إضاءات

عقب سيجارة .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

ثمة طرفة يتداولها الناس اليوم: «هناك سعال شديد يتردد في الأرجاء، عفواً ليست كورونا بل هو الهبوط التدريجي إلى السجائر الوطنية بعد ارتفاع أسعار الأجنبي»!

ذات ثغر توسلها لتنفث آلام الجسد –وهماً- بأن الدخان سيبدد من تلك الآلام ما يستطيع، عل متعة تطفي نكهتها على لحظة تبدو عابرة لكنها تلك اللحظة المُستعادة التي يذهب فيها المدخنون في تورياتهم لما يحرق الجسد والقلب والجيوب.

ذات قصيدة كتب شاعر حكايته مع «السيجارة» وكيف خلفت آثارها في قلبه ليذهب لمبضع الجراح غير مرة، وفي زمن آخر يهجوها يا لها من مركب آثام فادحة.

فهل كان غبارها غابة توارى فيها المكلومين أو الباحثين عن ضروب لذة عابرة إذ لا ينطوي الكلام هنا على امتداح سيجارة تُسرع الأصابع أو الأقدام لإطفائها لحظة نفاذها وكأنها مجاز عمر سريع ما أقصر إشراقاته.

فمن يُدخِنُ مَنْ، السيجارة وهي توغل في أزمنة القلب ليفيئ إليها أم الفم الذي يتوسلها ليبثها لهفة ملتبسة حتى كدنا نُوصف بشعب الدخان، الشر الذي لا بد منه على الرغم من كل النداءات على –استحياء- بوجوب الاقلاع عنه وتركه للأبد، لكنها أبداً من تزينت للعيون بغير هيئة لتجذبها وتتم «الصفقة» دون تردد بالشراء وحالما يتم الانتهاء تُرمى الأعقاب هكذا وكأنها لم تكن صاحبة الحرائق في الجسد، وكأن لا شأن لها بمن توسلها بثغره نداءً وتحبباً ليصبح «العقب» على قارعة النسيان تركله الأقدام ذات اليمين وذات الشمال بائساً بانتظار دفنه فهو إذن مجاز حيوات سريعة الاشتعال تطفئ ذكرياتها حالاً دون ندم طارئ وكلنا في مجازها وخلف دخانها نبتكر جنة عيش ولو كانت لدقائق معدودات، وأكثر ما يبتكره المرء أن يجد متسعاً مما يوازي التعلل بها، كأن يبتكر فلسفة غالباً ما تعتمد على موروث شفوي عتيق، من مثل «داوها بالتي كانت هي الداء»، لكن الشاعر الذي عللها بديوان كتبه إثر غير عملية جراحية في القلب، رأى فيها لُهاثٌ ورأى سراب كالأعمار تماماً، إذ نزينها بالظنون فماذا يقول غبارها في مجازه الحكائي… أعمارٌ قصيرةٌ وآلامٌ مضرجة باللغة وآمال تتبدد لكنها تبتدأ من حيث ندري، ولعل العود لها يشبه انتساباً «لحزبٍ» محظور لكنه مرغوب بالضرورة.

فهي كلمة يكتبها اللسان على هواء عابر وأكثر ما ينتصب صفحة لها القلب.

في الشارع ثمة أعقاب كثيرة ليس فعل الأقدام من مرّغ أنفها التراب، هي أشبه بأحلام متقطعة لم تطل دورة حياتها تماماً كحيوات من عبروا إليها ونفثوها بحواسهم كلها، ليفارقوا لحظات ليست لهم.

أعقاب كأعمار لا تنتمي سوى للعبور إلى اللا شيء دخان… دخان… دخان… ونتعلل بالنسيان مما أحرق بضع مراكب كانت ستصل لغير شاطئ، وكان سيهرب بها البعض من حرب إلى حرب بغير أسماء وتظل بضعة أعقاب إشارة لرحلة ما أكثر خسارتها، وما أندر حميميتها ذلك الوهم المترف على حدود الحلم بأن ما نقبضه هو ساعة من حياة، والحياة هكذا تعبر على خيط دخان لتنتهي أعقاباً، وتبدأ من جديد رحلة النفخ بالنار، فكيف إذن تعثر الأصابع وسط النار عن شيء سيبقى، إن هي إلا شريكة في حريق صغير لكنه تورية لحرائق أكثر.

في اليد التي شاخت وهي تمسك ما تبقى من «السيجارة» ثمة صبابة بأن عمراً مازال هنا ولو أقام للحظات، عمرٌ يذهب إلى إشراقاته لكن أوقاته أسرع كذلك قالت الأعقاب تُركت في العراء يذروني الهواء فمن قبلة الفم إلى مذق الشوارع لا قدر هنا يفسر تلك الحكايات السريعة وما يتوارى خلفها، أو خلف دخانها الكثيف سوى أعمار بشر تحترق وتذهب إلى شوارع الذاكرة لتبدأ غيرها من جديد، لا تتسول تاريخاً لها سوى ما يتسوله التاريخ بذاته ليروي: هل كنتم هنا حقاً وهل أنتم من تمخرون عباب الدخان؟ وهل تكذبكم تلك النهايات إذن أنتم تبتدأون وحسب؟.

 

* كاتب و ناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق