العناوين الرئيسيةترجمات وأبحاث

فرج فوده .. “زرقاء اليمامة” .. نجيب البكوشي..

|| Midline-news || – الوسط …

 

كان يقول :
“لا أبالي إن كنت في جانب، والجميع في جانب آخر، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم. ولا أجزع إن خذلني من يؤمن بما أقول. ولا أفزع إن هاجمني من يفزع لما أقول. وإنما يؤرّقني أشد الأرق، أن لا تصل هذه الرسالة إلى ما قصدت. فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح. وأنصار المبدأ لا محترفي المزايدة. وقاصدي الحق لا طالبي السلطان. وأنصار الحكمة لا محبي الحكم.”

إنه شهيد الكلمة، الكاتب المصري فرج فودة، الّذي مرّت منذ أيام الذكرى التاسعة والعشرون لإغتياله برصاص الغدر الظلامي.

في مساء الثامن من شهر يونيو/جوان سنة 1992، وعند خروجه من مكتبه برفقة ابنه وصديقٍ له تعرّض الكاتب فرج فودة إلى إطلاق نار كثيف من رشاش آلي يحمله إرهابي ينتمي للجماعة الإسلامية يُدعى عبد الشافي رمضان، الذي لاذ بالفرار بعد عملية الاغتيال على متن دراجة نارية كان يقودها ارهابي ثانٍ يُدعى أشرف إبراهيم، لكنّ سائق فرج فودة،الذي كان في المكان، طارد بكل شجاعة القاتل وشريكه في الجريمة وصدمهما بالسيارة وأوقعهما أرضاً وألقى جمعٌ من المواطنين الحاضرين القبض على القاتل في حين فرّ الإرهابي الثاني لتلقي عليه الشرطة القبض في ما بعد.

نقلت سيارة الإسعاف المفكّر فرج فودة إلى المستشفى، حيث قال وهو يصارع الموت: “يعلم الله أنني ما فعلت شيئا إلا من أجل وطني.” حاول طاقم طبي مصري بقيادة نقيب الأطباء، وجراح القلب د. حمدي السيد إنقاذ حياة فرج فودة، لكن للأسف لفظ أنفاسه الأخيرة بعد عملية جراحية دامت حوالي ست ساعات.

أثناء التحقيق مع الإرهابي عبد الشافي رمضان، اعترف أنه قتل فرج فودة استنادا إلى فتوى للشيخ التكفيري عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية تقضي بقتل المرتد. ولما سُئل أي من كتب فرج فوده استنتج منه أنه مرتد، أجاب بأنه لم يقرأ أيا من كتبه لأنه لا يعرف القراءة والكتابة. وعندما سُئل عن سبب اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب “لنحرق قلب أهله عليه أكثر”.

أقرّ القاتل انه برفقة شركائه في الجريمة رسموا في البداية خطة لإغتيال فرج فودة إمّا بطعنه بسلاح أبيض أو بسكب كميّة من البنزين على جسده وإضرام النار فيه حيّا، قبل أن يتراجعوا ويختاروا عمليّة التصفية بالرصاص لأنّها الأكثر نجاعة.

فرج فودة قبل تنفيذ عملية إغتياله المادي بالرصاص تعرّض إلى عمليّة إغتيال معنوي ممنهجة امتدّت حوالي عشر سنوات، حيث تداول على شيطنته وتكفيره كلّ من شيوخ الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي الوهابي.

قبل اغتياله بستة أشهر تم ترتيب مناظرة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في الثامن من يناير /كانون الثاني سنة 1992، وحملت عنوان «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية» ودافع فيها عن الدولة المدنية كلٌّ من المفكر فرج فودة و المفكّر التنويري محمد أحمد خلف الله، بينما دافع عن الدولة الدينية الشيخ محمد الغزالى العضو السابق فى جماعة الإخوان المسلمين، ومأمون الهضيبى المرشد العام للجماعة، ومحمد عمارة عضو هيئة علماء الأزهر. وخلال المناظرة التي تجاوز عدد الحضور فيها الـ30 ألف شخص تم التحريض على فرج فوده واتهامه فى دينه وعقيدته، وضجّت القاعة بالتكبير، وتعالت هتافات الإخوان المسلمون المستهجنة لخطاب فرج فوده وخلف الله والمستحسنة لخطاب الهضيبي وعمارة والغزالي.

وفى الثالث من شهر يونيو/جوان 1992، قبل أيامٍ قليلة من عملية الإغتيال، نشرت جريدة النور الإسلامية بيانًا عن ندوة علماء الأزهر يكفر فرج فودة، ويدعو لجنة شؤون الأحزاب لعدم الموافقة على إنشاء حزبه، حزب المستقبل.

عند محاكمة قتلة فرج فوده أمام محكمة أمن الدولة العليا قدم محمود مزروعة، رئيس قسم العقائد والأديان بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر و محمد الغزالي العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمون شهادتين أمام هيئة المحكمة قالا فيهما ان فرج فوده مرتد وخارج عن الملّة، وكان الهدف من هاتين الشهادتين المُضَلِّلتين هو تخفيف الأحكام على الإرهابيين القابعين في قفص الاتهام.

اعترف محمود مزروعة أمام القاضي انه كان قد أفتى لهؤلاء القتلة بشرعية قتل المرتد، وقال في شهادته ما يلي: “إن اتصالاً جاءه من شباب يدعون انتماءهم لإحدى الجماعات الإسلامية، ويريدون استشارته في أمر عاجل، فحدد لهم موعدا، والتقاهم، فسألوه: “ما حكم المرتد” فأجاب: “قتله”، ثم سألوه: وإذا لم يقتله الحاكم؟، فأجاب قاطعا: يكون حكم قتله في رقاب عامة المسلمين”. وأضاف أمام المحكمة أن “فرج فودة أعلن رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية، ووضع نفسه وجنّدها داعياً ومدافعاً ضد الحكم بما أنزل الله، وكان يقول: لن أترك الشريعة تطبق مادام فيّ عِرقٌ ينبض، ومثل هذا مرتد بإجماع المسلمين، ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده”.

أما محمد الغزالي فقد قال في شهادته أمام المحكمة: “إن هؤلاء الشباب قتلوا شخصاً مباحَ الدم ومرتد، وهو مُستَحَق للقتل، ففرج فودة بما قاله وفعله كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، وولي الأمر هو المسؤول عن تطبيق الحد، وأن التهمة التي ينبغي أن يحاسب عليها الشباب الواقفون في القفص ليست هي القتل، وإنما هي الافتئات على السلطة في تطبيق الحد”، الإفتئات على السلطة هنا، يعني انهم تجاوزوا السلطة وطبّقوا حدا شرعياً دون استشارتها. وعندما سأله القاضي «وهل هناك عقوبة للافتئات على السلطة فى الإسلام»؟.. أجاب الغزالى: «لا أذكر أن لها عقوبة». وعندما سأله القاضي: «ما حكم من يجاهر برفض تطبيق الشريعة جحودًا أو استهزاءً؟».. ردّ الغزالى بالآية القرآنية القائلة: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ»، وفى آية أخرى: «الظَّالِمُونَ» وفى آية ثالثة: «الْفَاسِقُونَ». وأضاف الغزالي “إن بقاء المرتد في المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس”.

لا يوجد مجال للشك ان القتلة الفعليين لفرج فوده هم محمود مزروعة ومحمد الغزالي ومحمد عمارة والهضيبي وغيرهم من تجار الدين الذين أباحوا دمه، و القتلة الذين مثلوا أمام محكمة أمن الدولة العليا المصرية ليسوا سوى أدوات تنفيذ لفتاوى هؤلاء الشيوخ.

آخر العبارات التي رددها قاتل فرج فوده، الإرهابي عبد الشافي رمضان قبل إعدامه هي الآتية ؛ “حبل المشنقة طريقي إلى الجنّة، و قتلت فرج فودة حباً فى الله لأنه كافر، وحتى الأزهر نفسه قال بكفره”.

دم المفكّر فرج فوده في رقاب متطرفي شيوخ الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين ورموز التيار السلفي الوهّابي.

لقد أُغتيل فرج فودة لأنّه كان “زرقاء اليمامة”، التي كشفت لنا بحدّة بصرها وبصيرتها خطورة مشروع التمكين الّذي كان يعدّه المتأسلمون في الغرف المظلمة.

رحل فرج فودة وترك للمكتبة العربية عدّة عناوين شاهدة على ضراوة المعركة الفكرية التي خاضها ضد الظلاميين منها كتاب “قبل السقوط”، وكتاب “الإرهاب”، وكتاب “النذير”، وكتاب”نكون أو لا نكون”، وكتاب ” الطائفية إلى أين؟” وكتاب “حوار حول العلمانية” وكتاب “الملعوب” وأهمّها في تقديري كتاب “الحقيقة الغائبة”.

كتاب الحقيقة الغائبة للمفكر الشهيد فرج فوده سيكون محور اهتمامنا في الأسبوع القادم على قناة أنا أفكر اذن أنا موجود…

*نجيب البكوشي باحث وكاتب تونسي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى