إضاءاتالعناوين الرئيسية

عَروض وترنُّم .. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط
.

.

عندما تقدمت لامتحان نيل صفة ملحن في نقابة الفنانين السوريين عام 2006، وضعت نُصب عينيّ قواعد الأولين في إلزام عَروض الشعر بضروب إيقاعية ثابتة وإلا لرسبت! وبالفعل أعطاني المرحوم الأستاذ “عدنان أبو الشامات” بيتين من الشعر وطلب أن أعرف وزنهما ومن ثم أن ألحنهما. وكان الوزن (مستفعلن فاعلن – مستفعلن فاعلن) فوضعت لحنا بسيطاً مبنياً على ضرب إيقاع “السماعي الثقيل” ووزنه 10/8 تمثُّلاً بضرب موشح (لمّا بدا يتثنى) من الوزن ذاته.

عملياً، هذه القاعدة لا وزن لها في واقع عالم التلحين، فهناك أمثلة لا تُعد ولا تُحصى عن أوزان مختلفة تم تلحينها على ضروب إيقاعية تختلف كثيراً عمّا تخيله سلفنا الموسيقي الصالح. فهل يمكننا أن نعتبر أن التلحين مُنفلتٌ من القواعد؟ لن أخوض في القواعد العلمية التي يتم تدريسها في المعاهد الموسيقية العليا عن أصول “التأليف الموسيقي”، بل سأكتفي بذكر أحد المبادئ المتفق عليها، وهو متعلق بالتعامل مع حروف “المدِّ والترنُّم” وهو مبدأ لا يقتصر على العربية وحدها.

ببساطة، هذا المبدأ مضبوطٌ تبعا للذوقً وحسب، حيث يمكن للأذن أن تقبل من الملحن أو المغني أن يمد (يطيل الوقوف) حروفاً بعينها ولا تستسيغه عند الحروف الأخرى. فما هي الحروف القابلة للمد والترنم؟ هي حروف المد الصوتية الثلاثة (ا ، و ، ي) مع حروف الترنّم الثلاثة (ل ، م ، ن). إن الوقوف الطويل عند أحد هذه الحروف أو مدّها تستسيغه الأذن، ولكنها لا تستسيغ الوقوف الطويل عند حرف (س) أو (ع) مثلاً … بالرغم من أن المستمعين يمررون هذا أحياناً، فهم مثلاً تقبلوا لفظ (بععععععععععععــطيها) في أغنية (يا ريت فيي خبيها) التي لحنها راغب علامة سنة 1983 عندما كان هارباً من حرب بلاده إلى قبرص كما قال وأطلقها سنة 1986. وينطبق الأمر ذاته على أغنية (بععععععـــشق جميل الروح) لنور مهنا، والأمثلة ليست قليلة، والجمهور المسكين يتقبل ذلك بسبب إعجابه باللحن البسيط أو ربما باسم المغني، أو نجومية شخصه.

نصادف هذه الحالة عندما تكون خبرة الملحن بسيطة بحيث لا يتقن الالتفاف حول المشكلة، ففي أغنية راغب يمكن ببساطة تقصير مدة نطق حرف (ع) ومد حرف (ي): (بعطيييييييييــها) لتلافي هذه المشكلة. هذه الخبرة الضحلة تعجز بشكل واضح أمام القافية الشعرية المؤلفة من حرف متحرك يليه حرف ساكن غير صوتي (أي غير قابل للمد)، مثل: (سَهَرْ، سَحَرْ) أو (صلح، ربح) … تُعتبر هذه القافية تعجيزية للملحن، يحلّها الملحن غير الخبير بمد حركة الحرف الأوّل لتصبح الحركة وكأنها حرف صوتي وهذا يعتبر ركاكة شديدة في التلحين، فكلمة “سهَرْ” تصبح “سهاااااااااااار”، وكلمة “صلح” تصبح “صلييييييييييييييح” كما كان لحنها مثلاً في أغنية وائل كفوري (هلق صرنا صلح).

هل تقتصر هذه المشكلة على ذوي الخبرات الضحلة في التلحين أم اقترفها بعض الكبار؟
الواقع أنها حدثت على أياد خبيرة وعريقة، وسيكون لذلك مقال مفصل خاص، إنما أود تذكيركم بمقال سابق في هذه الصفحة عنوانه (عبادة القمم) استباقاً لأي استغراب!
*رابط مقال (عبادة القمم)

*(مراد داغوم .. مؤلف وموزع وناقد موسيقي- سوريا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى