إضاءاتالعناوين الرئيسية

فتحة سقف .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

قبل نحو عشرين عاماً كنت قد عدت إلى الوطن، بعد أن قضيت في المغترب أكثر من خمس سنوات، اكتويت خلالها بنار الحنين إلى الوطن، بعيداً عن الأهل والأحباب والأصحاب.

وبمجرد أن حطت قدماي أرض المطار اتفقت مع شريكتي بالمعنى الاقتصادي والنضالي، وزوجتي بالمعنى الإنساني، على لملمة ما تبقى لدينا من نقود، أو كما كان يحلو للأجداد تسميته “زفر الدنيا” للبدء بانطلاقة حياتنا، مستدينين “زفراً” إضافيا من بعض أقاربنا لشراء واسطة نقل، أمكنها أن تقلنا صباحاً إلى أماكن عملنا، وكذلك حمل ابنتنا الصغيرة إلى بيت جدها، ثم إعادتنا جميعاً إلى البيت عند المساء.

وبعد طول عناء، والبحث في أسواق بيع وشراء السيارات المستعملة، متنقلاً من مدينة حرستا إلى حي الحجر الأسود، استقر بي الرأي على شراء “زلحفة” عتيقة، أي سيارة “فولكس فاغن” إنتاج عام 1973، والتي كانت تعد آنذاك من السيارات المتميزة، لكونها وقبل كل شيء سيارة ألمانية ممتازة، أثبتت قدرتها الهائلة عبر كل السنين على تحمل الظروف الطرقية الصعبة في بلادنا، كما أن تاريخ صنعها لم يكن يتجاوز حينئذٍ العشرين عاماً.

هذه “العروس” هي سيارة العمر، وليس لها أخت، ومحركها جبّار بقوة 18 حصاناً، أما البنزين “فيخمّ فيها خم”. هكذا روّج لميزاتها الفنية والتعبوية صاحب مكتب السيارات آنذاك قبل أن “يلزقني” إياها. وبالرغم من كوني عدواً عنيداً “للميكانيكا” إلا أنني اكتشفت بعد نحو شهر تقريباً من شرائها أن عشرة من أحصنة محركها- على الأقل- كانت حميراً، لا بل حمير “مكرسحة”، حيث غالباً ما كانت تلك “العربية الأبّهة” -على قول أخوتنا المصريين- “تحرن” على الطريق، وكما هو معروف لدى الجميع، فإن الحرن هو صفة مؤصلة من صفات الحمار أكثر مما هي من صفات الحصان الأصيل.

كانت تلك السيارة المخضرمة بيضاء اللون، ذات فتحة سماوية في السقف، لكنها – وكما يبدو- بقيت مغلقة منذ عشر سنوات على الأقل، لذلك لم أكن لأجرؤ على فتحها خوفاً من احتمال عدم استطاعتي إغلاقها لاحقاً، وما يترتب على ذلك من معاناة في تسرب المياه إلى داخلها نتيجة غسلها، أو بفعل المطر، بل لعلي كنت أكثر جرأة من صاحبها الأسبق، فقد قمت بإغلاق تلك الفتحة بإحكام تام، وباستخدام مادة السيليكون، تحسباً لمثل تلك المشكلات المتوقعة.

وصباح يوم عيد الأضحى المبارك خرجت باكراً مزهواً بسيارتي الجميلة، قاصداً أداء مناسك العيد المعتادة، وكانت أهمها زيارة والديّ “رحمهما الله”، ثم بعد ذلك إلى صديقي القصاب، أبو عبد الله فتّوح، لمعايدة بعض خرفانه على الطريقة السكاكينية.

وأثناء مروري بشارع البرامكة سمعت صدىً قوياً لصفارة شرطة السير المعهودة. وباعتباري قد تعلمت تطبيق نظام المرور على أصوله في ألمانيا ما كان مني إلا أن تسمًرت في مكاني مباشرة، وحتى قبل أن أعرف أن تلك الصفارة كانت تقصدني. وبالتفاتة رأسٍ سريعةٍ إلى اليمين شاهدت شرطياً متأنقاً، ربما لمناسبة العيد، يضع نظّارة شمسية من نوع “ريبان” كما خيّل إلي، يركن دراجته النارية من نوع “هوندا” إلى حائط بناءً عند تقاطع حارة جانبية، ويقف مستنداً إلى صندوق البريد الأحمر، وكأنه كان يبعثر نفسه بقصد التخفي.

ومن دون أدنى شك عرفت أنني أنا المقصود من تلك الصافرة، حيث لم يكن بالقرب مني في تلك الأثناء سوى عامل تنظيفات واحد، يدفع بعربته ذات البرميل “المطعْوَج” عرض الشارع الخالي تماماً من المارة، إلا من “هارون” أشقر مقطوع الذنب، ناعس العينين، يلعق أظافره بانتظار عطايا الناحرين. تسمّرت مباشرة في مكاني منتظراً قدوم “الكابتن” الشرطي ليعرفني بخطيئتي المفترضة، وبطريقة كنت متعوداً عليها في بلاد الفرنجة. لكن “الباش” شرطي استدعاني إليه مبتسماً بإشارة من سبابته، أو لعلها الوسطى، الأمر الذي أثار الريبة في نفسي بعض الشيء. لكن ابتسامته كانت بالرغم من كل ذلك مريحة للنفس، مفعمة بالحب والحنان والعطف، وبخاصة عندما أتْبعَ ابتسامته بضحكة مائلة الشفتين، أظهرت بعضاً من أضراسه الملبّسة بالذهب.

طبعاً التزمت بأوامر الشرطي كل الالتزام، ومرحبّاً به أجمل ترحيب، لا بل مبادلاً إياه ذلك الابتسام والضحك في يوم العيد العامر بالفرح، معتبراً أن أمر استيقافي لا بد وأن يخفي وراءه بعضاً من سوء التفاهم، ولا يمكن أن يكون أبداً بسبب مخالفة كنت قد ارتكبتها – لا سمح الله-.

وبوجه مشرق، صبوح، يبشر على الأغلب بعيد سعيد “عايدني” السيد الشرطي قائلاً: هلا ومراحب، كل عام وأنت بألف خير يا “باشا”، ثم أتبع معايدته على الفور بطلب إعطائه أوراق السيارة وشهادة السوق خاصتي. رددت تحيته بأحسن منها، مجيباً إياه بعبارة: الله يعطيك العافية، وإن شاء الله عيد مبارك عليك يا حبيبنا الشرطي.

وبعد تبادل التحيات والمباركات شعرت بطريقة ما وكأنه ينتظر مني مبادرة أكثر عاطفية من تلك المقدمة الكلامية، إلا أنني تجاهلت شعوري وتابعت حديثي ناكلاً بمشاعره، فأخذت أسأله: كيف صحتك؟، وكيف الأولاد؟، وكيف الأهل والضيعة؟، فرمقني المسؤول بابتسامة صفراء من دون أن يجيب عن أي سؤال مما طرحت، هازّاً رأسه بإيماءات الإيجاب على استحياء وهو يقوم بتقليب صفحات دفتر “الميكانيك” المهترئ، وموحياً لي بأن مجاملتي المصطنعة هي الآن في غير محلّها أبداً، وربما هي من قبيل محاولتي إضاعة وقته.

ولا أدري لماذا انتابني شعور خفي بأن الحديث مع ذلك الدّراج المترجل بدأ يتجاوز توقعاتي بأنه سيبقى ودّياً، وأن مستوى التخاطب بيننا سيتعدى بالتأكيد حدود الاستشعار عن بعد، فقررت سلفاً وبشكل حازم ألا أسمح لنفسي بأن تراودني عمّا هو غير محمود، كما أنني أخاف إن ضعفت نفسي أن لا تفهم نياتي الحسنة، فأقع في ورطة لن يعرف أحدُ غير الله عواقبها. لكنّ الشرطي المحترم، وبعد أن طال انتظاره لمبادرة ما غير معلنة، آثر أن يبدأ بتفكيكي، ثم بتحطيمي نفسياً، ممارساً بكل هدوء ما يعرف بواجبه الوظيفي، ففتح دفتر “الميكانيك” بهدوء شديد يثير الغثيان، مغيّراً في ملامح وجهه العريض كلما قام بفتح صفحة من صفحات هذا الدفتر، وبدا وكأنه يلاعبني لعبة عض الأصابع، الأمر الذي آثار في قلبي الريبة والشك، لا بل الرعب.

ولا أدري كيف تمثلت لي في تلك اللحظة العصيبة صورة مدربنا في الدورة العسكرية بمدرسة المشاة بحلب، ذلك المرعب الكاسر، الرائد “مصطفى” فأحسست بطريقة ما وكأن هذا الشرطي يتقمّص شخصيته المركبة. وبتهكم بالغ، قال لي : يا أستاذ إلياس!!، في سيارتك فتحة سقف، هل هذا صحيح؟ قلت له: نعم، صحيح. قال : ويبدو لي، بعد أن فتشت في دفتر “الميكانيك” خاصتك، أن هذه الفتحة ليست مسجّلة فيه. قلت له مستغرباً: والله يا حضرة الشرطي إنك تسألني سؤالاً صعباً لا أعلم عنه شيئاً.

أغلق الشرطي الدفتر منهياً النقاش بسرعة غير متوقعة، ثم قال لي: يا أستاذ “إلياس” هناك تغيير جائر في مواصفات سيارتك، وهذا يعد مخالفة كبيرة جداً، مما يستوجب حجزها على الفور، وأنا أعلم تماماً أن هذه الأيام هي أيام عيد، وهذا يعني أن سيارتك ستبقى – مع الأسف- في عهدة مرآب المحافظة إلى ما بعد العيد. لكن عليك الاطمئنان يا أستاذ إلياس، فسيارتك ستكون هناك في الحفظ والأمان، وسأوصي الجميع بالحفاظ عليها سالمة، ويمكن لك أن تستردها من دون أي نقص بعد العيد فوراً – إن شاء الله- حالما تستطيع تصحيح هذه المخالفة في دائرة المرور الواقعة في منطقة الزبلطاني.

“زبلط” لساني، ودبّ الذعر في قلبي، وبدأت فرحة العيد تنقلب شيئاً فشيئاً إلى مأساة، وأحسست أن الأمر قد أصبح أعقد بكثير مما توقعت، فكيف لي أن أبقى دون سيارة، في وقت أنا أحوج ما أكون إلى وسيلة نقل.

وفي زحمة الأفكار المضطربة تذكرت فجأة كيف ناداني هذا الشرطي باسم “إلياس”، مع العلم أن اسمي ليس إلياساً. ثم خطر لي على الفور خاطر آخر، فكيف له أن يعرف من بعيد أنّ فتحة السقف في سيارتي الحبيبة لم تكن مسجلة في الدفتر؟، هل كان لديه إحساس فطري بمخالفات السائقين؟، أم أن نظّارته الشمسية كانت مزودة بأشعة تحت حمراء استطاعت أن تخترق ” تابلو ” السيارة، فتنظر في الدفتر فيما لو كانت هناك فتحة سقف مسجلة ضمنه أم لا؟، كما أنني تذكرت فجأة أن موظفاً لطيفاً كان في إدارة النقل أثناء شرائي وتسجيل سيارتي لأول مرة باسمي كان قد احترمني كثيراً عندما قام بعملية نقل ملكية السيارة من السيد إلياس البائع، كاتباً وبخطّ عريض إسمي مسبوقاً بكلمة “الدكتور”، إكراماً وتقديراً منه لمهنة “الدكترة”!!، الأمر الذي أشعرني فجأة بقليل من الارتياح لكنه ما يزال مشوباً ببعض القلق.

وبشجاعة غير معهودة مني، عبّرتُ فيها للشرطي عن سرعة بديهتي، قائلاً له باستخفاف: والله عيب على شرطي سير خبير مثلك، و”درّاج” متمرس، ألاّ يعرف كيف يفتح دفتر “الميكانيك”، ولا كيف يقرؤه.
تجهّم وجهه الشرطي على الفور بعد سماع تلك الكلمات المهينة، فكشّر عن أضراسه المذهبة، متأهباً لإنهاء نقاشه معي، والذي بدا وكأن لا طائل منه، ثم تحرك منزعجاً حاملاً دفتر الميكانيك شبه المهترئ إلى صندوق دراجته ليحرر مخالفته، أو ربما ليتصل بدورية المرور والسيارة الرافعة للقيام بحجز “زلحفتي”. لكن شجاعتي أخذت تقوى شيئاً فشيئاً، وصرت أقول في نفسي “واهاملتاه”، أكون أو لا أكون. تابعت صراخي بطريقة جنونية معبّراً للشرطي عن امتعاضي الشديد لتصرفه اللامسؤول قائلاً له : اسمع أيها الشرطي المحترم، أولاً أنا لست “إلياس”، وعليك أن تتأكد من ذلك وتفتح الصفحة الثالثة من هذا الدفتر “المتجعلك” لترى اسمي الحقيقي المكتوب فيه. ثم تابعت تهجمي عليه بكلام أعنف، شارحاً له أن لا علاقة لي شخصياً بفتحة السقف “المسلْكنة” سواءٌ كانت مسجلة على دفتر السيارة أم لم تكن، فهكذا اشتريتها، وهكذا استلمتها من إدارة التسجيل في الزبلطاني.

فجأة بدأ لون الشرطي يعود متورداً كسابق عهده بعد أن عاد وفتح الصفحة الثالثة من الدفتر، ثم ما لبث أن بادرني بابتسامة عريضة مصحوبة بعلائم المفاجأة، والتي دلت على قبوله خسارة النقاش، وكاشفاً لي بطريقة مطاطية عن جزء من رقبته، قائلاً لي وبكل الاحترام: “دكتور، حبيبنا، إذا سمحت! الله يخليك! فيك تشوف لي رقبتي؟، يمكن فيها دمّلة قديمة، مدري وحمة، صارلها شي عشرين سنة، أشو أسوّي فيها؟”.
وبالطبع بدأت أشعر بعد طلب تلك الاستشارة الطبية أن الفرج قد اقترب، وعرفت أن الأزمة التي افتعلها ذاك الشرطي قد بدأت تولّي من غير رجعى. أخذت استمع إلى قصته المرضية بشغف، وبفضول الأطباء النطاسيين، ثم قمت بإبعاد ياقته المعفّرة بقشرة كثيفة من رأسه، والمتلونة بهباب الفحم الأسود الآتي من قوافل “الميكروباصات” عابرة الطرقات، لأكتشف حزازة متبقّعة أسفل عنقه ذات لون أحمر, وحواف بيضاء يحتك به طوقه الذهبي. ومن دون أي تفكير نصحت مريضي المعلول بمراجعة عيادتي الخاصة في شارع الحمراء، إنما بعد العيد مباشرة، بالرغم من أنني لا أملك أي عيادة، لأنني ببساطة لست بطبيب جلدية، ولا طبيب “عضمية”، ولا حتى طبيب “عضخمسمية”.

 

 

*أديب وكاتب.. وزير التعليم السابق- سورية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق