العناوين الرئيسيةالوسط الفني

غازي عانا: العمل الفني ليس موضوعاً إنشائياً ولا إعلان عن بضاعة أو بيان سياسي

النحت رسمٌ للحجم بالضوء وظلّه، وموسيقى ورقص، يمتع البصر والبصيرة

|| Midline-news || – الوسط
حوار: روعة 
يونس
.

يرى أن فن النحت “همٌّ جميل”..
هاتان الكلمتان، تختصران ليس فقط رأي فناننا الكبير النحات المبدع غازي عانا. بل أيضاً رؤيته.
فما أجمل أن تُعامل همّك بحب ولطف ورعاية، رغم كل ما يسببه لك ويأخذه منك!
غازي عانا، فنان جميل بحق، لأنه شغوف بملئ فضاءات حياتنا بالجمال والحب.
ولا أخفي أن الحوار معه صعباً بعض الشيء، كونه إنسان وفنان تتشعب اهتماماته وتتنوع قدراته وتتميز كفاءاته. فإلى جانب فن النحت شغله وعشقه، أمضى سنوات في العمل الإعلامي الثقافي سواء عبر “اتحاد الفنانين التشكيليين” أو التلفزيون السوري، فضلاً عن حضوره الفاعل في المعارض والمؤتمرات واللجان الفنية.
إنما، شئنا أن يقتصر الحوار معه على الجانب الأبرز لديه، والأحب إليه: فن النحت.

.


“سلام داخلي” 

غازي عانا فنان تشكيلي، ورأستَ تحرير أكثر من مجلة فنية سورية لسنوات، ورأست مكتب الثقافة والإعلام في اتحاد الفنانين التشكيليين، وتُحكّم في المعارض والمهرجانات، ومُعدّ برنامج فني في التلفزيون، وكاتب، وباحث. أيهم أنت أولاً؟

أنا نحات وأحبّ النحت وهذا برأيي يكفي . لأنه في النحت عموماً لابدّ دائماً من دهشة يحقـّقها هذا الحضور اللافت للحجم في الفضاء، من انعكاس الضوء على جسد المنحوتة حتى لتشعرنا برقصها من حيوية وألق نهوضها في تلك اللحظة من المشاهدة، فتدغدغ البصر وتـُسكن البصيرة وتمنحها السلام الداخلي، وتنشر المتعة والسرور في نفس وذائقة المتلقي الموجود في المكان، من نشوة الرقص وحميمية العناق الذي لا ينتهي.

تتعامل مع الجماد (حجر وشجر ومعدن) وتحوله إلى كائن مفعم بالجمال والإيحاء. وأحياناً تؤنسنه. هل الأمر ملقى على عاتق “الموهبة الإبداعية” أم أن التراكم المعرفي والمخزون العملي والخبرات المكتسبة، تجعلك تمتلك أبجدية لغة النحت الصعبة؟

هي لغة صعبة فعلاً وخاصة على المتلقي كونها تعتمد على المعرفة والثقافة البصرية، بينما بالنسبة للنحات فلا بدّ من امتلاك الموهبة أولاً، ومن ثمّ صقلها بالعلم، أو الاطلاع والممارسة، والأهم برأيي من كل هذا أن يكون صادقاً مع ذاته الإبداعية ومُحباً لعمله، كونه أول مشاهد وناقد لعمله الفني.
.


.

“حالات إبداعية”
في معظم أعمالك، ثمة بُعد يضاف إلى أبعاد العمل النحتي، لنسمه بعد خاص بالمتلقي (على ندرته) كأنك تترك لعينيه وإحساسه تخمين فكرة المنحوتة التجريدية تلك؟

العمل التجريدي غالباً ما يحرّض خيال المشاهد أو المتلقي ليفكّر أكثر، وليشارك النحات في أحلامه أكثر من التفكير بعنوان أو موضوع العمل، لأن هذا الأمر بصراحة لا يشغلني كثيراً، كون العمل الفني بالنهاية هو حالة جمالية إبداعية وراقية، غايتها روحنة الأشياء والتخفيف من قحط الحياة وشدّتها، لأن العمل الفني بالأساس هو ليس موضوعاً إنشائياً ولا هو إعلان عن بضاعة أو بيان سياسي .. إلخ.

كثر من قرائنا يعرفون مراحل تشكيل اللوحة الفنية.. لكن ربما يصعب علينا معرفة أو تخمين المراحل التي تمر بها المنحوتة! فماذا عن تلك المراحل؟ هل تعتمد على فكرتك أنت، أم على العنصر والمادة الخام المستخدمة؟

إن مراحل تشكّل المنحوتة تختلف من خامة إلى ثانية بحسب قوامها ( حجر أو رخام، خشب، تشكيل معدن، مواد مختلفة)، وهذه المواد والخامات جميعها تنفّذ بالنحت المباشر على المادة نفسها حتى ينتهي، حيث يُراعى شكل الكتلة وحجمها وطبيعتها قبل البدء بالعمل، بالإضافة إلى خامة أساسية وهي الصلصال الذي ينتهي بعد التشكّل بمادة أخرى حسب رغبة النحات ( بوليستر ، حجر صناعي، أو برونز)، وموضوع الفكرة في حال كان العمل النحتي تجريدياً صغيراً أو كبيراً في حجمه، ربما تأتي بعد مرحلة من الاشتغال وتنضج تدريجياً أثناء التنفيذ، المهم نهوض الكتلة ورشاقتها، فبقدر ما تكون العلاقة متناغمة فيما بينها تكون النتيجة البصرية لتوضـّع المنحوتة على القاعدة الحاملة له أفضل باعتبارها جزءاً هاماً من أصل العمل ككل، وهذا ما يعزّز من حضور العمل بشكل لائق وملفت، بعيداً عن خصوصية الموضوع وشكل الصياغة، ويكون أكثر قبولاً عند المتلقي، كل بحسب ثقافته.
.


.

“تناغم كتلتين”
عطفاً على سؤالي السابق: ثمة تقنيات حديثة متعددة تستخدمها، كونها دخلت عالم التشكيل النحتي، وقدمتَ حقيقة حركة بصرية مؤثرة على المشاهد بشكل إيجابي. هل يمكننا القول إنك تجاوزت الأساليب التقليدية؟

كل ما هو متاح من أدوات وفّرتها التقنية يمكن أن يستفيد منها النحات خدمة للعمل وتقليلاً للجهد والوقت، لكن أذا كان المقصود بالأساليب التقليدية في النحت والمقترن كمفهوم بالإزميل والمطرقة فهذا ما زال موجوداً وضرورياً في أكثر من مرحلة أثناء تنفيذ أعمال الحجر والرخام حصراً.

المتابع لفنك الجميل، يلاحظ التناغم بين كتلتين هو هدف نهائي لمنحوتاتك، كمن يقارب بين بعيدَين أبيض وأسود، ليل ونهار، في مساحات وفضاءات تجريدية (وبالطبع لا أعمم هذه الملاحظة على كامل تجربتك) هل أنا محقة؟

طبعاً هذه حقيقة وحالة ما زلت أشتغل عليها لكثير من تناغم المنحوتة مع بعضها ككتلة وفراغ تحتضنه وفراغ آخر يحتضنها، بالنسبة لي كطريقة تفكير و ما يشغلني في العمل النحتي بشكل خاص تلك الثنائيات في الحياة، وهي نفسها المعادلة التي أسعى أن أحقـٌقها ( وهي حيوية كل حجم وديناميته وشكل ارتقائه مع نظيره ) أي تواتر الإيقاع من حميمية الالتحام بين كتلتين وانسيابية السطح وليونة الخطوط التي تصيغ هذا التماس أو الاندماج الحاصل في لحظة انفعال تصل أحياناً إلى ذروة الحساسية لحظة الالتقاء أو الانفصال المفترضة وغير المنظورة، المتداخلة أصلاً في كلّ منهما، وهكذا تنشأ مجموعة من العلاقات المتباينة فيما بينها تتفق مع بعضها على شكلٍ من الصياغة لابدّ أن تعكس بعض مشاعري وما يشغلني من قضايا في تلك اللحظات من الاشتغال . إن تلك الثنائية الناشئة في أعمالي عموماً تمثل العلاقة الجدلية القائمة منذ الأزل بين النهار والليل، الظلمة والضوء، الرجل والمرأة، الخير والشرّ … وإلى ما هنالك من ثنائيات أحاول في أعمالي أن تكون قابلة للحياة أكثر ولو افتراضياً كحالة بصرية وجمالية راقية.
.

.
“تكاليف باهظة”
 اعذرني على سؤالي، إنما في هذه الظروف التي تعشيها سورية، ألا ترى معي أنها تنسحب بدورها على فن النحت الصعب والمتعب سواء بجهده أو تكلفته الباهظة، فضلاً عن ندرة أماكن العرض التي لا تتسع أحياناً لبعض الأعمال! فكيف يتدبر “مشغلك” الأمر؟

بصراحة هذا الكلام وتلك الظروف الصعبة التي نعيشها تنسحب بلا أدنى شكّ على الفنان بالعموم وعلى النحات بشكل أكثر مباشرة وأشدّ صعوبة، نعم أنا بمشغلي لا أستطيع العمل سوى على مادة الصلصال ومن ثمّ تتحوّل فيما بعد إذا سمح الوضع المادي إلى البرونز في ورشات متخصّصة، وهذا الموضوع بصراحة وبسبب تكاليف المواد الخيالية ربما بات اليوم مستحيلاً ، بينما أنفّذ باقي الأعمال بخامات الحجر والخشب بمشغل الصديق النحات لطفي الرمحين بمنطقة الإحدى عشرية.

إسمح لي أن أعبّر عن “استغرابي” لأنه يندر أن نشاهد معرض نحت بأكمله. فلمَ يقتصر حضور المنحوتات في المعارض “التشكيلية” على مشاركات خجولة؟ ولماذا لا تُقام معارض نحتية؟

النحت بصراحة هو فن جميل ومدهش لكنه بالتأكيد صعب والنحات دائماً يدفع الثمن، المواد مكلفة والتجهيزات صعبة خلال مراحل إنجازه، ونقله وطريقة عرضه، وقبوله، ورغبة الصالات بعرضه، لندرة الراغبين باقتنائه .. كل هذه الأمور معقّدة وصعبة جداً.
.

.
“نُصب جمالية”
 شاركت في العديد من المعارض داخل وخارج سورية.. فهل تجهز الآن لمعرض جديد أو مشروع ما عبر “مشغلك” الذي يستحوذ على وقت كبير من يومك؟

في الحقيقة كان حلماً وربما بسبب هذه الحالة التي وصلنا إليها سيبقى حلماً أو حقيقة مؤجّلة إلى يوم الفرج .. كان هناك اتفاق مبدئي مع صاحبة ومديرة صالة مشوار السيدة ميادة كليسلي التي أبدت مشكورة كل مساعدة واستعدادها الغير المشروط لإقامة معرض شخصي لأعمالي نهاية العام الماضي 2020، وكنت أنجزت مجموعة منها، ولكن أُلغي أو تأجّل إلى وقت تحدّده ظروف أفضل أو أقلّ إستحالة.

 العديد من أعمالك النحتية متوضّعة كنُصب جمالية في الحدائق بكافة المحافظات السورية، وكذلك لبنان والمغرب ودول أخرى.. فماذا يعني ذلك لك أولاً؟ وماذا يحُسّن أو يطوّر لدى المتلقي والعابر والزائر؟

الملتقيات النحتية حالة راقية من الثقافة البصرية، هو موضوع له شؤون وشجون يستحق لقاء آخر للحديث حوله . النحت يا عزيزتي حالة من نهوض وعناق لعناصر من الطبيعة أعاد صياغاتها نحّات خلال زمن من التعب الممتع من أجل الاحتفاء بحضور أو حتى عبور أشخاص من هنا قد لا يعنيهم كل هذا الإنجاز من المتعة البصرية، ليبقى النحت سرّ المبدع ويمرّ الآخرون أو معظمهم دون اكتراث كلّ إلى وجهته.

.
“همٌّ جميل”

لسنوات طويلة وأنت تعدّ برنامج “رواق الفنون” على الفضائية السورية، وهذا يوحي بمخزونك الثري في مجالي الفن والصحافة، ألسنا موعودين بكتاب أو مؤلَف عن فنون التشكيل النحت؟

أتمنى ذلك .. لكن هذا يحتاج إلى مجهود إضافي ووقت .. أفضّل استثمار هذا المجهود والوقت في النحت، هو أقرب إلى روحي . قلت في البداية حتى ينجح أي عمل إبداعي على اختلاف نوعه لابدّ والأهم برأيي من كل التفاصيل أن يكون المبدع صادقاً مع ذاته الإبداعية ومُحباً لعمله، مثلاً أنا مهتم بالكتابة في الفن التشكيلي منذ بداية التسعينات وما زلت أمارس هذه الحالة كهواية ولم ولن أحترف الكتابة أبداً، ولا أدعي أني ناقد في يوم من الأيام، وأكتب بنفس الرغبة والمحبّة للنحت، لأني اعتبر بصراحة وصدق أن المادة التي أكتبها هي منجز إبداعي ومسؤولية، إذن لا بدّ هنا من محاكمتها وإعادة قراءتها قبل النشر. بالنهاية سأضيف ؤأيي بالنحت الذي ربما يلخّص بعض انشغالي : النحت بالنسبة لي : همّ جميل .. أن أحقـّق أميزَ حالاتِ ارتقــاءِ الكتلةِ في الفراغ، من انسجامِ الصياغةِ ونوعِ المادة وإمكاناتها في النحت، لحجمٍ ينهضُ برشاقة متناغماً مع الفضاء الذي يحتويه بحب. في حضرة النحت، هناك وقت مضاف .. حيث للبصر انشغال العين في متعة التأمـّل، وللبصيرة اتساع المدى من نشوة الروح، لتتجلّى كل من الرؤية والرؤيا.
.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى