العناوين الرئيسيةحرف و لون

فناء يمتد وغيمة عابرة .. جاسم محمد الشمري

لوحة : رجاء وبّي

|| Midline-news || – الوسط …
.

 

أتلمس الجدار بيدين عاريتين .. طلاؤه تهدل .. وعلى امتداده تظهر بعض الشقوق .. غير أنها شقوق سطحية لم تؤثر بعد على صلابة حجره ولم ينفذ منها الضوء إلى الداخل .. بناء محكم هذا الجدار يمتد إلى ارتفاع شاهق .. وطوله ضوئين وحلكة .. هكذا كنت أقيس مرور الزمن إذ لا يمر علي في فناء هذه المساحة إلا ضوء ساطع أو ظلمة حالكة … وعليه حينما أردت معرفة طول هذا الجدار رحت أمشي بمحاذاته ولم أصل إلى طرفه القصي إلا بعد ضوئين وحلكة.
الحق أقول أن التعب أنهكني وربما نمت ضوءا أو ضوئين دون أن أشعر.  وأصدقكم القول أني لم أكن أريد معرفة طول هذا الجدار اللعين .. ولا يهمني ذلك أصلا، وإنما كنت أبحث عن منفذ منه إلى الخارج .. عند الطرف القصى هناك لم أجد إلا جدارا آخر .. وعند طرف الجدار الثاني وجدت يدي العاريتين تصطدمان بجدار ثالث وهكذا حتى عدت إلى موقعي الأول .. أربعة جدران تحيطنا من كل صوب .. أما موقعي الأول فلم استدل عليه إلا من صوت جدتي العجوز حينما سألتني عما كنت أفعله طيلة خمسين ضوءا وتسعا وأربعين حلكة مضين.
-كنت أبحث عن منفذ للخروج يا جدتي .. ضحكت العجوز طويلا .. وأشارت إلى بقعة غير بعيدة عن هنا ..
-هناك لفظ جدك أنفاسه وهو يحاول جاهدا فتح كوة في هذا الجدار للخروج من هنا ذات حلكة .. وغير بعيد عنه استلقى والدك تعبا وأسلم روحه بعدما احتضن جذع شجرة يابسة .. وفي الضوء التالي كنت مرميا إلى جواره وكان هو جذع شجرة يابسة.
خرفت هذه العجوز .. قلت في نفسي .. وأظنني سأفقد عقلي كذلك إن لم أخرج من هنا ..
على الجانب الآخر من الجدار أسمع جلبة .. أرخي أذني فلا يصل إليهما إلا أصوات متداخلة .. طرق وصراخ .. وأحيانا ضحكات ما تلبث أن تتحول إلى بكاء ونحيب .. هل هي لشخص واحد .. أطلق صرخة من أعماق حنجرتي فلربما وصلت إلى هذا الكائن على الجانب الآخر .. يرتد إلى الصدى مستهزئا ألا أحد هناك . أعود لتلمس الجدار لعلي أعثر على منفذ أو بقايا مخرج .
سألت جدتي ذات ضوء : كيف وجدنا هنا يا جدتي؟ وكأنما أعدتها إلى زمن بعيد إذ أغمضت عينيها وأسندت رأسها على وسادة من طين وبعد انتظار ، فتحت عينيها فرأيت فيهما بريق صدق لا يخفى!
قالت لي : قال لي جدك ذات حلكة ، أن غيمة عابرة حملته من أرض لم يعد يذكر تفاصيلها وألقت به هنا .. في أول الأمر استهواه الفناء .. بنى له ظلا هناك -وأشارت إلى كوخ قديم-  وفي مساحة قريبة زرع جانبا من الأرض ليسد جوعه ، وبعد زمن لم يحسب ضوءه وحلكته ، شعر بالوحدة، رفع نظره إلى الأعلى وإذ بغيمة عابرة تلقي إليه بفتاة صغيرة .. كنت أنا هي .. أطعمني وعشنا سويا ولما انحنى ظهره أنجبت له أباك .. كانا يذرعان هذا الجدار جيئة وذهابا وظل جدك يدور حول نفسه أضواء وحلكات يبحث عن مخرج إلى أن وسد رأسه جانب تلك البقعة بعدما ظن أنها مخرج تنفذ به إلى الجانب الآخر من الجدار .. وغفا طويلا يا بني ولم يزل.
-وماذا عني يا جدتي ؟ أعادت إلى تفاصيل ما قالت من قبل .. ولم أصدقها هذه المرة .. قالت لي: ولدت من جذع شجرة .. بل من طين أرض سقاها والدك قبل أن يغفو .. وحينما استيقظنا صباحا كان قد غفا هو .. جذع شجرة يابسة لا أكثر .. وأطلقت أنت صرختك الأولى . كانت كفاي تطبقان على معول صنعت يده من جذع شجرة يابسة .. هويت به على نقطة في هذا الجدار المتهدل .. رأيت بصيص ضوء .. كانت الحلكة قد أرخت بأسدالها هنا .. فرحت أن سيكون هذا هو المخرج.
قلت : سأغفو قليلا وأكمل ما بدأته الضوء اللاحق .. حينما أطل الضوء اللاحق وجدت إلى جواري جذع شجرة يابسة .. وطفل أطلق صرخته الأولى … ولم تكن العجوز في أي مكان بهذا الفناء الممتد.
.

*قاص وكاتب من الكويت
*(اللوحة للفنانة التشكيلية رجاء وبّي – سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق