العناوين الرئيسيةمقالات

عقوبة الإعدام ما بين الإلغاء والإبقاء.. بقلم: بسام العطري

|| Midline-news || – الوسط

.

دعت كثير من الدول في مطلع القرن العشرين إلى إلغاء عقوبة الإعدام في قوانينها وتشريعاتها بشكل نهائي وكلي، وذلك تحت تأثير المدارس الفلسفية الجنائية الحديثة التي كانت تنادي باعتبار الإعدام عقوبة قائمة على أساس استئصال الجاني من الحياة، وبأن عقوبة الإعدام مبنية على نظرة تقليدية للعقوبة تعتبر أن الهدف الأساسي لها هو إيقاع الألم والتكفير عن الذنب والانتقام من الجاني.

وذهب بعض نشطاء حقوق الإنسان إلى أن عقوبة الإعدام تشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان كافة باعتبارها تسلبه حق الحياة. ولم تلبث رياح العولمة والتواصل أن حملت هذه الأفكار إلى بلداننا العربية كافة، ومنها سوريا بطبيعة الحال، حيث لاقت –كما في البلاد الغربية– استحساناً من بعض المفكرين، ورفضاً قاطعاً من قبل فريق آخر.
وقد كنتُ منحازاً بشكل كلي إلى رأي الفريق الثاني، إذ كنتُ -ولا زلت- أرى في عقوبة الإعدام عقوبة من شأنها أن تحقق القصاص العادل في بعض الجرائم، والأهم أنها تحقق في المجتمع ما نسميه –كرجال قانون ودارسين– بالردع العام بين أفراد هذا المجتمع.
كان يطيب لبعض المناكفين من أنصار الرأي الأول (المعارض لعقوبة الإعدام) أن يصفونني بالقسوة؛ والتشدد؛ والتحجّر؛ ورفض أي تطوير للفكر العقابي في القانون. ومن جهتي كنتُ ازداد تطرفاً في رأيي، وكانوا من جهتهم يمعنون في الانتقادات اللاذعة. إلى أن كان يوماً صيفياً منذ أكثر من عشرة أعوام، حيث استيقظت يومها دمشق على غير عادتها على أخبار جريمة شنيعة جداً… تمثّلت أحداثها بالعثور على جثة صبي صغير في الثامنة من العمر مقتولاً بطريقة وحشية في إحدى مقابر دمشق. استطاعت قوى الأمن الداخلي العثور على القاتل بسرعة قياسية تُحتسب لها، وذلك تحت تأثير ضجيج وسخط الرأي العام وغضب القيادة السياسية العليا للبلاد من بشاعة الجريمة وهولها، بما يمثل تهديداً وتحدياً سافراً لحالة الأمن والأمان التي كانت تعيشها سورية في تلك الفترة.
عند قيام السلطات المختصة بالقبض على الفاعل قامت بالتحقيق معه، اعترف بعد محاولات الإنكار بإقدامه على اختطاف الصبي الصغير من منطقة قريبة، بعد أن قام بإغرائه بالألعاب والحلوى وما شابه ذلك من أمور يحبها الأطفال، ثم استدرجه إلى المقبرة وهناك قام بتقييده وتكميمه بعد أن حلّ الظلام، ثم بدأ بعد ذلك بتعاطي المسكرات وتدخين مادة الحشيش، ولم يلبث أن قام بعدها باغتصاب الصبي بشكل بشع، ونتيجة لمقاومة الصبي الصغير له فقد ثارت ثائرته، فأخرج من جيبه مدية غرزها في خاصرة الصبي الذي سالت دماؤه، وبدلاً من أن تتحرك في نفسه عوامل الشفقة والرأفة بالطفل، تحركت في نفسه المزيد من الميول الملتوية فكان يتلذذ بتدفق الدم من جسد الصغير بينما كان يعكف على اغتصابه بمنتهى القذارة والوحشية. وتابع اعترافاته بأنه استمر في اغتصاب الطفل حتى خرج الزبد من فمه، وهنا لم يستطع الضابط المحقق التحكم بمشاعره فانفجر بالبكاء وانقض على المجرم بنفسه يريد أن يخنقه بيديه… هرع العناصر وخلّصوا المجرم من يدي الضابط المأخوذ ببشاعة وقذارة الفعل.
بعد ذلك تمت إحالة الفاعل إلى القضاء متمثلاً بقاضي التحقيق الذي قرر لزوم محاكمته أمام محكمة الجنايات في دمشق، التي لم تلبث بدورها أن أصدرت حكمها العادل عليه بالإعدام شنقاً، وتم تصديق الحكم من محكمة النقض، وجرى تنفيذه أصولاً.
بعد تنفيذ حكم الإعدام بذلك القاتل اجتمعتُ مع أصدقاء كانوا من أبرز وأشد المؤيدين لإلغاء عقوبة الإعدام في بلدنا، يومها قلتُ لهم: “هناك جرائم لا بد من أن يكون الإعدام عقوبة لها، كما أن هناك نفوساً ميؤوس من إصلاحها نهائياً، وأرى أنه من غير الجائز إضاعة الوقت والإمكانيات مع تلك الحالات السرطانية الميؤوس منها التي تصيب المجتمع، وربما تتفشى وتتمدد فيه إن لم نبادر إلى استئصالها بكل الحزم اللازم الذي كنتم تسمونه قبل أيام قليلة قسوة وتشدداً.
إنها حالات وأفعال وجرائم تكشف عن الخطورة الجرمية المرضية للفاعل والتي لا يصلحها شيء.. وأما الإبقاء على حياة الفاعل تحت مسميات كاذبة من حقوق إنسان والحفاظ على الحياة البشرية فما هي إلا تهديد لأمن المجتمع وسلامه وسلامته من خلال الإبقاء على أناسٍ خطيرين غير قابلين للشفاء، وتركهم سيؤدي إلى انتشار خطرهم عبر العدوى التي يمكن أن تصيب غيرهم من ضعاف النفوس، خصوصاً وأن أعداد المجرمين الذين تم الحكم عليهم في سوريا وتم إعدامهم فعلاً لا يتجاوز مجموعهم العشرين محكوماً منذ عام 2004 وحتى عام 2009. وهو رقم لا يستحق التهويل والعويل ما دام محكوماً بضوابط قانونية صارمة. لأن أمان المجتمع وحماية أفراده أهم من هرطقة الإبقاء على حياة حفنة من المجرمين.
.

*محام ومستشار قانوني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى