إضاءاتالعناوين الرئيسية

عن تاريخ المسرح (2) .. مريم ميرزاده

|| Midline-news || – الوسط …

.
احتكرت السينما الدور التمثيلي بعيداً عن “حقيقية” المسرح و مصداقيّة ممثلي الخشبة. ملحمة رستم وسهراب في شاهنامة الفردوسي، وأسطورة الأب زال التي تحوّلت لعظمتها في خاطر التاريخ إلى تماثيل رخامية يقبل على شرائها السوّاحُ إلى ضريح الشاعر الإيراني في طوس، والتي تحولت الیوم إلى أغنياتٍ وقصص تعلّم حتى للأطفال. أنعزوها حصراً إلى الأسطورة المكتوبة؟ أم أنّ جزءاً من خلودها كان تمثيلها ورسم شخصياتها في جدران المتاحف في المدن المختلفة؟
هل تفي مسارح اليوم بالغرض الذي نشأت لأجله؟ بل هل لها الأثرُ الآسرُ والحضور الفاعل الذي كان؟ أين المسرح العربي هنا؟ ما هويّته؟ هل لازلنا نتحدث سنواتٍ عن مسرحيةٍ سبق وذهبنا على أقدامنا يوماً لحضورها فكان لها أثرٌ عميق في ضمائرنا؟
هل تُكتَبُ مسرحياتُ اليومِ في مجلداتٍ يوماً ما في المستقبلِ البعيد؟ هل تؤرّخ؟ هل تقارب الخلود؟ الإجابةُ تكون أوضح بعد محاولاتٍ موضوعيةٍ لإماطة اللثام عن الصيرورة التاريخية لواقع الفن التمثيلي، وآثار الحداثة والتطور وما أرادته وتريده لنا الثقافات التي نستوردها بانبهار وتمسي هي انطلاقتَنا ومرجعنا الطليعي في التمثيل والتصوير. لا شكّ أنّ انطلاقةً مسرحيةً أو فنيةً عموماً متأثرةً بالسرعة والأرقام وشبكات التواصل الإجتماعي والإنترنت والكم الهائل من المعلومات المتداخلة السريعة والراحة والتسلية العالية التي توفرها طريقة المطالعة الإلكترونية، لا تكون انطلاقةً تسلّط الضوء على حقيقةِ شعبٍ ما وحضارته. لعلها على الأرجح عرضٌ ضائعٌ تاهَ منذ عقودٍ عن مساره الحقيقي، فتشتّتَ وأخذت الشوائبُ تضافُ إليه خلال مسيرته من كلّ حدبٍ وصوب. لعلّ ما نذهب لمشاهدته في الصالات ذات الستائر الحمراء، شكلٌ مختصرٌ سهلُ الهضمِ خفيف الأثر، من فنٍّ كاملٍ متكاملٍ أصيل، كان منذ آلاف السنين، يقدّمُ للبشريةِ عراقةَ شعوبنا وحضارةَ جذورنا.
فكيف السبيلُ إلى حفظ جذوة الخَلقِ والإبداع لدى الشاب المسلم عموماً، والعربي خصوصاً، من التفتّت الثقافي المحتوم الملازم لصيرورة عصر السرعة، ومن التشتت المترتّب على استيراد كمياتٍ مجنونةٍ من المعلومات بصيغةٍ غير مدروسة على الأغلب؟ مما لا ريبَ فيه، بأنّ الإبداعَ في مجتمعنا ليس محصوراً ضمنَ حيّزٍ فنيٍّ دون آخر، وكما أنّنا نشهدُ احتفاءً شاملاً بأدبياتِ النهوض والثورة ومقاومة الإستعمار الثقافي ومعاركه الباردة في الجبهات الاجتماعية والثقافية، من قصةٍ وروايةٍ وقصيدةٍ ولوحةٍ وموسيقى، فإنّ ما لا يغيبُ عن خاطرنا، هو عظمة ما قد تلعبُه مسارحُنا من دورٍ تاريخيٍّ فاعلٍ في خطّ الرسالة التي يحملها دينُنا-هويّتُنا وتقديم ملامحه الحقيقية بأبهى الصور من خلال فنّ الستارة الحمراء. هذا الدور الذي لا يقلُّ سحراً وتأثيراً عن مسرحيات التاريخ الملحميّة.

*روائية وكاتبة ومترجمة إيرانية- لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى