إضاءاتالعناوين الرئيسية

فهد و عباس … مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط …

.
عندما تأتي سيرة زياد الرحباني، لا تتحدثوا جالسين !

في حين احتاج فلاسفة وأدباء إلى مراحل زمنية لتحليل ودراسة وعرض قضايا شخصيات أعمالهم، يفاجئُنا بعضهم برؤىً تستشرف أثر تلك العلاقات مستقبلاً على مجتمعات كاملة وليس على مجرد أفراد، بالرغم من عدم تجاوزهم تلك المراحل التي قطعها غيرهم.

كما تقوم مدبِّرَةُ المنزل القديرة بفرط حبّات الرمان، وعصرها، ومن ثم غليها على نار هادئة مع التحريك المستمر للوصول إلى عصارة مركزة تختزل روح الثمرة بقطرات قليلة، كانت مسرحية “نزل السرور” ذلك الإكسير الذي كَثَّفَ أحوال شريحة عريضة من المجتمع العربي، مستعرضاً واقعها ومستشرفاً مستقبَلَها الذي تحقق بعد عام واحد من عرض المسرحية التي عرضت سنة 1974 عندما كان عمر مؤلِّفها وملحِّنها وبطلها (زياد الرحباني) ثمانية عشر عاماً فقط !

بطل المسرحية “زكريا“، مدمن مخدرات، رجل يعيش على هامش المجتمع لا يؤثِّر ولا يتفاعل إلا بما تقتضيه لحظة يعيشها. بعد أن طردته زوجته لأنه مقامر مخمور معدوم الإحساس الأسريّ، يلجأ إلى فندق “نزل السرور” ليتم الزجُّ به ضمن أحداث “ثورة شعبية” يشارك فيها فهد وعباس المسلحان اللذان يهاجمان الفندق لإجبار نزلائه على المشاركة بالثورة وإلا سيفجران الفندق بمن فيه.

فهد وعباس، ضحايا المجتمع المتمدن الذي يهمل الأفراد الفقراء، يشرح عباس حالة أطفاله الذين يبيعون “العلك” في الطرقات. عباس هو رجل خشن، فظ، تعتريه عواطف الحقد على بقية أفراد مجتمعه الذين ينظرون إليه بفوقية ويعتبرونه (وأشباهه) مواطناً من درجة دنيا. يقوم نزلاء الفندق برشوة “عباس” بليلة حمراء مع الراقصة “سوسن” وبمال أمِّها، ليتنازل عن المشاركة بالثورة، ويتخلى عن صديقه “فهد“.

استطاع زياد ببصيرته المتفوقة استشعار أحداث مستقبلية تحققت كما تخيَّلها في مسرحيته تماماً وما زالت تتكرر حتى في أحداث ما تمت تسميته ربيعاً عربياً، إن كان بركوب  حراك المجتمع، أو بدوافع الطبقات المسحوقة العاطفية أساساً نحو أهاليهم وأقرانهم، أو ببيعهم قضيتهم عند توفّر العروض المغرية، أو بزيادة التفرقة بين الفئات الاجتماعية استناداً لانتماءات جزئية كان زياد يحاول دائماً أن تكون هذه الانتماءات موجودة في كل أعماله.

بعيداً عن المضامين الاجتماعية والسياسية، تضمنت هذه المسرحية توظيفاً لمقطوعات عالمية مع إضافة تنويعات بتوقيع زياد عليها. حيث تضمنت تانغو الـــ(كومبارسيتا) الشهير مع نقلة بسيطة نحو موسيقا Dark Eyes الروسية، تليها نقلة بارعة نحو الطبلة والرقص الشرقي أطلق عليها اسم (رقصة تحيات) وتحيات هي الراقصة التي تسكن النزل مع أمها.

كما تضمنت المسرحية تنويعاً جميلاً جداً على رائعة فرانز ليست Franz Liszt الرابسودي المسماة Hungarian Rhapsody No.2، أدخل زياد عليها حواراً جميلاً لآلة القانون مع الأوركسترا مع تنويعاتVariations  تعكس النضوج الفني عالي المستوى عنده، وكانت هي مقدمة الفصل الثاني للمسرحية.

ومهما نسيت من تفاصيل هذه المسرحية بعد 46 سنة من عرضها، فلن أنسى الجمل الميلودية العبقرية التي وضعها زياد كمقدمة أولى لهذه المسرحية، وتنفيذها الجميل الذي أرقص قلوبنا قبل أقدامنا، وهي حوارات بين البزق والفرقة.

تابع زياد معاينة أحداث بيئته في عمليه الرائعين “فيلم أميركي طويل” و”بالنسبة لبكرا شو؟” التاليين لنزل السرور، وحاول تقديم حلول متعددة استطاع آخرها حل الكثير من الاختلافات والمشاكل في مسرحيته “فيلم أميركي طويل”، وقد يكون لذلك حديث آخر.
.
يمكن الاستماع إلى المقدمة الأولى لمسرحية نزل السرور عبر الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=kEkVBxmyziY

يمكن الاستماع إلى المقدمة الثانية لمسرحية نزل السرور (تنويعات على فرانز ليست) عبر الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=ZjWkV0WZATY

تانغو الكومبارسيتا + العيون الداكنة + رقصة تحيات، عبر الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=F00vJXhlxVI

الأعمال الأصلية:

أجمل تنفيذ كلاسيكي لمقطوعة فرانز ليست Hungarian Rhapsody No.2 عبر الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=uNi-_0kqpdE

تنفيذ جميل لتانغو الكومبارسيتا

https://www.youtube.com/watch?v=VlaqwC707XU

*(ملحن وباحث موسيقي – سورية).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى