم يعد                    يسمح لي بالانتظام في دوام عمل. لكنني مازلت منطلق في عالم الكتابة عبر صفحتي، وها أنا بينكم                اليوم في “خط الوسط”.كان من المتوقع بعد ربع قرن من موهبة الكتابة الساخرة أن تكون الآن كاتب نصوص كوميدية للتلفزيون أو المسرح، ما الذي أعاق هكذا خطوة؟

  • لدي مسلسل كوميدي كل حلقة فكرة، ولدي فيلم تراجيدي سياسي عن الوضع العربي. لكن في السوق الدرامية ثمة “شللية” وأحياناً مافيات. أحاول الآن تسويقهما ولدي بعض الآمال، لعل وعسى! فقد حوربت كثيراً وخاصة في التلفزيون. وطوال خدمتي الصحفية لم تُطلب مني مقابلة !، لو كنت مُغنٍ تافه لملَّ المشاهد من وجهي على شاشة التلفزيون.

(كادر)

أنا الشاعر الوعر والذعر ملء دمي

شردتني البلاد الفسيحة

يدهمني الحزن في الحلم ثم يطاردني في الطريق

ولم يبق لي غير ظلي  

أفيء به من حنيني

وأفرشه كي أنامْ

 لو أنك معي الآن، لعلي أستطيع مواجهة غيابك

حتى إذ تحضرين، تتركيني وحيداً في مواجهة حضورك

لم أكن أدري من منا يسكن الآخر

كنت أعتقد بأنك أنت التي تسكنيني

لكن تأكدت بأني أنا الذي أسكنك

والدليل: حين تغيبين

لا يبقى مني شيء. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق