إضاءاتالعناوين الرئيسية

عن فرسان الأمل.. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

لو قُيّضَ لنا أن نرجع بالزمن إلى الوراء، لنعيد قراءة الرواية الباذخة لجورج أمادو بعنوان «فارس الأمل»، لانتبهت حواسنا أكثر على تلك الجدليات المثيرة التي نعيش بين ظهرانيها: جدلية الموت والحياة، المرض والصحة، ذلك الموت الفيزيقي الذي لا نكاد نصدقه ونحن نراه متواتراً أرقاماً باردة قد تعني حيوات من ذهبوا، سواء بالحروب أو بالجائحات العتيدة التي ضربت جسد الأرض منذ أمد بعيد، ومعها قد تُستدعى ولا تُستدعى «نظرية المؤامرة»، والسعي إلى فناء البشرية وتخفيض عدد سكانها لعالم أكثر رفاهية وأقل عدداً، وهذ الاختزال المريع الذي ساور مخيلة كبار الأدباء والكتاب والمفكرين والاقتصاديين وسواهم الكثير، قد وضع يد البشرية على قلبها أمام استحقاق حيوي وجدّي بما يكفي.

الحياة معجزة: ليس في السؤال هل نعيش أم لا، بل كيف وبطرائق تحفظ ماء إنسانيتنا على الأقل في مواجهة تلك القبائح المستشرية والتي تغولت في جسد الأرض وهزت القلوب والضمائر، كما اللغة والكلمات والأشياء، ولكن وفي المقابل من هم فرسان الأمل الذين يشقون غبار الوقت ويأتون بلا مناسبة، كما قدر آخر يبتسم للحالمين بأن يجعلوا من عيشهم في الحياة فرصة أخيرة كي يقيموا في أرض أحلامهم وبأثمان فادحة تترجمها الآلام الخفية والمعلنة والمتواشجة بخوف الكائن/ الإنسان على قدره حدَّ عد أيامه، واختلاط بداياته بنهاياته وآلامه بآماله وأحلامه بواقعه، ذلك أن فرسان الأمل ليسوا مجاز وقتنا الأخير، إنهم كالأبدية حقيقة قادمة تستدعيها أزمنتنا توقاً وشغفاً وسلاماً داخلياً لتتوازن الأرض، وتظل السماء قبة أحلامهم وحارستها، وليس الحديث عن الأمل إذن ضرب من ضروب الهرطقة في هذا الزمان، الذي يصعب تصنيفه/ زمان كوني قرَّب كل المسافات وجعل الحقيقة مكشوفة على السطح، زمان سيستدعي كل فروض الإنسانية المغيبة، بوصفها المنقذ الوحيد ولهذه الإنسانية تعاليمها وتمائمها، الإنسانية المثلومة حدَّ التشظي، لن تصبح مجازاً ولو أراد سدنة الشر في العالم وخازنو الأحقاد، لأنها المبرأة مما لحق بها وهي الآن في عين العاصفة.

وهل أصبحت الكتابة عن الأمل ضرب من المجاز أيضاً؟، لكنها أفعال الكلام وليس الكلام وحده في أوقاتنا العصيبة المترعة بشجون العواصم وتكسّر النصال على النصال، ذات يوم صرخ الأنسانويون.. مازلنا هنا نتحسس آلام الخريطة ونتلمس جراحاتها.. وكم لنا أن نرتق أو نخيط جراحاً عميقةً كجرح اللغة مثلاً، وجرح الهوية، وجرح التاريخ، وسواها مما أغدقها الألم على اتساع الخريطة، ظل أولئك -الإنسانويون- صوتاً صارخاً في البرية، وتحت شمس الحقيقة يرفعون النداء ولا يصمتون بحثاً عن إكسير المحبة، كمضاد حيوي لكل الأوبئة والحروب وأحابيل الشر، المحبة لذاتها وإن ضاقت الدروب أمام وجع كوني صار وشماً في الأرواح المتعبة، وأجنحتها المتكسرة… مهلاً ليس ذلك كله فقط بيان في جراح طليقة، إنه البحث المهجوس عن أمل وشيك يمسح عن قلب الإنسان ما علق به بيد حانية علها يد السماء العالية، السماء التي مازالت ترفع شمسها كصلاة أزلية لتضيء قلب العالم، ومازالت تولم  للأزاهير بأن تنمو ملونة بما يكفي على الأرض لتنعش ضحكة مبتكرة تهزم اليأس وتعلن أن نهارات الله كلمة عالية لا تحتاج فقط إلا أن نرفع رؤوسنا لنمتلئ بها.

 

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق