إضاءاتالعناوين الرئيسية

فن “جداريات المقاهي”.. مريم ميرزاده

|| Midline-news || – الوسط …
.

في فلسفة الجمال.. فن “جداريات المقاهي”

يعدُّ رسمُ جداريات المقاهي- أو الرسم الخيالي- أحدَ الأساليب الفريدة من الفنون التشكيلية، المتفرّعة من الفنون الشعبية الأصيلة والقديمة في إيران والقریبة من فنّ “المحاكاة الشعبية”. وهو فنٌّ يختلف عن الفنون الأخرى في كونه يعتمد على الخيال وحده، دون الحاجة إلى أي موضوع أو طبيعة متجسدة أمام الفنان. تعودُ جذور هذا الفنّ إلى مجالس الحكواتيين وجلسات الرثاء والعزاء وإحياء الوقائع مثل عاشوراء لدى المذهب الشيعي، تحديداً في حقبةٍ من الزمن، كانت إيران فيها تعيشُ تجاذباً ثنائياً من روسيا وبريطانيا على مختلف الصعد، فجاء هذا الفن الشعبي سلاحاً ثقافياً يعبّرُ عن رفض الغزو الثقافي والحضاري الخارجي وهيمنته على أصالة الفن الوطني المحلّي.
ازدهر هذا الرسمُ في العصر “القاجاري”، رغم بداية تشكّلِ خطوطه في عهد الشاه عباس الصفوي مع جداريات قصر الأربعين عموداً، التي رُسِمت عليها مأدباتُ وموائدُ السلاطين آنذاك، و ساحاتُ حروبهم، بشكلٍ ملحميٍّ سرديٍّ أو أسطوريٍّ مبالغٍ به وباستخدام ألوانٍ وتقنياتٍ لا تزالُ حتى اليوم موضعَ حيرةٍ وذهولٍ للسوّاح وحتى الخبراء والفنانين حول العالم. هذا اللون الذي لا توحي ديمومته وثباته بأنه من ألوان الأكريليك أو الزيت ولا تشير تركيبته البرّاقة بأنه نوعٌ موحّد من اللون بل لعلها خلطةٌ خاصة راح سرُّها مع فناني ذاك الوقت. اتخذ هذا الفن في العهد “القاجاري” شكلاً شعبياً. ومع انتشار ظاهرة المقاهي الشعبية، تحوّلت الستائرُ المنقوشة وعُروضُ المقاهي إلى جدارياتٍ ضخمةٍ تغطّي كل جدران المكان.
موضوع هذا النوع من الرسم كان في الغالب أسطورة “الشاهنامة” للشاعر الفردوسي التي كانت ملهمةَ الثورات والحماسة بين الفرس والرافد المغذّي لحس انتمائهم الوطني على مدى التاريخ. بالنظر إلى جداريات المقاهي، يمكن ملاحظة ارتباط هذا النوع من الفن بالفنون الأخرى، كالموسيقى والسرد الروائي المصحوب بالصور الجدارية، وفن المحاكاة، والشعر والغزل والرثاء والهجاء والثناء، كذلك بالتقنيات الأخرى مثل فنّ “المينياتور” الفارسي وفن الخط الفارسي القديم وغيرها من المدارس الرمزية والتعبيرية. فنجدُ بأنّ من الفنانين من استخدم خطوط “المينياتور” الدقيقة واللون الذهبي الخاص به في جداريته، ومنهم من أدخل عنصر الخطّ إلى لوحته.
كل ذلك في لوحاتٍ تصويريةٍ تحملُ في قلبها حكايةً تروي واقعةً تاريخية، بالتالي هو فنٌّ تعبيريٌّ بالدرجة الأولى، وتخدمه الموسيقى والشعر والخط والفنون والتقنيات الأخرى. فالفن مقيد بالسياق الثقافي التاريخي، وفي ذات الوقت محمل بزخم “روحاني” يتجاوز التاريخ والثقافة حتى يبدو كأنه إرث للإنسانية جمعاء. ويعدّ الدافع الأول في خلق فن جداريات المقاهي، خلق دهشة جمالية بصرياً ومعنوياً حيث تتلازم القيمة الإنسانية أو الدينية التي يتمحور الفن حولها موضوعاً، مع القيمة الجمالية للأثر. ويقول المفكّر الإيراني حسين إلهي قمشه اي “إن الإنسان يخلقُ الجمال بدافع مقاربةِ صورةٍ كان رآها خلال حياته الملكوتية ما قبل هبوطه إلى الأرض، هذا ما يفسّرُ حنينَنا إلى بعض أنواع الموسيقى دون سواها، ودهشتَنا عند تأمّلِ زخرفات سجّادةٍ دقيقة التفاصيل والحبكات”.
هنا نجد الفنّ لغةً عالميةً تماماً كالموسيقى، لا يعصى على أيٍّ كان أن يفهمها وأن تتوغّل إلى داخل أعماقه وتتركَ أثراً طيباً وانطباعاً حلواً. هنا لا يعود هناك فرقٌ بين “بيتهوفن” و”دافنشي” وأيّ امرأةٍ قرويةٍ تجلسُ عند النول الخشبي تحوكُ سجّادةً حمراءَ مزخرفة. لعلّ البشر يشتركون في التعاطي مع كثير من القضايا الجمالية أكثر من تعاطيهم مع القضايا الميتافيزيقية والأخلاقية والدينية، فتهفو نفوس البشر إلى نضارة الورود، ووضاءة النجوم في السماء، ورخيم الغناء، وطيب النغم.
كان فنانو الجداريات يكرّسون حياتهم لهذا النوع من الفن. يرسمونَ أعمالهم حسبَ الطلب من أصحاب المقاهي، التي كلما أولت هذا الفن اهتماماً ومنحته ألقاً، كلما ازدادَ عليها الإقبال واتّسمت بالأصالة. ولعلّ فلسفة هذا النوع من الفن تكمن تحديداً في ظهوره كنتيجةٍ لحاجةٍ ما إليه. الأمر الذي يعطي هذا الفنّ سمةَ الرمزية التعبيرية الحاشدة لعواطف العامّة، سيما وأنها أخذت منذ بروزها صفةَ المذهبية. أبرز فناني هذا الأسلوب من الرسم كان حسين قوللر آغاسي ومحمد مدبر؛ الأول بمضامين حماسية ثوريّة والثاني بمضمونٍ دينيٍّ مذهبيّ. ورغم أنّ غالبية فناني هذا النوع لم يكونوا قادمين من احترافٍ تخصصيٍّ في تقنيات الفنون التشكيلية، إلا أن هذا الفن اتخذ تقنيته وشكله الخاص مع الوقت، بل لعله بات من أبرز الفنون الفارسية المعاصرة الخاصة، حيث أن من الملفت حفاظ فناني هذه الجداريات على عادة الوضوء قبل المباشرة في خلق أعمالهم. وما هذا إلا نوعٌ من التماهي بين البُعدِ المعنويّ والبُعدِ الفني الجمالي الذي كان انعكاسه جليّاً في نفوس روّاد المقاهي الذين اختلفت دوافع ارتيادهم لها مع ظهور هذا الفن، حيث إنّ تقديم المبادئ والوقائع المذهبية بشكلٍ أساسيّ بهذه الصورة البديعة عزّزت في نفوسهم حسّ الانتماء والإيمان والقيم فصارت جلساتُ المقاهي اجتماعاتٍ ثقافيةً تعرضُ تمثيليّاتٍ صوريّة تروي قصص الثورات والملامحم وساحات النزال ومفاهيم الظلم والحق والبطولات التاريخية، كلّ ذلك في زمنٍ كان المجتمع الفارسي مُطالَباً باتخاذ موقفٍ وطنيٍّ ثوريٍّ رافض للاحتلال، فما كان سبيله سوى إعلاء صرخة الفنّ، سلاحاً. ذهب النقاد من أمثال الفنان صادق التبريزي، إلى انتقاد هذا الفن، متنبّئينَ بانقضائه المحتوم. وقد استندوا في نقدهم إلى أنّ هذا الفنّ لم يُدَرَّس كتقنيّةٍ لذاتِه وإنما كانت ظروف نشأته مرتبطةً بالوضع السياسي والاجتماعي للبلاد والنفوس المشحونة بحسّ الوطنية. إلا أنّ هؤلاء النقّاد أنفسهم يقرّونَ بأن فن جداريات المقاهي ليس وحده ما ينقضي مع السنين، إذ أن هناك الكثير من الفنون التي تظهر ثم تنقضي وتنتهي لأسبابٍ معيّنة، حيث إنها بعد ذلك قطعاً لا تنعدمُ وإنما على العكس، تُخلَّدُ في المتاحف الفنيّة، وفي ذاكرة التاريخ.
.

*فنانة تشكيلية وكاتبة ومترجمة إيرانية- لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى