إضاءات

فـي حـضـرة الـكـاتـب حــسن م.يـوسـف ..! جـيـهـان عـلـي جـان ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

” بعد قليل سألتقي للمرة الأولى بدفعة هذا العام من طلاب دبلوم العلوم السينمائية وفنونها، أعترف أنني أتهيب اللقاء الأول وكأنه امتحان “

حسن م.يوسف – 7 تشرين الثاني 2019

من البداية أريد أن أعترف والاعتراف بالورطة، قد يكون فضيلة أيضاً، أنا ورَّطتُ نفسي في كتابة هذه المقالة التي قفزت فكرتها في خاطري مثل أسد جائع ينقض على فريسته، حاولت أن أتخلص منها لكنها تمكنت مني مثل بعوض شرس وقح أراد أن يمتص راحتي.

قلت لنفسي الكتابة شهوة والشهوة لغم، فكيف الحال إذا كان الذي أريد أن أكتب عنه أديباً وصحفياً وسيناريست بحجم الأستاذ حسن م.يوسف.

هل أستحق أنا كل هذا التكريم، أن أكتب عن أستاذ يتفنن بجمل وتراكيب اللغة العربية كعامل فَخَّارٍ يُبدع أواني عرسه.

وإن صار وكتبت عنه ، هل ستسعفني اللغة العربية بجلال عظمتها أن أستلهم منها لغة خاصة أكتب بها عنه.

عَدَلتُ عن الفكرة سريعاً، لا أريد لغة جديدة لأنني متأكدة أن لغة عريقة مثل اللغة العربية لن تستطيع أن تُـوَفِّـي هذا السوري الوطني حقه، حتى أذهب وأصنع لغة جديدة وليدة.

وأمام هذا العجز وقلة الحيلة قررت أن أكتب عنه ببساطة وعفوية وأقتبس ذلك من شخصيته فهو بسيط جداً كفلاح يحرث حقله، وعفوي جداً كطفل يلعب بكرته.

بـتـوقـيـت الـقـهـوة !..

يصل الأستاذ حسن إلى صالة الكندي بدمشق آتياً من اللاذقية عند الساعة التاسعة صباحاً على الموعد المقرر للمحاضرة الأولى وحصل أن تأخر مرّة عن موعده المعتاد دقائق معدودة بسبب عطل مفاجئ في سيارته فاعتذر منا نحن طلابه أكثر من مرة، فهو قبل كل شيء إنسان يحترم ويقدر وقت الآخرين وإن كانوا مجرد شباب صغار.

يدخل قاعة السينما من بابها الأول وبكتفه الأيسر يحمل حقيبة اللاب توب، يضعها على الطاولة ثم يخلع قبعته ويبدأ بتحضير نفسه للمحاضرة ريثما يتوافد الطلاب رويداً رويداً.

دون أن يطلب المساعدة من أحد، يربط اللاب توب بجهاز العرض والميكرفون، ثم يشغل مقطوعة موسيقية لفرقة ابنته العازفة على آلة القانون “مايا”.

يذهب ويجلب قهوته بنفسه ولا يرضى أن يجلبها الطلاب له أو العم الطاعن في السن عامل البوفيه ثم يعود.

بـتـوقـيـت الأسـتـاذ حـسـن ..!

عند الساعة التاسعة والنصف يجلس الأستاذ حسن أمام اللاب توب ، يلقي علينا تحية الصباح ويسألنا عن أحوالنا وعن سير الدبلوم.

وخلافاً عن النظام المتبع يرفض أن يُرسِّب أحداً في مادته “السيناريو” ويأبى أن يسجل أسماء الحضور أو الغياب، فبذلك هو يريد منّا أن نأتي للمحاضرة من أجل الاستفادة وليس من أجل الخوف من الحرمان من علامات الحضور.

تبدأ المحاضرة فيفتح مجلداً موضوعاً على سطح المكتب اسمه “دبلوم” وضع فيه مواد المحاضرات.

في هذا المجلد لن تجدوا ملفات مكدّسة عن عبث، ولا أفكاراً مكتوبة كيفما كان على ملف وورد، فجميع المحاضرات مجمّعة ومرتّبة على ملف عرض “بور بوينت” من نصائح ماركيز في الكتابة وصولاً إلى التيمات السينمائية السبعة.

وهذا إن دلّ على شيء يدلّ كم يبذل جهداً في الكواليس تحضيراً للمواد التي يريد منحها لطلابه فيأبى أن يقدم المعلومة كما هي دون ديكور أو لمسات سحرية فهو بذلك أشبه بمشاهير الطهاة العالميين الحاصلين على نجوم ميشلان.

من الطبيعي لأستاذ في قامته يملك ذاكرة مع أهم الشخصيات العربية والعالمية أن يأخذ طلابه في رحلة في هذه الذاكرة فيضعنا على مقربة أشبار من حياة كل العظماء الذين التقى بهم وحدثهم وحدثوه أو حتى حضر ملتقى ثقافياً لهم أمثال “محمد الماغوط – محمود درويش – سعد الله ونوس – عزيز نيسن – كولن ولسن – حنا مينة – ممدوح عدوان – عبد السلام العجيلي …إلخ”.

يروي لنا هذه الأحاديث الشيقة ثم يُغدق علينا من معارفه وثقافته ونحن نلتهم كل ذلك كجائعين يخطفون الخبز الشهي الطازج من يدي خباز ماهر وكريم.

وكثيراً ما يطلق النكات فتتعالى ضحكاتنا طامعين بالمزيد، وكثيراً ما يتعمد أن يتوقف في مواقع شائقة من حديثه ليمنحنا استراحة قاصداً إثارة فضولنا، فبذلك يضمن عودتنا إلى المحاضرة بكل حيوية ونشاط ورغبة بعد أن يمنحنا وقتاً إضافياً عن الوقت المخصص.

ويحصل أن يمنح الطلاب وقتاً لقراءة ما كتبوه من مشاهد سينمائية أو مسودات لسيناريوهات مفترضة، مقدماً نصائحه، مصمماً على أن يمسك بيد كل من يريد أن يمشي في درب الكتابة مخصصاً من وقته أيام الإجازات لقراءة مشاريع الطلاب الذين لم يحالفهم الحظ في قراءة نصوصهم أثناء المحاضرة.

بتوقيت “أخوة التراب” و”نهاية رجل شجاع” ..!

لكل عمل تلفزيوني ألّفه الأستاذ حسن نصيب في المحاضرات، تكون كلماته هادئة معبأة بالحنين وهو يحكي لنا كواليس كتابة مسلسلاته وشخصياته التي صنعها والتي عايش ظروفها، وحزن لحزنها وفرح لفرحها إلا أنه حين يمضي بنا الحديث إلى “أخوة التراب” أو “نهاية رجل شجاع” تصبح كلماته أكثر زخماً وينتفض حنيناً كراقصة شرقية.

من وراء نظارة طبية سميكة يشع بريق العينين وترتفع نبرة الصوت، فيخرج من وراء طاولته ويمشي في القاعة كما لو أنه يريد أن يطير وهو يتحدث عن أبطال هذين العملين يريد أن يخفف من آلامهم وأن يلتقي بهم ويحتضنهم فيرفض أن يعترف بأنهم مجرد شخصيات خيالية لا وجود لهم في خارج أوراقه.

بتوقيت الختام ..!

عند الساعة الواحدة ظهراً تنتهي المحاضرة، ويغلق اللاب توب وهو يقول جملته المعتادة “إنشاء الله كنت خفيف الظل”، فيجتمع الطلاب حوله كأطفال الحي الذي ينتظرون الحلوى من شيخ الجامع، يرافقونه إلى باب صالة سينما الكندي ويودعونه على أمل اللقاء التالي.

*صحافية سورية – دمشق 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق