العناوين الرئيسيةمقالات

عندما يناقض القانون العلم.. بسام العطري

|| Midline-news || – الوسط…

.

دخل متجهماً إلى مكتبي مساء يوم صيفي من سنة 2010، شديد العصبية إلى حد كبير، مما جعله يشير بيديه وكأنه يحدّث نفسه نتيجة ضغط عصبي ونفسي هائل يتعرّض له.
ورغم أني قليل الفضول، إلا أنني أعترف أن مظهره وهيئته أثارا فضولي لأعرف قصته بشكل مفصّل إلى حد كبير. استرخى مرتاحاً في مقعده، والتقط أنفاسه، ثم شرع يروي قصته الغريبة التي كانت تتلخص بأنه تزوّج منذ حوالي ثلاث سنوات واستمر زواجه حتى سنة وبضعة أشهر انصرمت، حيث انتهى بالطلاق في المحكمة الشرعية في دمشق. وبعد أن أعطى طليقته كامل حقوقها الشرعية مضى كلٌ إلى غايته.. فسافر هو إلى المملكة العربية السعودية وعمِل هناك.  بعد غياب أكثر من سنة جاء في زيارة إلى دمشق لرؤية الأهل والأصدقاء وتجديد جواز سفره الذي توشك صلاحيته أن تنتهي. عند مراجعته فرع الهجرة والجوازات لتجديد جواز سفره طلبوا منه إخراج قيد مدني، وأثناء حصوله عليه انتبه إلى اسم مسجّل بجوار اسمه في الخانة، ولدى سؤال الموظف عنه أجابه: “هذا ابنك فلان”!!!
طار صواب الرجل وفقد رشده وهو يصيح بأنه ليس لديه ولد.. فأجابه الموظف: “إنه ابنك من طليقتك فلانة وهو مولود بتاريخ 27/ 9 …”. جن الرجل أكثر وأكثر وراح يصيح بأعلى صوته: “كيف يولد لي ولد بتاريخ بعد تاريخ الطلاق بحوالي سنة؟! وكيف تسجّل طليقتي مولوداً غريباً على اسمي ودون علمي ودون إرادتي”؟!

أسئلة كثيرة ازدحمت في رأسه وتلعثمت على لسانه دون أن يدري لها جواباً، فنسي قصة جواز السفر وتجديده وبات هذا الموضوع شغله الشاغل وهاجسه اليومي. بعد جولات وجولات ومشاوير مكوكية ومراثونية قضاها الرجل ما بين المحكمة الشرعية بدمشق ومديرية السجل المدني تكشّفت له الحقيقة كاملة، وكانت على الشكل التالي:
تم الطلاق بينه وبين زوجته بتاريخ 21/ 10 وانتهت عدة الطلاق بالنسبة لها في 21/ 1 من السنة الجديدة، ووضعت مولودها بتاريخ 27/9 أي بعد الطلاق بأحد عشرة شهراً، وبعد انقضاء عدة الطلاق بثمانية أشهر!

عندما حاول الرجل أن يشرح وجهة نظره المنطقية والموضوعية بأن المولود لا يمكن أن يكون ابنه لحدوث الولادة بعد الطلاق بأحد عشر شهراً. كان الجواب الصادم له الذي تلقاه في المحكمة الشرعية هو: ان المادة 128/ 3 من قانون الأحوال الشخصية السوري قد نصّت على أنه: “أقل مدة الحمل مئة وثمانون يوماً وأكثرها ثلاثمئة وخمسة وستون يوماً”. وحيث أن طليقته قد وضعت حملها خلال أكثر مدة الحمل أي ثلاثمئة وخمس وستون يوماً فإنه ما من شيء يمنع تسجيل المولود على اسمه استناداً للنص المذكور!
جن جنون الرجل أكثر وأكثر، ولم يستطع أن يحصل على جواب أو أن يقوم بإجراء يشفي غليله، وعندما استشارني في الموضوع أجبته أن ذلك صحيح، وفي مثل هذه الحالات ما من حل متاح سوى أن يقيم دعوى نفي نسب عن المولود ليتمكن من ترقين قيده على اسمه، ودعوى نفي النسب لا تكون إلا باللعان لأن المادة 129/ 3 من قانون الأحوال الشخصية نصّت على أنه: “لا يُنفى نسب المولود عن الزوج إلا باللعان.”

وما هو اللعان؟ سألني الرجل المسكين… أجبته: اللعان هو أيمان (جمع يمين) يحلفها الرجل الذي يرمي زوجته بالزنا أربع مرات بمواجهتها بأنها زنت والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.  وتدرأ هي عن نفسها ذلك بأن تحلف مثلها (أي أربع مرات) أنه من الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين “سورة النور”.
استبشر المسكين خيراً وانفرجت أسارير وجهه قليلاً بعد أن لاحت له بارقة أمل بعيد في الأفق، فخشيتُ عليه أن يغرق في أحلامه بالخلاص من هذا الكابوس الذي ألمَّ به، ووجدتُ نفسي مكرهاً أقوم بتحطيم آماله عندما قلتُ له: “لكن المشكلة أن لدعوى اللعان شروطاً محددة نصّ عليها اجتهاد محكمة النقض، ووفقاً لهذا الاجتهاد فإن مدة إقامة دعوى اللعان لا تتعدى وقت الولادة وشراء أدواتها وأيام التهنئة، أو حسب عرف البلد. يعني تأخرت بالموضوع يا عزيز، والأهم من ذلك أنه في دعوى اللعان يجب أن تكون الرابطة الزوجية لا زالت قائمة، لكن في حالتك فإن الطلاق –كما تعلم– قد وقع منذ حوالي مدة.
أُسقط من يد الرجل تماماً وعاودته حالة اليأس والغضب، وسألني ثائراً: “أستاذ.. حباً بالله من أين تأتون بهذه القوانين التي تنافي العقل والمنطق والعلم؟! كيف للحمل أن يستمر سنة كاملة في رحم الحامل؟!

*محام ومستشار قانوني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى