إضاءات

عن فـيـروز وماكرون .. وما بعد العاصفة .. أحمد علي هلال ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

على الأرجح أن جمع اسمين هما على طرفي نقيض لن يكون منصفاً على الإطلاق، لا سيما وأن الحديث عن فيروز هو حديث عن هبة سماوية منحت العالم متسعاً من الحياة فناً وجمالاً وإبداعاً، فيما يذهب الحديث عن ماكرون بوصفه ممثلاً لتاريخ من الاحتلالات والانتدابات عرفته أرضنا العربية وظل ردحاً في ذاكرتها، لا بوصفه ممثلاً لعاصمة النور والتنوير وما حمله إرثها الثقافي الإنساني إبداعاً وثقافةً تركت انعطافات كثيفة في المخيلة الإبداعية العربية، فاللقاء المنقوص والملتبس جاء في أخطر تحولات لبنان وحياته السياسية كما الثقافية بآن معاً، بل يمكن القول على غير صعيد أيضاً.

ما المعنى إذن من منح فيروز وسام جوقة الشرف الفرنسي في هذه الأوقات، ومن المانح؟.

تذهب استنتاجاتنا في هذا السياق إلى مقارنات ملتبسة منها ما يذهب إلى الماضي الاستعماري الذي يتجدد في غير بقعة عربية بشكل أو بآخر، ومنها ما يطمأن على أن فيروز حقيقة مكتفية يكفيها أن يأتي العالم إليها ليطمئن غيرها بوجودها بوصفها حارسة الجمال السماوي، والعابرة لأزمنتنا بصوتها الذي ارتبط بكل أزمنة الحنين والشغف والامتلاء الوجداني الرومانسي والعاطفي، على الرغم من أن بعضهم قد وشى برحيلها غير مرة!.

الصورة مازالت منقوصة ويحتاج تشكيلها بخلفية الأيقونات المنسقة بشكل لافت، وبخلفية صور فيروز –صورة الفنان في شبابه- تحيلنا إلى مفازات تأويل متواتر، من جهة يمكن لنا أن نُسقط كل رغباتنا عليها، ومن جهة أخرى سيبدو –القطب الآخر- وكأنه يختار اللقاء في لحظة عاصفة ليبث غير رسالة يتلقفها الآخرون على اختلاف مواقعهم وأدوارهم، وما ينقص الصورة هو تأويل الجميع حقاً، فالحقيقة قدر موزع بعدالة متناهية، لكن لا يمكن لأحد أن يدعي امتلاكها وحده.

إذن علينا أن نقرأ تعبير الصور بتعدد الزوايا لا بتعدد الرغبات، وبقراءة الوجوه لا بالانتشاء فقط بمنح الوسام، وهذا ما يضفي -ربما- على القراءة أفقاً مختلفاً من شأنه أن يمسك ببعض التفاصيل والصورة في هذا السياق جاءت بخبر مقتضب لا تفاصيل فيه، فمثلاً أن تعتذر فرنسا من فيروز بوصفها رمزاً ثقافياً وإنسانياً، أم أن سدنة الانتداب وممثليهم مازالوا يبحثون عن أدوار تعيد إلى الأذهان فكرة لبنان الكبير؟.

ذلك بعضٌ مما يُستخلص من قراءات عابرة بعض الشيء لتواتر الصورة، ليس على صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي فقط، بل كما وقرت في المخيلة الاجتماعية أن تأتي إلى فيروز لا أن تذهب فيروز إليك، بفارق جوهري وحيوي بما يكفي أن دلالة اسم ماكرون ستنضاف إلى الثقافة العربية ورموزها وهذا ليس دقيقاً، لأن ثمة في الصورة اعتراف من طرف بعينه للعالم بأن فيروز هي حارسة حلم إنساني، لكن ذلك لم تقله كلمات ماكرون الذي توسل تغييراً ما في المشهد السياسي، لكن السؤال الأكثر فداحة ما الذي يجمع الثقافة بالسياسة هنا، ومن يكون في إثر الآخر؟.

مازلنا نتذكر على الأقل أن جمجمة سليمان الحلبي مازالت في متحف ما في باريس، ومازالت درامانا الوطنية في نوع بيئتها الشامية تحاكي ذلك المحتل عبر غير عمل درامي، لكن الحقيقة تذهب بنا إلى أكثر من أفق، فالمسألة ليست محض تكريم لأيقونة الفن العربي والعالمي، بقدر ما يأتي هذا التكريم عبر تجاذبات على غير مستوى، فهل تطييف الفن هو البديل عن دولة الطوائف التي تلفظ أنفاسها كما أزعم؟، وهل إن فنجان القهوة في أنطلياس هو رسائل تصل؟ وأحسب أن بطلة فيلم بياع الخواتم وسفر برلك وغيرها قد جعلت فنجان القهوة مجازاً ليس لتمرير دبلوماسية ناعمة، وليس في الإقرار بثقافة لبنان والعالم العربي عبر رموزه المتحققة، بل أكثر من ذلك إنها روح الشرق مرة أخرى التي يقاربها الآخر عبر مستويين دبلوماسية البوارج ودبلوماسية النياشين.

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق