إضاءات

غسان كنفاني : لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟!

رواية:رجال في الشمس

|| Midline-news ||  

لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟!.

كتب غسان كنفاني رواية رجال في الشمس أثناء تواجده في مدينة بيروت، وذلك عام 1963، تعكس هذه الرواية قصة الشعب الفلسطينيّ بأكمله، نتيجة وجود الاحتلال الإسرائيلي..

-ورواية رجال في الشمس هي صورة للإنسان الضائع في مخيمات اللجوء والتشرّد، كما أنّها صورة الإنسان الذي يفقد هويته، ولا يعرف أين المفر والملجأ، وصوّر كنفاني هذه المعاناة عبر ثلاث شخصيات بأعمار مختلفة، وبينّت الرواية كيف تنكّر الزمن لهؤلاء الرجال فما كان عليهم إلا أن يغادروا أرضهم بحثاً عن مكان آخر، حيث واجهوا الحرّ الشديد في خزّان الموت، وهم ينتظرون الأمل المرجوّ في العثور على مكان ما تحت الشمس.

-أفي رواية رجال في الشمس هناك أربعة شخصيات رئيسية، الشخصية الأولى وهي الشخصية المتمثلة في شخصية أبي الخيزران ، وهو المهرّب الذي عرض على الرجال الثلاثة أن ينقلهم على طريق الحدود العراقية الكويتيّة مقابل مبلغاً من المال.

أبو الخيزران سائق ماهر، عمل في الجيش البريطاني، وعمل مع الفدائيين فأصيب بقنبلة أفقدته رجولته وأعطته كل مرارة العالم، فكره نفسه، وجعل كل طموحه في تكوين ثروة يعيش بها في هدوء وسكون بعد عمر من الحركة التي لا تهدأ، كان يشعر أنه فقد أهم شيء في حياة الرجل من أجل الوطن، لكن الوطن لم يرجع، ورجولته فقدت إلى الأبد.

– السيارة فهي سيارة نقل مياه قديمة متهالكة وبها خزان ضخم فارغ هو ما سيختفي فيه أبطال الرواية الثلاثة ليعبروا نقطتي الحدود العراقية والكويتية.

أمّا شخصية الرجال الثلاثة، فالشخصية الأولى هي شخصيّة أبي قيس،رجل فقد بيته وشجرات الزيتون التي يملكها وأصبح يعيش مع زوجته الحامل وابنه الصغير في المخيمات، لا يجرؤ على التفكير في السفر للكويت حيث سافر الكثيرون وعادوا بالأموال التي حققوا بها أحلامهم الخاصة، “أبو قيس” شديد الارتباط بوطنه، يحلم بعودة ما كان، لكنه لا يعرف كيف يمكن أن تحدث هذه العودة بعد ضياع كل شيء.. “أبو قيس” رجل عجوز يخرج مضطرًا ولا يأمل كثيرًا في النجاح أو العودة الظافرة، لكنه يستجيب للضغط الذي يمارسه عليه أحد العائدين الأغنياء وحالة الفقر المدقع التي يعانيها هو وأسرته، فيودع زوجته وابنه ويسافر إلى العراق محاولاً أن يجد فرصة ليهرب عبر الحدود العراقية الكويتية من البصرة إلى الكويت ليحصل على النقود التي يبني بها بيتًا ويشتري شجرات زيتون جديدة.

أمّا الشخصية الثانية فهي شخصية أسعد:شاب مناضل تطارده السلطات بسبب نشاطه السياسي، لكنه يحاول الهرب إلى العراق بمساعدة أحد أصدقاء والده القدامى، ذلك الصديق الذي يسلبه عشرين دينارًا ويتركه في منتصف الطريق واعدًا إياه بشرفه أن يقابله بعد المرور على نقطة التفتيش، ولا يفي بوعده، فيفقد أسعد ثقته في البشر جميعًا، لكنه يستطيع الوصول إلى العراق مصممًا على عبور الحدود إلى الكويت ليستطيع أن يكون ثروة يرد بها الـخمسين دينارًا التي أقرضها له عمه ليبدأ بها حياته ويتزوج ابنة عمه التي لا يحبها لكنها خطبت له يوم مولدهما.

أمّا الشخصية الثالثة فهي شخصية مروان:هو فتى في المرحلة الثانوية يضطر لترك المدرسة والذهاب إلى البصرة ليدخل منها إلى الكويت بمساعدة المهربين حتى يعمل وينفق على أمه وإخوته الصغار..أخُ مروان يعمل بالكويت، وكان يرسل إلى الأسرة ما يكفيها، لكنه تزوج وتوقف عن إرسال نقود، بل أرسل رسالة إلى مروان يقول له فيها: لا أعرف معنى أن أظل أنا أعمل وأنفق على الأسرة بينما تذهب أنت إلى المدرسة السخيفة التي لا تعلّم شيءًا، فترك المدرسة. أما أباه فقد ترك عائلته وتزوج امرأة معاقة فقدت ساقها بسبب قنبلة في غارة يهودية، لديها بيت جميل بسبب توقف النقود؛ لأنها تملك دارًا من ثلاث حجرات بسقف إسمنتي، فيهرب بذلك من مسؤولية أسرته، ويحقق حلمه بالحياة في بيت له سقف بدلاً من خيام اللاجئين، ويؤجر حجرتين ويسكن هو وزوجته الجديدة في الحجرة الثالثة.

وكان يجمع هؤلاء الرجال بأنّ لكلّ واحد منهم مشكلة خاصة به، إضافة إلى وجود مشكلة وطنهم الأم فلسطين، وقد مثّلوا حالة الخلاص الفرديّ بمعزل عن الجماعة والجماهير الفلسطينية، وبات مصيرهم الفشل الذريع، والهلاك في الصحراء بعدما فقدوا جميع سبل العيش، وكل هذا بسبب الاحتلال الصهيونيّ

بدأت الرواية بالرجال الثلاثة (أبو القيس، وأسعد، ومروان)، حيث اتفقوا على الذهاب إلى الكويت عبر التهريب، وفي البصرة جمعتهم الصدفة بالرجل الرابع وهو أبو الخيزران، وهو سائق صهريج الماء الفلسطينيّ، ينتمي لذات القرية التي ينتمي إليها أبو القيس.

يقدم غسان كنفاني شخصية “أبو الخيزران” كنموذج للقيادة العنينة الإنتهازية التي تدعي التفكير في المجموع في حين أنها تسعى إلى مصالحها الشخصية مهما تأذى الآخرون أو تعرضوا للضرر

يتفق “أبو الخيزران” مع الثلاثة أن يبقى اثنان فوق الخزان ويجلس معه الثالث، وهكذا بالتبادل طوال الطريق في صحراء ترسل شمسها شواظًا من لهيب قاتل، وقبل أن يصلوا إلى نقطة الحدود بخمسين مترًا يدخلون الخزان، وعليه أن ينهي الإجراءات فيما لا يزيد على سبع دقائق ثم يسرع بالسيارة ليخرجهم من الخزان بعد 50 مترًا من نقطة الحدود.

– وافقوا على هذا الشرط رغم حرارة الصيف؛ لانعدام الخيارات المطروحة أمامهم، وقد عانوا الكثير في رحلتهم؛ حيث الحرارة العالية والظلام، وازدادت المعاناة عند دخولهم الخزّان لأوّل مرّة على الحدود العراقية؛ فقد كادوا يفقدون الحياة لولا أن أسرع أبو الخيزران لإنقاذهم في اللحظات الأخيرة.

وعند الإقتراب من نقطة الحدود الكويتية يستعدون لأخذ ما يسميه “أبو الخيزران” بالحمام التركي، ويطلقون عليه جهنم، لكن موظفا عابثا يعطل “أبو الخيزران” ويصر أن يحكي له السائق حكايته مع الراقصة العراقية “كوكب” التي تحبه لدرجة العبادة بسبب فحولته .

ورغم المفارقة المؤلمة في الحكاية الخيالية فإن تلك الأكذوبة تكون السبب في موت الثلاثة اختناقا في خزان المياه بسبب تأخر “أبو الخيزران” عليهم.

وانتهت الرواية بعبارة على لسان أبي الخيزران

(لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟!).

-رمزية رواية رجال في الشمس:

تتمثّل الرمزية الأساسية في القصة في عدم دقّ جدران الخزّان حيث أنّ هؤلاء الرجال الثلاثة يموتون اختناقاً في الخزان، دون أن يتجرأ أي أحد منهم على دق جدران الخزان طلباً للمساعدة.

ويلوح في هذا السياق السؤال الآتي: لماذا لم يترك المؤلف أبطاله الثلاثة يموتون في وُلوجهم الأوّل داخل الخزّان؟ لعله قد عمد في بنائه الفنيّ هذا إلى أن يُعّمق البُعد التراجيديّ في الرواية. «فالبطل المأساويّ هو من يختار… ويتحدّد مصيره كنتيجة حتميّة لهذا الاختيار، فمأساة البطل العربيّ الحديث التراجيديّة هي مأساة اختياره؛ لأنّه لا يملك زمام أمره» .

لقد قصد الكاتب إدانة الشخصيّات لاستسلامها التّامّ لهذا الموت ، فهو لم يُرد أن يتركهم يموتون في خزّان يجهلونه كمن يسقط ليلاً في حُفرة لا يعرف عنها شيئاً، بل قصد أن يجعلهم يموتون عن سبق إصرار .

لقد قصد ألا يستدرّ شفقتنا تجاه هؤلاء الرجال، ولم يُرد أن يُحدِث فينا أثراً انفعالياً كبيراً إزاءهم، بل أراد منّا أن نستنكر حُمقهم واستسلامهم السلبيّ ، فهو بهذا أراد أن يخاطب عقولنا ؛ ليحملنا على إدانة هؤلاء الّرجال، وهناك رمز هامّ هو أنّ الرجال الثلاثة هم المكافئ الروائي للشعب الفلسطينيّ الميّت بلا قبر، أو الميّت حسب الرواية في قبر الخزّان.

ووصلت شخصيّات الرجال الثلاثة في رواية « رجال في الشمس» حدّاً كبيراً من اليأس، لم يعـودوا معـه قـادرين على النّـضال من أجـل أيّ أمل يـلوح في الأُفُـق، بل ظلوّا أسـيري الـماضي -الذي يرون فيه السعادة والإشراق الذي ولّى إلى غير رجعة- فلم يعودوا يملكون القدرة على تغيير الحاضر المُظلم، فلجأ كلٌّ منهم إلى الخلاص الفرديّ، الذي يتمثّل في الفردوس الذي سعوا إليه في رحلتهم إلى الكويت.

لكنّ هؤلاء الرجال -للأسف- ولشدّة ما سيطر عليهم اليأس لم يتمكّنوا من اختيار الطريق الصحيح، فاختاروا طريق الهرب، كما أنّهم عجزوا عن اختيار القائد المُناسب ليقودهم في رحلتهم، فاختاروا رجلاً عاجزاً، فهذا الرجل الِعنّين غير مكتمل الرجولة هل يمكنه أن يوصلهم إلى غايتهم بسلام ؟

وأنهى الكاتب حياة شخصياته في هذه الرواية بالموت، إلا أنّه لم يتركهم يموتون في ساحة القتال، أو في حالة دفاع أحدهم عن نفسه أو عن أرضه أو عرضه، ولعلَّ المؤلف قد قصد أن يعُمّق مستوى إدانته لانهزاميّة أبطاله في هذه الرواية، إذ اختار لهم موتاً غير مُشرّف.

لا يكتفي كنفاني بهذه النهاية المأساوية المُهينة لأبطاله، بل يحاول أن يجعل أبا الخيزران (قائدهم في رحلة الموت) يجرّدهم من إنسانيتهم تماماً، فهو لا يكتفي بأن يُلقي جُثثهم في مَكَبّ النّفايات، ويجعلها نهباً للجوارح والحيوانات المُفترسة الجائعة في الصحراء بل ضاعف النظرة الماديّة اللاإنسانية إلى تلك الشخصيات التراجيدية، حين عمد إلى سرقة مُقتنياتهم الثّمينة «ولكنّه ما لبث أن تنبّه إلى أمرٍ ما بعد أن قطع شوطاً، فأطفأ مُحرّك سيارته من جديد، وعاد يسير إلى حيث ترك الجُثَث، فأخرج النقود من جيوبها، وانتزع ساعة مروان وعاد أدراجه إلى السيارة ماشياً على حافتي حذائه».

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق