إضاءاتالعناوين الرئيسية

عندما تتفوق الموسيقا-1 … مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط …

.

عندما نتناول عملاً موسيقياً صرفاً، ستكون الموسيقا متفوقة بكل تأكيد بسبب غياب العناصر الأخرى؛ أما عندما نواجه عملاً يُوظِّف الموسيقا إلى جانب عناصر أخرى، كاللغة أو الصورة أو الحركة، فنحن أمام قضية تتنوع فيها أسبقية التفوق تبعاً لما نعاينه من نسبة التوافق والانسجام بين هذه العناصر المختلفة.

سأتحدث عن أعمال موسيقية عربية وعالمية، حققت نجاحات باهرة وكاسحة، فتميزت بين كثير من مثيلاتها وتفوقت فاستحقت الإعجاب الجماهيري الواسع. متمنياً أن أقوم بالتعريف على أعمال خالدة بهدف المتعة السمعية عالية الجودة، والمعلومة الطريفة والمفيدة.

1- أغنية:
سأبدأ بمثال من أغنية، أي بعملٍ يوظف الموسيقا مع نص شعري في خدمة عمل فني هادف. والعمل الذي اخترته هو نشيد “والله زمان يا سلاحي” للسيدة “أم كلثوم“.
كتب النص الشاعر الكبير “صلاح جاهين“، ولحنه الكبير “كمال الطويل“. فإذا ما ألقينا نظرة على النص، سنجد المطلع يقول:
والله زمــان يـا سـلاحـي – اشتـقـت لـك في كـفـاحي
انطق وقـول أنـا صاحـي – يــا حــرب والله زمــــان

تعلمنا في مراحل الدراسة الإعدادية والثانوية أن ندرس ما يسمى: “عاطفة الشاعر” في القصيدة وأسلوبه أيضاً، والواضح هنا أن القصيدة تنضح بالحماس أولاً وثانياً وثالثاً. والقصيدة بلسان رجل يطلب من سلاحه النطق، كناية بليغة عن اعتبار السلاح وكأنه كائن حي يتفاعل مع صاحبه الذي “اشتاق” للكفاح”، كفاحه الخاص لأنه يقول (كفاحي). فإن كان قصد الشاعر في الشطر الأخير بلسان السلاح أيضاً بمعنى أن السلاح مشتاق للحرب، فهذه كناية أخرى أكثر جمالاً.

أما الأسلوب، فهو خَطابيُ بامتياز؛ متوافق مع حماس الشاعر، كأنه منتصب أمام أمة طويلة عريضة، يوجه لها خَطابه الحماسي عبر حديثه مع سلاحه، ليثير فيه عواطف النخوة وحب الكفاح الوطني.

وبما أن الشِعر لا يطيب بدون المبالغات، توجب استقصاء الحقائق للحكم على العواطف المتبدية. فقد تم إطلاق الأغنية سنة 1956، مما يعني أن الشاعر كتبها قبل ذلك بسنة على الأقل، فالسيدة أم كلثوم لم تكن لتسجل الأغنيات قبل تدريبات مطولة ومتعددة، ناهيك عن أن الشاعر لا يكتب مثلها بأيام معدودات. إذن، كُتب النص قبل العدوان الثلاثي الذي وقع في  اكتوبر/تشرين أول 1956، كما أنه قد كُتِبَ بعد نكبة 1948 بثمان سنوات. أي بعد أن وافقت مصر (والدول العربية) على هدنة الأسابيع الأربعة، والتي استطاعت فيها اسرائيل استجلاب آلاف اليهود وتم تجنيدهم وتزويدهم بأحدث وأقوى الأسلحة التي وصلتهم خلال هذه الهدنة، ما أدّى إلى انتصارها وخسارة العرب وتحقق “النكبة”!

في ظل ما حصل، ساد الشعور بالهزيمة بين الشعوب العربية قاطبة، مشحوناً بتقلُّص ثقتها بنفسها وبقواتها المسلحة، وحديث التاريخ عن أسلحة معطوبة تم تزويد بعض القوى العربية بها أقحم الشعور بالخيانة في أفئدة العرب. وعلى ذلك يغدو مطلع القصيدة منفصماً عن الواقع السائد بين الجماهير العربية حينذاك. فعن أي اشتياق يتحدث الشاعر في البيت الأول؟ وعن أي حرب يتحدث في البيت الثاني ولم تمرَّ على النكبة ثمان سنوات؟
يقول الشاعر في المقطع الثاني:
والله زمـان ع الجــنــود – زاحفة بـتـرعـد رعـود
حالـــفة تـروح لم تـعـود – إلا بـنـصــــر الـزمــان

يستمر شاعرنا بحماسه النبيل، المُتَخَيَّل، أو فلنقل “المرجو” إيصاله لجماهير العرب. فيعمد إلى المبالغة المسموح بها للشاعر تحت مسميات البلاغة والمحسنّات فيتخيَّل زحف الجنود كرعد السماء، يتخيلهم مصرّين على التقدم وعدم التراجع إلا بنصر تاريخي يُسَطِّرُه الزمان باستعارة تعابير الأساطير الشعبية التي تتحدث عن ملك الزمان وما شابه. أعود للتذكير أنّه جائز للشاعر أن يركن إلى الأسلوب الذي يراه مناسباً لخدمة فكرة النص، ولنا أيضاً أن نشير إلى المبالغات والحماس المشابه لمعارك السير الشعبية في مقاهي تلك الآونة.

يكفي أن أقول أن مقدرة “صلاح جاهين” الفذة في كل أعماله ولا سيما رباعياته الرائعة تشهد بأنه أكثر شعراء مصر تعبيراً عن مشاعر الشعب بصدق وشفافية، وأنه سيّد من لجأ إلى السخرية في شعره ليصل إلى هدفه بكل صدق وواقعية؛ لكنني افتقدت كل ذلك في هذا النص.

أما الواقع فهو أن الأغنية ألهبت الجماهير، الجماهير التي لا أظنها حاكمت النص بهذا الظلم الذي ارتكبته أنا، بل أظنها طربت لمجرد دعوة حمل السلاح بعد الهزيمة ولم تحفل بما تبقى، وعشقت الأغنية بعد أن امتلك اللحن ألبابها. فالموسيقا كلحن مجرد هنا أكبر من النص بكثير، زاده التوزيع النحاسي دفعاً للحماس، كما أنه لإيقاع “المارش” دور عظيم في تزكية المشاعر الحماسية كما هو معروف، يُتوج كل ذلك بصوت السيدة. لكن التفوق الواضح كان للحن العبقري للمَطلع، الذي وجد كمال الطويل أن أي جملة موسيقية سيصوغها كمدخل للأغنية ستكون باهتة أمام عظمة لحن المطلع، فكان أن اعتمد لحن المطلع كمقدمة وكرره في خطوة نادرة في الحان أناشيد تلك الفترة التي غنتها أم كلثوم مثل “بغداد” و “ثوار” وهما من ألحان السنباطي، وقد تميزتا بمقدمات موسيقية متفوقة في عبقريتها.

كان من عظمة هذا النشيد، “والله زمان يا سلاحي” أن اعتمدته دولة “الجمهورية العربية المتحدة” (مصر)، ودولة “العراق” كنشيد وطني لهما في حقبة كانت القومية العربية تعلو فوق كل الأفكار الآيديولوجية، وهذا مستغرب كثيراً أن تعتمد دول تنهج القومية العربية نشيداً باللغة العامية المحليّة ليكون نشيداً وطنياً في عصر نادى بالوحدة العربية التي كانت من أهم مقوماتها اللغة العربية.

2- موسيقا الصورة
المثال الثاني هو موسيقا فيلم “السبعة العظام The Magnificent Seven” سنة 1960، والموسيقا هنا موظفة لمرافقة الصورة والحركة.
كتب الموسيقا “إيلمر برنستين  Elmer Bernstein” ولم يكن في باله إلى أي مدى ستنتشر هذه الموسيقا في جهات الأرض!

موجز القصة هو أن سكان إحدى قرى “المكسيك” الفقيرة يعانون من هجومات متكررة لعصابة تسرق منتوجاتهم ومحاصيلهم وأموالهم على مدى سنوات، فيقررون “استئجار” مرتزقة للدفاع عن قريتهم، وبعد جهد عظيم مع مقاتل شرس اقتنع بالأجر الزهيد، ووافق على المهمة الموكلة إليه، واستطاع تجنيد ستة رجال من ذوي البأس معه، استطاعوا قهر العصابة ومنعها من التفكير في أي غزو آخر لهذه القرية.

قصة في غاية البساطة، تعتمد فكرة الدفاع عن الوطن مقابل أجر مدفوع بسبب عدم مقدرة أهل القرية على القتال. لا تختلف الأحداث والحبكة كثيراً عن أحداث أي من أفلام “رعاة البقر” أو أفلام الغرب الأميركي، سوى بالحركة الزائدة Action التي كانت أسلوباً جديداً في سينما هوليوود آنذاك. هذه الحركة ألهمت المؤلف الموسيقي تقطيعاً بارعاً للثيمة الأساسية، استهلها بجملة سريعة تنفذها الوتريات بمصاحبة ضربات الأوركسترا، تتصاعد الحركة لتصل إلى مستقرها عند بدء الجملة الأساسية وهي أقل سرعة لكنها على درجة من العبقرية البليغة جذبت أسماع البشر في القارات بعد أن اعتمدتها إحدى الشركات التجارية العملاقة في مجال إنتاج التبوغ كثيمة لحنية مميزة في إعلاناتها المصورة سينمائياً وتلفزيونياً، ساعد ذلك كثيراً في انتشار هذه الجملة الرائعة بين أسماع مختلف الأذواق لترضيهم جميعاً.
جدير بالذكر أن “إيلمر برنستين” كتب موسيقا فيلم “الهروب الكبير” أيضاً.

يمكن الاستماع إلى نشيد “والله زمان يا سلاحي” عبر الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=jSSy6Xl2VGA

يمكن الاستماع إلى موسيقا فيلم “السبعة العظام” عبر الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=1IBC9D1wfbc

*(ملحن وباحث موسيقي – سورية).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى