إضاءاتالعناوين الرئيسية

عيش المفارقة .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

* أصبح من اللافت، ولا سيما في أوقات الحروب أن تبدو الشائعة بوصفها «نكتة» من أنها تأتي كبديل عنها، وثمة من يصدق دون أن يدرك أن تلك الكذبة سواء كانت بيضاء أو سوداء سوف تغدو قناعة بعينها ليأخذها اللاوعي ترويجاً، يبثها كحقائق عارية، وثمة من يداولها عله يواسي زمناً فقدت حلقاته وتشظت تفاصيله، لكن اللافت أكثر أن من يتغذى على الشائعة فضلاً عن أنه أول المصدقين لها هو من يصر على أنها حقيقة، ولا يمكنه أن يصدق، أن غيره لا يصدقها لذا سيبذل قصارى جهده ووقته ليعللها ويضيف لها ما يجعلها «نكتته» الواقعية حد الأسى، تماماً كما يحدث في وقائع الموت ووقائع الحياة، والأدهى في هذا السياق أن تظل الشائعات رغم هشاشتها «صادقة» وصادمة بما يكفي أن تناله ممن يشككون بها، ليتندرون في المجالس ومسمرين أمام الشاشات الصغيرة دونما حراك معرفي، حتى لتكاد تصدق أنهم أصبحوا بذواتهم شائعات تُحكى، وتُروى غير مرة، طبعاً بما يُضيفه الخيال فردياً كان أم جمعياً للمشهد  والحالة والفكرة وللحكاية في نهاية المطاف.

لكن «تطريف» السرد بات غواية الكثيرين ممن تقطعت بهم سبل الكلام لأن يصدقوا كل ما يقال وليس بعضه فحسب، وعلى ذلك يتواتر الترويج تبعاً للحالات فردية وجمعية في آن معاً كذلك.

والسؤال، أ تحتاج هذه المخيلة البشرية إلى فائض الخيال حقاً حتى يستقيم أمرها فتروي مفارقات عيش هنا أو هناك، فيما يبدو وكأن حكاياتنا الواقعية قد أصبحت افتراضية بما يكفي وعلى سبيل الدُعابة بتنا افتراضيين أكثر، كأن تمر في شارع ما وكأنك ترى الوجوه مجرد ملامح وظلال هاربة، وأن تنظر في محدثك وكأنك لا تسمعه فيما هو ذاته حينما يقابلك في الأثير بالتخفف من سلطة الحضور الكلي تسمعه جيداً وتصغي له بمنتهى الجوارح، وهل نحتاج إذن إلى شيء من لعبة الخفاء والتجلي حتى نفهم أكثر أننا في «عصفوريتنا الطليقة» مجانين من نوع آخر، وأن «المجنون» في مكان ما هو العاقل الذي أصبح ضحية مجتمعه؟!

* كثيراً ما تردّد ما قاله فيلسوف رداً على الاسكندر الكبير حينما سأله الأخير أنا ذاهب إلى الشرق ما الذي تريده لأحضره معي، فكان رد الفيلسوف: «أريد ضوء الشمس الذي تحجبه عني».

تنفع هذه الحكاية القديمة ليس لتأويل حالة الفلاسفة الذين يعيشون في اغتراب روحي، أو أضرابهم من المثقفين وعمال الكلمة الذين يكابدون الواقع ذاته ليشتقوا منه ما يمكنهم من البوح لا سيما وأن الواقع بمتعالياته أصبح كمن يحجب النور -ربما- عن تلك العقول القليلة الباحثة عن المعرفة رغم أن نقيض المعرفة أصبح الناطق باسم المعرفة، فإن «تعرف أكثر» فكأنك لا تعرف أكثر وفي تلك التعمية لا تحضر المعرفة بوصفها مؤامرة على المعرفة بقدر ما يأتي شقاءها ليسفر عن جنون أصبح وكأنه عقل اللحظة الوحيد!.

*عندما وضع الراحل المبدع ممدوح عدوان كتاباه الجميلان وفي أزمنة مختلفة: «دفاعاً عن الجنون، حيونة الإنسان»…. يا لنبوءته كم كانت محتفية بالإنسان وبرمزيته وهو يستبطن دفاعاً ذكياً عنهما، لكن الجنون وهو يتجلى على نحو يفوق ما سواه من «الحيونة»، لم يعد طي كتاب أو فكرة أو خيال أصبح كل هؤلاء، وعلينا أن نعلل فقط لماذا يحدث ذلك كله، وعلى مرأى من العقل الذي يبدو وكأنه بلغ سن التقاعد وينتظر الآن ما يُعينه –بضع آمال- ليصرفها في تقاعده المريح وفي مساءات عمره الشقية.

*إذن الشائعة أم النكتة أم الشائعة بوصفها كذلك، يغدو الأمر وكأننا في مفارقة مؤسية سيما وأن الشائعة باتت كخبز السياسة المحروق، لا يُشبع ويزيد في الأمعاء اشتهاء…

 

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق