إضاءاتالعناوين الرئيسية

عن دراما الحياة .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

.

كثيراً ما يتساءل غير متابع أو مشاهد عن جدوى الأعمال الدرامية وما يمكن أن تتركه من أثر ما في ذاكرة التلقي، بل من شأن هذا -المتابع- أن يتنكب سؤالاً شاقاً بما يكفي: هل تشبهنا تلك الأعمال أم نشبهها؟

وللسؤال هنا أن يتواتر لأسئلة إضافية من مثل كيف تخلق الدراما مأثرتها كي يتم التجاوز والتخطي؟ لكن دون أن تتخفف من ثقافة بعينها، والثقافة الدرامية بهذا المعنى ليست منجزاً فردياً برسم كاتب فرد، بل هي محصلة ناجزة لرؤيا مجتمعية ناقدة ساخرة وغير ذلك مما تهدف إليها منظومتها في خطاب النص والصورة والتشكيل والحكاية، ومدى ما تخلقه من تأثير محتمل من شانه أن يكيف الأفكار ويسهم في إنتاج معرفة ما.

هل تشبهنا الدراما حقاً أم نحن من نشبهها؟
ذلك هو غاية الأسئلة بل لعله من كبرياتها،  لا سيما ونحن نشاهد أعمالاً بعضها يمس أرواحنا وبعضها الآخر يمر عابراً من أمامها، ولا نقصد هنا بطبيعة الحال الأعمال التي تدور حول وجهة نظر ثابتة ويجري البرهان عليها، إنما الأعمال التي تأخذ حصتها من الروح وتتوسل أن تقرأ صيرورات هذه الأرواح، كالعمل الذي لا يمل المشاهد منه ألا وهو «الانتظار»، هذه -الثيمة- الدالة كم لها من رصيد في حيواتنا وفي تجليات يومياتنا حتى أن أقدار هذا العمل سترتبط بأقدار أُناس نعرفهم ونتنفس الحياة معهم، ونقتسم رغيف الحلم معهم، ونتبادل ضوع عطر أيامنا معهم حتى تستوي في ذاكرتنا تلك الصورة الباذخة لواقع يعيد إنتاج نفسه بصورة أو أخرى، ذلك لا يعني على الإطلاق أن تلك الأعمال احتفظت بسياقها التاريخي وحده بل ذهبت إلى مستقبل الحكاية، أي عشوائية الأرواح في الزمن المختلف انطلاقاً من عشوائية البيوت والهويات والمكونات المجتمعية المتباينة، وما سوى الحلم مخلصاً، لكنه حلم سريع يواسي هشاشة الأرواح وينتهي إلى سخرية الأقدار التي دائماً وأبداً تكثف الدراما جل مقولاتها حولها «صرخة روح» مثالاً في هذا السياق، ولعل لأحد ما أن يتساءل هنا مازال الواقع أكثر ضراوة مما تحتمله الصورة الدرامية، على الرغم من أنه قد يشي لها بغير فكرة ودلالة، فهل المقصود من كتّاب الدراما إلى أن يحايثوا الواقع ويتجاوزوه لا أن يعيدوا انتاجه ليظل الواقع هو هو ، بل أكثر مدعاة للأحزان والقتامة البادية على أرواح الناس في هذه الأيام!.

ويتساءل مراقب يخشى التشابه في تلك الأعمال ويعزو ذلك إلى تماثل المخيلة التي تحمل الكتّاب على أن يسعوا في إثر السوق ونزعات الاستهلاك وتقليعات أمزجة المنتجين، هل حقاً ستتفرج علينا الدراما لتعيد تأثيث الصورة في المتخيل من جديد، وشأن النصوص الدرامية اليوم هو شأن جدليات الحياة في الأقاصي والتخوم، ثمة مغامرة يعيشها المرء وكيف لهذا المرء أن يسردها كلمة أو صورة أو حتى فناً تشكيلياً، ليخلق تلك المأثرة المنشودة ، لا أن تصبح أعمال بعينها أشبه بحصان طروادة.
.

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى