العناوين الرئيسيةخاص الوسط

فقراء سورية لا يمتلكون رفاهية الخوف من كورونا

مالك معتوق – خاص الوسط

 

أطل من شرفتي، أرى حركة الناس في الشارع، افكر: ألا يخشى هؤلاء البشر على حياتهم؟، ألا يرعبهم كورونا؟، لماذا لا يحجرون أنفسهم في بيوتهم أسوةً بمعظم شعوب العالم؟، فتأتيني الإجابة من وجوههم المنهكة ومن خطاهم المتعبة.

ببساطة، ليس السوريون كباقي شعوب العالم، هم لا يشبهون سوى بلادهم التي ما زال يعصف بها وباء الحرب منذ عشرة أعوام جربوا خلالها أنواعا لا تخطر على بال إله من الموت.

تشير عقارب الساعة الى السابعة صباحاً، في الشارع لا أحد إلا أبي عبد الله يكنس الشارع أمام بعض البقاليات والمحلات، قبل أن ينقل القمامة بكفيه إلى العربة.

لا يرتدي الرجل كمامة أو قفازات، فهو لا يكترث للوباء: يقول للوسط: 10 سنوات ونحن نلعب مع الموت، نجونا منه أكثر من مرة، لا أتوقع أن رب العالمين سيقتلني بفايروس غير مرئي.

ليس ببعيد عن أبو عبد الله، وأمام أحد أكشاك معتمدي بيع الخبز يتجمهر عشرات الناس في ازدحام مخيف.

أخرج من منزلي، أوقف سيدة كانت خارجة لتوها من قلب ذلك الزحام، وقد نزعت، بتأفف وغضب، شالها الذي غطت به وجهها بديلا عن الكمامة، أسألها: ألا تخافين من خطر التواجد في الأمكنة المزدحمة؟!.. تجيب لاهثة وفي محجري عينيها كثير من القهر: لو كان باستطاعتي شراء الخبز الحر الذي تباع الربطة منه ب500 ليرة أو السياحي الذي وصل سعر الربطة منه ل 1500 ليرة لما أتيت إلى هنا، تتابع: نحن الفقراء يا بني ممنوع علينا أن نخاف من الوباء.

على بضعة امتار من كشك بيع الخبز وخلف عربة صغيرة لبيع الخضار يقف أبو غسان، مرتدياً كمامته وقفازاته ينادي على بضاعته القليلة.

أبو غسان مقتنع بأهمية وضرورة التزام الإجراءات الخاصة بالحد من تفشي الوباء ولكنه لا يستطيع تطبيق ذلك بكليته.. يقول للوسط: أتمنى أن أجلس في بيتي لأرتاح من كابوس الوباء الذي يلاحقني طوال عملي، حيث أضطر للاحتكاك مع عشرات الزبائن، ولكن إن جلست في البيت، ربما أنجو من الكورونا ولكني قد لا أنجو من الجوع.

“درهم وقاية خير من قنطار علاج”، بالرغم من أهمية ذلك المثل إلا أنه لا يناسب الكثيرين في سورية، إذ باتت الوقاية تحتاج لقناطير من المال، نتيجة جشع تجار الأزمات، فقد وصل سعر الكمامة الجيدة إلى 1500 ليرة وأكثر، والسعر ذاته لعلبة الكحول الصغيرة، كما طال الغلاء الفاحش أسعار الصابون ومواد التنظيف، وهو ما شكل عبئا إضافيا على المواطن الذي بالكاد يتمكن من تأمين لقمة عيشه.

وفي مفارقة مؤلمة قررت الحكومة السورية إلزام السوريين بارتداء الكمامة في جميع المرافق العامة من الدوائر الحكومية إلى باصات النقل الداخلي، ما يدفع بعضهم لإنفاق جزء ما يجنونه من عمل يوم كامل لشراء كمامة: يقول بائع الخضار أبو غسان بينما يشير إلى كمامته: اقتطع ثمنها من قوت عيالي.

كما أن تقوية الجهاز المناعي يحتاج لتناول الأغذية الصحية المتنوعة إلى جانب الراحة النفسية والابتعاد عن التوتر، لكن معظم السوريين لا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً، في ظل تحليق أسعار الفاكهة والخضار.

ولعل الرجل الذي صادفته في عند عربة أبي غسان بائع الخضار يلخص واقع الحال، فبعد أن كان عازماً على شراء كيلوين من الليمون والبصل، تراجع عن ذلك بغضب حين علم بسعرهما مكتفيا بشراء بصلتين وليمونتين صغيرتين، ومعلقا بسخرية رمادية: ينصحوننا بضرورة تقوية مناعتنا، ولكن الفقر والألم والحرمان الذي نعيشه كفيل بتدمير جميع أعضاء جسدنا ويضيف: يبدو أنه ليس لنا من منقذ سوى الرعاية الإلهية.

مع حلول الليل يخوض السوريون معاناة من نوع أخر داخل بيوتهم التي تغيب عنها معظم وسائل الترفيه والتسلية وأبسط مقومات الحياة، نتيجة الأزمات التي مازالوا يعايشونها، كفقدان الغاز المنزلي والانقطاع الطويل للكهرباء وسوء خدمات الإنترنت التي تعيق إمكانية التواصل الالكتروني الذي بات المتنفس الوحيد أمامهم.

أحدق في نوافذ البيوت المعتمة، أفكر بحال ساكنيها.. ماذا يفعلون الآن؟ وماذا يخبئ الغد لهم؟، ترى هل يستطيعون إلى النوم سبيلاً في ظل الكوابيس التي تداهمهم في نومهم وصحوهم؟.. ربما.

الوسط الاخباري

تابعوا صفحتنا على فيس بوك..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى