العناوين الرئيسيةرأي

فـقـط .. كـنـت أطـرح أسـئـلـة الأطـفـال !! .. نـجـيـب الـبـكـوشـي ..

|| Midline-news || – الوسط …

توفي ألبير آينشتاين في الثامن عشر من شهر آذار/مارس سنة 1955 على الساعة الواحدة وعشر دقائق صباحا عن سن تناهز 76 عاما، وقد أوصى عائلته قبل وفاته بحرق جثمانه ونثر رماده في مكان مجهول حتى لا يصبح قبره مزارا مقدسا كما روى عنه صديقه وكاتب مذكراته الفزيائي أبراهام باييس Abraham Pais. وبالفعل تم تنفيذ وصيته بعد 24 ساعة من وفاته بحضور عائلته، حيث حُرق جثمانه في مدينة ترينتون Trenton من ولاية نيو جيرسي الأمريكية New Jersey ونُثر رماده في مكان مجهول في نهر ديلاوير Delaware الذي يصب في المحيط الأطلسي. لكن تبين في ما بعد أن طبيبه الشرعي، توماس هارفي Thomas Harvey، الذي قام وقتئذ بتشريح جثته لتحديد أسباب الوفاة في مستشفى برينستون Princeton قام بسرقة دماغه دون إستشارة عائلته.

الطبيب توماس هارفي،الذي قارنه البعض وقتئذ بفكتور فرانكشتاين بطل رواية الكاتبة الإنجليزية ماري شيلي “فرانكشتاين أو إله النار الجديد”، لم يكن مختصا في علم أعصاب الدماغ، ولكنه اعتقد أنه سوف يصنع مجده الخاص من خلال ما ستسفر عنه الأبحاث حول الدماغ الذي أنتج نظرية النسبية التي غيرت وجه العالم، وكانت له قناعة راسخة أن دماغ آينشتاين يختلف عن أدمغة باقي البشر وأنه يملك بين يديه رمز الذكاء البشري الذي منحنا المعادلة الفيزيائية الشهيرة E=mc²، أي أن طاقة الجسم(E) تساوي حاصل ضرب كتلته (m)في مربع سرعة الضوء (² c)، هذه المعادلة التي كانت الأساس النظري لصناعة القنبلة النووية ومصدر ألم وحسرة لآنشتاين خاصة بعد جريمتي هيروشيما وناغازاكي.

رفض توماس هارفي رفضا قطعيا الخضوع لضغوطات “هانس ألبير آينشتاين” الإبن الأكبر لآينشتاين الذي طالبه بضرورة تشريك باحثين آخرين في أبحاثه حول دماغ والده ولكن وعده في المقابل أن يتم استخدام الأبحاث فقط لمصلحة العلوم وليس لأغراض تجارية.

بدأ هارفي أبحاثه بتصوير الدماغ من زوايا عديدة، ثم قطّعه إلى 240 شريحة وأرسل عدد منها لمعاهد ومخابر علمية لدراستها دون أن يكشف عن هوية صاحب الدماغ وإحتفظ بما تبقى من شرائح في منزله، ولكن توتر علاقته بزوجته بعد طرده من وظيفته في مستشفى برينستون وتهديدها له بالتخلص من الدماغ إضطره إلى تخزينه في منزله داخل صندوق عصير تفاح تحت ثلاجة جعة مدة عشرين عاما.

لم يتلق توماس هارفي طيلة هذه المدة أية ردود ذات قيمة علمية من مراكز البحث والمخابر التي بعث لها بشرائح من دماغ آينشتاين لدراستها ولم ينشر أي بحث علمي حول الموضوع  والإستنتاج الوحيد الذي استخلصه هو أن دماغ أينشتاين يزن 1230 غراما فقط أي أقل من المعدل العام لوزن الدماغ البشري الذي يبلغ 1350 غراما، وبالتالي فإن حجم الدماغ ليس محددا في معدل الذكاء. في الأثناء قرر توماس هارفي مغادرة مدينة برينستون والإستقرار في مدينة ويشيتا Wichita بولاية كنساس Kansas بعيدا عن أنظار الفضوليين وخاصة بعد أن تعرض لضغوطات كبيرة من الجيش الأمريكي الذي كان يرغب في الحصول على دماغ آينشتاين لإخضاعه إلى تجارب علمية كما كان يفعل العدو الروسي من خلال معهد أبحاث الدماغ في موسكو الذي تأسس سنة 1928 وكان أول مادة لأبحاثه هو دماغ قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين الذي كان السوفيات يعتقدون أنه عبقري.

فُقد أثر الدكتور توماس هارفي لحوالي عقدين من الزمن ودخلت قضية سرقة دماغ آينشتاين طي النسيان، قبل أن تعود إلى الواجهة الإعلامية بفضل عمل إستقصائي أجراه الصحفي الشاب ستيفن ليفي Steven Levy  لفائدة مجلة نيو جيرسي الشهرية New Jersey Monthly، صدر في صائفة 1978 وحمل عنوان “بحثي عن دماغ إينشتاين” My Search for Einstein’s Brain .

أحدث مقال ستيفن ليفي ضجة كبيرة في الولايات المتحدة وأرغم توماس هارفي على الخروج من صمته وإظهار ما تبقى من دماغ إينشتاين وتشريك عدة مختصين في علوم الدماغ في الأبحاث، من أبرزهم ماريان دايموند Marian Diamond من جامعة بروكلي Berkeley بولاية كاليفورنيا والتي نشرت بحثا علميا سنة 1985 أفادت فيه أن عدد الخلايا الدبقية Glial cells في دماغ آينشتاين كان مرتفعا جدا، والخلايا الدبقية هي التي تقوم بالربط بين الخلايا العصبية وتزودها بكمية الغذاء والأكسجين اللازمتين. كما أفاد خبراء آخرون تناولوا بالتحليل الصور التي إلتقطها توماس هارفي لدماغ إينشتاين مباشرة بعد وفاته أن عدد تلافيف الفص الجبهي لدماغه يفوق عدد تلافيف دماغ شخص عادي وهذه المنطقة من الدماغ هي المسؤولة عن تخزين الذاكرة القصيرة المدى وعن التخطيط والتجريد والتحفيز عبر إفراز مادة الدوبامين Dopamine وكذلك تعديل الإنفعالات المتأتية من المنظومة الحوفية للدماغ المسؤولة عن الغرائز.

لكن الدراسات المعاصرة في علم الدماغ أثبتت ان هذه الخصائص الفيزيولوجية للدماغ ليست فطرية وثابتة بل انها متطورة وتخضع لنشاط الخلايا العصبية، فالخلية العصبية مثل عضلة الجسم يزداد حجمها وقوتها كلما إزداد نشاطها. أجرى في العام 2000 الباحث في علوم الأعصاب إليانور ماغواير Eleanor Maguire في كلية لندن الجامعية University College London  دراسة حول النشاط الدماغي لسائقي سيارات الأجرة في مدينة لندن وبالتحديد لمنطقة “الحُصين” في الدماغ hippocampus المسؤولة عن الذاكرة العاملة، حيث أخضع للدراسة 79 سائق أجرة متربص لمدة أربع سنوات سوف يحفظون فيها عن ظهر قلب كل أسماء شوارع وساحات لندن، ثم قام بمقارنة 39 منهم نجحوا في إختبار رخصة سياقة سيارة الأجرة مع أقران لهم نشؤوا في بيئة مماثلة لبيئتهم. أثبتت نتائج الدراسة أن حجم “الحُصين” الحاضن للذاكرة العاملة عند سائقي سيارة الأجرة الجدد قد إزداد بشكل ملفت للنظر مقارنة بحجمه قبل بداية تربص السياقة وكذلك مقارنة بحجم “الحُصين” عند أقرانهم. إذن الدماغ البشري لا تحدده الخصائص البيولوجية فحسب بل كذلك البيئة الإجتماعبية والخلايا العصبية كائنات ديناميكية ومتجدّدة.

أعاد توماس هارفي قبل وفاته سنة 2007 الأجزاء المتبقية من دماغ آينشتاين التي كانت بحوزته إلى المركز الطبي لجامعة برينستون بعد أن أيقن أنه كان يطارد وهم العبقرية  طيلة عشرين عاما. ألبير آينشتاين ذاته كان عندما يسأل عن سر عبقريته كان يقول؛ فقط كنت أطرح أسئلة الأطفال.

رغم تقدم العلوم يبقى الدماغ البشري قارة شبه مجهولة إلى اليوم، هذه الآلة العجيبة التي تتكون من حوالي 100 مليار خلية عصبية وتُنتج حوالي 70 ألف فكرة في اليوم ولها قدرة خيالية لتخزين المعلومات تقدر ب 4.7 مليار كتاب وتستهلك 20% من الطاقة التي يحتاجها جسم الإنسان رغم انها لا تمثل سوى 2% من مجموع حجمه، سوف تكون من أكبر مجالات البحث بحث العلمي في القرن الحادي والعشرين،لكن الدماغ البشري لم يعد سيدا ومالكا للذكاء بمفرده فالثورة الرقمية أنجبت الذكاء الإصطناعي، الذي بدأ في تحدي ذكاء الدماغ الطبيعي عندما هزم حاسوب “ديب بلو” Deep Blue الذي صنعه فريق “IBM” بطل العالم في لعبة الشطرنج غاري كاسباروف في11 مايو/أيار 1997، ثم تمكن في آذار/مارس 2016 برنامج الذكاء الصناعي ألفاغو AlphaGo الذي أنتجته شركة “ديب مايند”  التابعة لغوغل Google من الإنتصار على بطل العالم في لعبة الغو Go، وهي لعبة صينية أكثر تعقيدا من لعبة الشطرنج وعدد احتمالات حركة قطعها تقريبا لا متناه.

أصبح الذكاء الإصطناعي خادما للخيال العلمي عند الإنسان وخارطة طريقه لإكتشاف أسرار الكون، فقط وأنتم على متن أكبر وأحدث طائرة نقل ركاب في العالم،الأيرباص 380 A،إستحضروا صورة الأخوين رايت Wright brothers وهما يحاولان الطيران لأول مرة منذ حوالي مائة عام. نحن في فجر ثورة علمية محركها الخيال وليس المنطق والعقل.

ألبير آينشتاين كان يردد أن “المنطق يأخذك من النقطة ألف إلى النقطة باء أما الخيال فيحملك حيث تشاء.”

“Logic will get you from A to B. Imagination will take you everywhere”.

الخيال هو أرقى أشكال الحرية.

*كاتب وباحث من تونس – باريس 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى