إضاءاتالعناوين الرئيسية

عصاميون… ولكن !!! د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

كنت في السادسة من العمر عندما بدأت أتعرف على محيطنا من الجيران، وقد كان أكثر ما يلفت نظري في ذلك الوقت هو جارنا المهندس عصام.
كان المهندس عصام شخصاً لطيف المعشر، تبدو على محياه بشكل دائم علائم البركة واليسر. ولقد كان أبي-رحمه الله- معجباً جداً بأخلاق ذلك الجار، وبلطف تعامله، وبرقة كلامه، وكان كثيراً ما يذكره في أحاديثه معنا، متمنياً علينا، نحن أولاده، أن نتخذه قدوة في حياتنا وعملنا.
لم أكن أعرف في ذلك الوقت معنى اسم عصام، فذهبت مرة إلى أبي أستقصي منه ذلك المعنى، فقال لي: اسم عصام آت من العصامي، والعصامي هو الذي يسود بشرف نفسه. يعود والدي ليؤكد لي قائلاً: أما جارنا عصام فهو-والله- اسم على مسمى، عصامي بامتياز. هو أحد المجتهدين في هذه الحياة، أعطاه الله بقدر ما كان يكد ويتعب منذ طفولته الكئيبة، إضافة لما كان عليه من بر والدته، وكذلك رعايته لإخوته الصغار بعد أن جار عليهم الزمان.
دفعني فضولي للتعرف أكثر فأكثر على شخصية جارنا المهندس عصام، فعرفت أنه كان أكبر إخوته. توفي والده وهو في سن الرابعة عشرة، فاضطرته ظروف حياته المأساوية لأن يزاوج بين العمل والمدرسة، فيذهب صباحاً إلى المدرسة لمتابعة تعليمه، بينما يستعجل العمل مساءً ليعيل عائلته الفقيرة، المكونة من خمسة أيتام وأمهم.
كان عصام رفيع الجسم، طويل القامة، أبيض البشرة، تنتثر على وجهه الرائع الجميل نقاط النّمش. له عينان سوداوان، تبرقان كعيني هرة في ليل كالح، أما شعره فبنّي ضارب إلى الصّفرة.
بدأ عصام عمله في أحد مسالخ اللحم، وبتزكية من جارهم في الحارة مدير المؤسسة الاستهلاكية. كان ينقل الخراف المذبوحة على كتفه الصغير من مكان سلخها إلى السيارة المبردة، التي تقوم بنقلها لاحقاً إلى محال الجزارين المنتشرة في المدينة. أما دوامه المضني فكان يمتد من الساعة الثامنة مساء حتى الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، إلى أن يعود إلى منزله منهكاً، مهدود الحيل، تتعشق جسمه الروائح الكريهة وآثار الدماء، من رأسه حتى أخمص قدميه. كانت أمه تنتظره عند الباب، تحمل له منشفة وصابوناً، فتدخله إلى الحمام وهي حابسة أنفاسها عن رائحته النتنة، فيستحم ببعض من مساعدتها. تحاول بعدها ست الكل – كما كان يناديها – فور انتهاء حمامه أن تطعمه سريعاً بضع لقيمات يسد بها رمقه قبل النوم، لكن بلعها يصعب عليه لشدة تعبه، كما أن النعاس كان يغلبه في معظم الأحيان قبل أن يستطيع تناول كامل عشائه، فينام ذلك المسكين وهو جالس على كرسيه، فتقوم أمه بتمديده على الفراش وتغطيه، ثم تطبع على جبينه قبلة، ليستيقظ مرة جديدة عند الساعة السابعة صباحاً، فيشرف بنفسه على إيقاظ إخوته، وتحضيرهم للذهاب إلى المدرسة، بينما أمهم تصنع فطورهم. ترى ذلك الرجل الطفل يجلس على المائدة والحبور يملأ وجهه، فيداعب أخاه هذا، ويلاطف أخته تلك، ثم يقوم بعد ذلك بإيصال إخوته إلى مدارسهم فرداً فرداً، ليذهب بعد ذلك إلى مدرسته لينهل من علومها.

كم كان معلمو عصام يحبونه. لقد كان مضرب المثل في الجد والاجتهاد، وقلّ من كان يعرف أنه يكابد الأمرين ليتابع تعليمه. ثم تراه يعود إلى البيت في الساعة الثانية عصراً ليشرف بنفسه على متابعة دروس إخوته، فيرى دفاتر هذا، وكتب تلك، وواجبات ذاك، ثم يتفرغ لإنجاز دروسه وواجباته، إلى أن يحين موعد ذهابه من جديد إلى المسلخ، فيغير ملابسه مرتدياً ثياب العمل، بعد أن تكون أمه قد غسلتها له في الليل الفائت، ثم يضع حطّة حمراء مبرقشة على رأسه، ويلفها لفة كاملة على جبينه ورقبته، محاولاً التخفي قدر الإمكان، تجنباً لاستعطاف جيرانه.
لم يكن عصام محباً للحديث كثيراً مع زملاء العمل، سوى الاقتصار على إلقاء التحية وحسب. فمساء الخير عند القدوم، والسلام عليكم عند العودة، علماً أن بعض العمال كان يحاول بطريقة أو بأخرى التحرش به، فهو ذلك الطفل الجميل، مستغلين صعوبة وضعه العائلي، وربما انبهارهم ببهاء وجهه الأخاذ. كان معظم تحرشهم يأخذ طريقة التفوه بكلمات سوقية نابية، إلا أن بعضهم الآخر كان يتجاوز حدود الكلمات إلى اللمس المقصود، وأحياناً إلى ارتكاب الملامسة. لكن عصام كان يصدهم بعنف وبرجولة الرجال، وبوجهه يتقطر حُمرة من قلة أدبهم، وفي قلبه تتلظى نار الغضب والقرف من ممارساتهم الشائنة.

كان مدير المسلخ يضع في يد عصام أجر كل أسبوع خمسين ليرة. لقد كان هذا الأجر رقماً كبيراً بالمقارنة مع أجر باقي الأعمال الأخرى نظراً لصعوبته، وربما لقذارته. وقد كان هذا الأجر يساوي راتب موظف في الدولة يحمل الشهادة الثانوية في ذاك الزمان. يعود عصام إلى المنزل، فيضع ما قبض في يد أمه، ناقصاً منه نحو خمس ليرات يدفعها أجور انتقاله كل يوم بالباص إلى المسلخ، علماً أن العودة كانت بباص المسلخ ذي الرائحة المقرفة تجنباً لنشر عاملي المسلخ روائحهم الكريهة في وسائط النقل العامة. كذلك كان يحرص ذلك الأب الطفل أن يضع في جيوب إخوته كل يوم بعض النقود ليشتروا بها ما يشتهون من المدرسة.
كبر الجميع، وبقي عامل المسلخ يعمل فيه إلى أن تخرج من الجامعة بتفوق، مهندساً مدنياً، ليفتح لاحقاً مكتباً، لعله كان من أهم المكاتب الهندسية في المدينة، وليصبح خلال عشرة أعوام من افتتاحه من أثرى مهندسي المدينة، بينما استطاع جميع أخوته تباعاً التخرج من الجامعة، ثلاثة أخوة تخرجوا من كلية الطب البشري، وأخت من كلية الصيدلة، وأخرى من كلية التربية.

لقد آثر المهندس عصام أن يدعم جيل الشباب، أن يساعد أي شاب يحتاج عملاً. لكنه لم يكن يساعد أحداً بداعي الصدقة، إنما من خلال دفع الناشئة لابتكار فرص عمل، فيقدم لمن يقتنع منه جدية مشروعه دفعة نقدية مجزية على سبيل الاستدانة طويلة الأمد، ثم يستعيد من ذلك المستدين ما كان قد دفعه له بالتقسيط المريح، وعلى مدد تزيد على عشرة سنوات، من دون أي يأخذ أي فائدة، لا بل كان يؤجل من كان يعجز عن الدفع، إلى أن يستطيع ذلك، وحتى أنه كان يعفي غير المقتدر في عديد الأحيان، لكن بطريقة لا تحط من كرامة ذلك المستدين.
أثرت بي قصة جارنا المهندس عصام تأثيراً كبيراً، حتى تولد لدي شغف بالبحث عن قصص هؤلاء العصاميين، وغدا ذلك هاجساً لي. كنت أفكر فيهم بشكل دائم، فأنا على المستوى الشخصي من الذين يحبون الالتقاء بمن له قصة وحياة مختلفة عن القصص والحيوات الرتيبة للآخرين. أحب كثيراً التعرف عليهم، وكذلك التعرف بشكل عام على خبرات الغير، بغض النظر إن كان ذلك الغير يتوافق مع رؤيتي في الحياة أم لا. أحب قراءة قصص النضال والكفاح، وتجاوز الصعاب، كما أنني أدرس هذه الحالات بعناية، ربما لأتعلم منها، وربما لأكتب عنها لاحقاً، فأعرّف بها ممن حولي.

وهكذا ذهب بي الزمان مذ كنت طفلاً باحثاً عن قصص العصاميين، سنة وراء سنة، إلى أن وصل بي الأمر إلى يومنا هذا، لأشهد صنفاً جديداً من العصاميين غير الذي عرفته عن عصامية عصام.
نعم، هناك عصاميون جدد!! لقد أصبحوا متواجدين في كل الأمكنة التي لا تخطر على بال أحد. عصاميون مكافحون مرابطون!!، عصاميون من جميع الأعمار والبيئات، منتشرون في عديد المواقع المبعثرة هنا وهناك، في البيوت والنوادي والمطاعم، في المرافق العامة والمؤسسات والوزارات المختلفة.

ذات مرة تلقيت دعوة من جهة دبلوماسية إلى العشاء في أحد المطاعم الفخمة. نظرت في ذلك المطعم هنا وهناك، لقد تغيرت كثيراً وجوه أولئك الوافدين إلى أماكن كهذه. ولعله ليس من الصعب أبداً أن تتعرف من بريق هذه الوجوه أي منها هي لعصامي جديد. يمكنك اكتشاف ذلك العصامي من طريقة حمله للشوكة والسكين، ومن تناثر فتات الطعام من فمه أثناء تكلمه، أو من قهقهته الممزوجة برشقات من لعابه في وجه من يقابله جلوساً. يمكنك ملاحظة لون ونوع جواربه البيضاء النايلونية، التي غالباً ما تتناسق مع لون حذائه الخمري ذي الكعب السميك، ومع صباغ شعره المنقلب من الأسود الفاحم إلى البنفسجي الباهت، وبخاصة عندما ينعكس عليه الضوء، فتتعرف بنفسك على اشتقاقات ألوان قوس قزح. أما مائدته فهي التي تفيض عن غيرها من الموائد “كافياراً وقريدساً وبلاك ليبلاً”.

وفي مرة من المرات كنت في السوق أشتري غرضاً للبيت فرأيت صدفة مجموعة من العصاميين الجدد. كانوا متناثرين هنا وهناك، يدخلون أرقى المحال، فيشترون ما طاب لهم من الشراءات، ويدفعون بسخاء مبالغ لا ترى مثلها إلا في المسلسلات الخليجية، ما يدلك على مدى تعبهم في جمع أموالهم. لكنك في الوقت نفسه ترى فرقاً هائلاً بين ما يشترون مثلاً لأنفسهم من ألبسة وبين ما يشتريه أولادهم، ما يدلك على حداثة نعمة الوالد من قباحة ما يشتري لنفسه، وبين ما ينتقيه أولادهم لأنفسهم، الذين تربوا على نعمة العيش، حيث يشترون الأناقة نفسها من أجمل ما صنعته بيوتات الموضة. وبالصدفة، التقيت بأحد هؤلاء الأشخاص أثناء زيارتنا لصديق مشترك. ومنذ اللحظات الأولى للقائنا استشعرت بمدى عصامية هذا الشخص. نعم إن لهؤلاء الأشخاص طابعاً لا يصعب كثيراً تمييزه. لقد ذهب بنا الحديث في قضايا شتى، فتراه يتكلم عن السياسة وكأنه صانعها، وعن الاقتصاد وكأنه رئيس البنك الدولي، وعن الرياضة وكأنه مدرب لفريق مشهور. “مسبّع الكارات” كما يقال، وكأن المال الذي يملكه يصبح جواز سفر للخوض في أي حديث يشتهيه. راح بنا الكلام ليحدثنا بعيون دامعة عن حياته البائسة التي عاشها في طفولته وفي شبابه. قال وهو يقرقر في ماء نرجيلته: “والله يا شباب كنت روح ع المدرسة حافي، كنت أمشي كل يوم شي خمس كيلومترات لوصّل ع المدرسة، لأنّو أبي الله يرحمه ما كان عنده مصاري ليشتريلي كنْدرة”. يتابع قوله: “الحمد لله، هلق صار معي مصاري بتطمرني طمر، وماعدت بحاجة مخلوق”. قلت له مستفسراً: “الله يخليك، لا تواخزني على سؤالي غير الاستنكاري، دخلك شلون صار معك كل هالمصاري؟، شو اشتغلت بالبزنس مثلاً؟”. قال لي بعد أن ابتسم ابتسامة زعفرانية اللون:” ليش أنا عندي وقت للبزنس ياحسرتي؟، الله وكيلك ما بعرف ليلي من نهاري، كل يوم بالمكتب من الصبح للمسا، دوبي تابع الموظفين، من المديرية للمرآب، ومن المستودعات للجان الشراء، شي بيهدْ البدن هد، الله وكيلك ولادي وعيلتي إلي شهرين ما شفتن”. أنهى العصامي، صديق صديقي، سرد قصته المأساوية على عجل، خوفاً من دخولي في تفاصيل لا معنى لها، بالرغم من إبداء تعاطفي الشديد مع قضية عائلته، وعدم رؤيته لها منذ شهرين، فدعوت الله له أن يجمعه بزوجته وأولاده بأسرع وقت، اللهم آمين.

وذات مرة زارني أحد الأساتذة “اللوردات” في مكتبي. كان شخصاً عصامياً استثنائيا، يرتدي بزة سوداء من تصميم “ماسيمو دوتي”، ومن تحتها ارتدى قميصاً أبيضاً، شفّ لون جسمه الأسمر المكتنز شعراً، مع حذاء لمّاع عسلي اللون، إيطالي الصنع، من ماركة “ريد شوز”. أما رائحة عطره فكانت “لاكوست”، عرفتها بعد أن شممتها من على يدي، بعد أن صافحته. حدثني ذلك الأستاذ الزميل عن معاناته في التدريس، وعن صعوبة البحث العلمي، وكأنني لا أعرف عن هذين الموضوعين شيئاً. ثم أتبع حديثه برفع يديه عالياً للسماء قائلاً: يا رب، لولا أن وفقتني في حياتي هذه لكنت من الهالكين. ثم تابع سرد قصة حياته، وعن زواجه من إحدى صبايا ضيعته، التي ورثت بالصدفة ما يقرب المليون دولار عن جدها الذي عاش في اسبانيا أيام الدكتاتور فرانكو، والذي استشهد أثناء تدافع بين جماهير المشجعين كان قد جرى بعد انتهاء مباراة كرة قدم بين فريقي اشبيلية وفالنسيا. دمعت عيناي تأثراً من طريقة استشهاده، واعتبرت ذلك الجد الشهيد أيقونة، كوني مشجعاً كروياً فوق العادة لفرق الدوري الاسباني.

وفي يوم من الأيام صادفت في اجتماع تعزية أحد الذكور العصاميين. تحدث ذلك العصامي عن مناقب المرحوم بكلمتين صغيرتين، ثم تابع حديثه إلى جموع المعزّين ذاكراً فيه مدى القهر الذي عانى منه في هذه الحياة، وعن طفولته المشردة، إلى أن أصبح تاجراً مرموقاً، له سمعته العطرة في محافل التجارة الداخلية وحماية المستهلك بعد أن كان موظفاً بسيطاً من الفئة الثالثة يعمل في ديوان أحد الموانئ، يؤرشف البيانات الجمركية لبضائع تجار البحر. أما الحاضرون فكانوا تارة يبكون على المرحوم، وتارة أخرى يعضون على الشفاه تعاطفاً مع قصة ذلك العصامي، مبدين له كامل الاحترام والتقدير، الممزوج بهز الرأس مع كل كلمة يقولها، تأييداً وتأكيداً.

وفي صلاة العيد شاهدت عصامياً وقوراً. كان يحب الله حباً جماً إلى درجة لا تملك نفسك معها إلا أن تبكي من خشية ترغيبه وترهيبه. والغريب في الأمر أنني كنت أعرف هذا الشخص منذ أيام الدراسة الابتدائية تمام المعرفة، فلقد كان مشهوراً لدى جموع المعلمين والتلاميذ، ليس باجتهاده، وإنما بشدة غبائه. لم يحالف ذلك العصامي النجاح في الصف الخامس الابتدائي مرتين متتابعتين، وبعد فشله في أخذ شهادة “السرتفيكا” ترك المدرسة بلا رجعة، وراح أبوه بائع الزيت المغشوش في حي الأرماني يقوم بحلق ذقن هذا الابن كل يوم إلى أن اخشوشنت وملأت خديه، ثم تحول خريج الصف الرابع الابتدائي بقدرة قادر من لباس الأولاد الأبرياء إلى لباس حجاج بيت الله، فانتقل بالبركة، وبحبه لأولياء الله، وبمساعدة أبيه في غش الزيت، من حالة الغباء التي اشتهر بها إلى حالة فريدة من العصامية. غادر الحارة في غفلة من الزمان، ثم عاد إليها بعد أن اخشوشنت ذقنه كثيراً حتى وصلت إلى سرته. عاد ذلك العصامي ناصحاً أميناً للناس. تراه يرفع رأسه بين الفينة والأخرى داعياً الله بحرقة إلى أن يخرج الزبد من فمه، وقار وخشوع ما بعده وقار وخشوع. أحبه المريدون لشدة حبه لله، ولعظيم ورعه، ولفعالية حجاباته في القضاء على السرطان، وفي إنجاب التوائم الذكور، والتخفيف من قهر الحموات، فأخذ يتلقى الهدايا والهبات والتبرعات من كل حدب وصوب، من تابعيه ومن مريديه، طالبين منه الدعاء لهم بالتوفيق والانتفاع من بركاته. وهكذا، إلى أن أصبح بفضل الله أحد العصاميين المنتجبين.

شواهد كثيرة على انتشار أمثال هؤلاء العصاميين، الذين رفعوا بجدهم واجتهادهم سقف مطالب الناس، وبخاصة مطالب زوجات الموظفين وصغار الكسبة. فتكاد تسمع في كل بناء من أبنية المدينة محادثات بينية، غالباً ما تتحول إلى شجار بين الرجال وزوجاتهم، من دون الحاجة لعمليات تنصت: “لك إيمتى بدك تصير زلمة؟، روح شوف جارنا أبو ثائر، تعى شوف ابن خالتي سعيد، شوف ابن عمتي فداء، شوف بياع الشحاطات أبو حمدي، شوف وشوف وشوف، كلهن عصاميين اعتمدوا على حالهن، وشوي شوي صار معهن مصاري ما بتاكلها النيران، وأنت لسّاتك حوبة عايش على معاشك. وعلى فكرة كلهن مثلك، موظفين معترين، لا أزود منك، ولا أنقص منك، بس شوف كيف الله عطاهم بعدما اجتهدوا وتعبوا، اشتغلوا بالليل وبالنهار، لحد الله ما فتح عليهم”.

وعليه، لا يملك أحد بعد أن يسمع مثل هذه المواويل الاستعراضية إلا أن يسأل نفسه، متى يمكن لراتبي مثلاً أن يتكاثر بمتوالية ضوئية فيجعلني عصامياً مثلهم؟، لقد حسبت مقدار راتبي الشهري، ثم أضفت له على طريقة “الشلف” راتباً آخر كمكافآت وتعويضات، ثم ضربت الرقم الناتج وجمعته لعدة سنوات، فتبين لي أن أدنى درجات العصامية تبدأ بعد 50 سنة من العمل المتواصل، من دون أن يُصرف منه قرش واحد.

رحمك الله يا أبي، لماذا حدثتني عن المهندس عصام؟، ليتك حدثتني عن قصص أقرب إلى الواقع، منها إلى الخيال. ليتك عرفتني بهؤلاء العصاميين الجدد!!، ربما كان ذلك أجدى أن نتعلم على أيديهم فنون الحياة. الله الله، ما أعظم إدارتهم لرواتبهم، ولمكافآتهم، ولتعويضاتهم..الله عليهم، كيف كانوا يكاثرون أموالهم بجدهم واجتهادهم، آناء الليل وأطراف النهار.

وأخيراً لنا ولكم جميعا في هذه الأيام الفضيلةً دعاء تيسير الحال: اللهم لا تجعلني واحد حوبة، اللهم اجعلني عصامياً مثل أبو ثائر، ومثل سعيد، ومثل فداء، ومثل أبو حمدي بياع الشحاطات”، اللهم عرفني بإدارة راتبي وتعويضاتي ومكافآتي، وكاثرها لي آناء الليل وأطراف النهار، اللهم آمين.

 

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق