إضاءاتالعناوين الرئيسية

“عرّيف الصف” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

 

كثيراً ما تعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة، تشدني بلهفة إلى حارتي في منطقة عين الكرش، أحن إلى أصدقائي، إلى مدرستي الابتدائية، إلى رائحة الحارات الموصلة إليها، إلى سوق ساروجة، إلى فرن الخبز المشروح عند جوزة الحدباء.

أتذكر طفولتي هذه بشوق كبير، حيث ما زالت صورها وقصصها عالقة في حنايا قلبي. أتذكر بشوق بالغ عربة أبي ماجد بائع “الفول النابت” عند أول النزول الموصل إلى السوق العتيق وحمام الأرماني، وكيف كنت أتحين الفرصة للخروج مبكراً من البيت مع بدء نغمة “مرحباً يا صباح” من أثير إذاعة دمشق، وقبل أن تبدأ فيروز بشدوها العذب، فتراني ألبس على عجل “صدرية” المدرسة ذات اللون “الخاكي” والياقة البيضاء، ثم أنسلُّ مسرعاً قبل نصف ساعة تقريباً من رنين جرس المدرسة، مقتصداً في كل ثانية من الزمن، وموفراً إياها للاستمتاع بصحبة رفيقيّ عدنان ومنذر. كنا نتوقف كل يوم لنأكل من الفول الساخن الشهي، ونترنم بصوت أبي ماجد وهو ينادي جموع تلاميذ المدرسة كل صباح إلى تذوق فوله، منشداً طقطوقة خفيفة الظل بلحن شجيّ وهو يقول: “نابت نبات، بنّي ومكحّل هل نّبات، خلّف صبيان وبنات”. لن أنسى ما حييت شكل ابتسامته المتعبة، والتي تبرز من خلالها شفتاه زرقاوين من شدة البرد، تقبضان على طرف سيجارته “اللف” ذات النوع الرديء، المبللة إما بلعابه أو ببخار “مرقة” الفول الساخن. أما ضحكته الواسعة فكانت تكشف عن حطام ثلاثة أسنان قرمزية، لم تزل باقية في فمه.

كم كان أبو ماجد كريماً، كان يقدَم أشهى “زبدية فول نابت” في الدنيا، متخمة بحبات الفول “الفحلة”، وبسعر مخفض جداً للتلاميذ، مقداره خمسة عشر قرشاً لا غير، طبعاً فإن تقديم “مرقة الفول” بالليمون الطبيعي كان وبحسب العرف “على البيعة”. ثم كنا بعد ذلك ننطلق مسرعين قبل أن تغلق المدرسة أبوابها، إلى أن يرنّ الجرس إيذاناً ببدء تجريع العلوم.

ما زلت أتذكرك يا مقعدي الحبيب، رائحتك بقيت عالقة في أنفي، معطرة بشذى كتابات أقلام الرصاص، وفتائل المماحي. لن أنسى خشبك المهترئ لحظة جلوسي عليك وكأنني تركتك البارحة.

أتذكر وبشوق كبير رفاق صفي، موجّه المدرسة الأستاذ كف الغزال، منظر الباحة الصغيرة، ورائحة أوراق شجر النارنج، معلمينا القساة الجبارين المهابين، نشيد حماة الديار، لحن قسماً بالخافقات الماحقات، أهازيج عيد الأم، فرحة التلاميذ بصوت جرس الانصراف، نقر “مزاريب” المطر في الحواري، كل شيء ما يزال متسمّراً في وجداني وكأني أعيشه اللحظة.

أذكر أنه ذات يوم تغيب معلمنا، الأستاذ حجازي، عن الصف لسبب لم نكن نعرفه، وما أدراك بالجنود حين يتغيب قائدهم، هرج ومرج. حينها استدرك مدير المدرسة الأستاذ حبش الأمر، الذي كان معروفاً بشدته وبصرامته، فاتخذ على الفور إجراءً إدارياً كلّف فيه العريف بإدارة الشؤون الداخلية للصف إلى حين انتهاء الدوام.

كان تكليف ذلك العريف مشرفاً علينا بمثابة الصاعقة التي نزلت على رأسي، فلقد كان بيني وبين ذلك التلميذ – لسوء الحظ- صراع حضارات يصعب شرحه في هذه العجالة. أما سبب هذا الصراع فقد كان بكل بساطة قصة منافسة على حفظ جدول الضرب، اكتشفت لاحقاً أن تلك المنافسة لم تكن شريفة أبداً، فقد كانت سرعتي كبيرة في إجابة الأستاذ حجازي عن أسئلة جدول الضرب أثناء حصة الرياضيات. ولا أدعي هنا التفاخر في هذا المجال أبداً، لأن الفضل كله في حفظي للجدول المذكور لم يكن مردّه عدد “الرامات” الموجودة في رأسي، بل إن الأمر برمّته كان يعود إلى عشق والدي “رحمه الله” لعلم الحساب، ولاعتقاده أن حفظ وفهم جدول الضرب هو أحد مقاييس الذكاء عند الأطفال. لقد كان أبي، أبو مازن، يستعمل مع جميع أولاده، وأحياناً مع زملاء أولاده، وحتى مع أولاد الجيران، طريقة “غوانتنامية” لتحفيظ جدول الضرب، وهي أن يضع عند بدء عملية التحفيظ قلم رصاص بين أصابع الولد المستهدف، ثم يقبض عليها بهدوء، وبمعظم كفه، ثم يبدأ بعد ذلك بالسؤال قائلاً مثلاً: سبعة في تسعة؟، وفجأة، وقبل أن يبدأ الرأس في عملية الحساب، ومن دون أن ينتظر أي إجابة، صحيحة كانت أم خاطئة، يضغط بشدة على الأصابع المتشابكة مع قلم الرصاص، فيشهق التلميذ المسؤول من شدة الألم. والمضحك في الموضوع هو أنه حتى لو رددت بالنتيجة مسرعاً: ثلاثة وستون، فإن سمع أبي مازن لم يكن ليسعفه بمعرفة الإجابة، الأمر الذي جعلني، وجعل جميع من حولي من أخوة وأقارب وأصدقاء وجيران، يحفظون جدول الضرب اللعين في فترة قياسية، وعن “ظهر غيب”.

لقد كنت متأكداً بعد تفوقي في جدول الضرب أن ذلك العريف المكلّف، المنتشي بمنصبه الجديد، سينتظر أي لحظة مناسبة ليقتصّ مني شخصياً، لذلك فإنه ولمجرد أن تسلّم مقاليد الأمور في الصف تحول بقدرة قادر إلى “منفاخ متكبر”، فبدأ يتوعدنا جميعاً، نحن رفاق صفه، بصنوف العقوبات.

وعلى الفور،هددني حضرة العريف بأنه سيأخذ اسمي “المعجّز” جداً جداً إلى السيد المدير الأستاذ حبش إن لم أذعن إلى جميع أوامره التي سيطلبها مني تباعاً، أو أن يبقيني خلاف ذلك حبيس الصف، مكتوف اليدين، مغلق الفم حتى انتهاء آخر الحصص التدريسية، بالرغم من قناعته الداخلية بأنه كان أضعف من أن يملي عليّ ما أفعل، أو ما لا أفعل. إلا أنني لا أبرئ نفسي أيضاً في هذا المقام من رغبتي الجامحة في عصيان أوامره وإفشال غاياته، وعدم الرضا نهائياً عن قرار تعيينه عريفاً للصف.

وهكذا، وعند أول مناسبة سنحت لذلك العريف المنصّب، وكما هو متوقع، أرسل اسمي في ورقة سرية إلى السيد المدير الأستاذ حبش. وأحلف بالله أنني – إلى الآن- لا أعرف السبب في ذلك، فماذا قد تقوّل عليّ “سامحه الله” من محرمّات الأعمال، وماذا نسب إلي من شائن الأفعال، أعود وأحلف بالله أني لا أعرف. وعبر مكبر الصوت من إذاعة المدرسة يستدعيني حضرة المدير إلى الباحة، ثم ينهرني بصوت عال لعدم تكرار فعلتي الشنيعة التي لم أعرفها، ثمّ يكلف بدوره حضرة الموجه الأستاذ كف الغزال لمعاقبتي على تلك الفعلة، فيقوم الموجه بأخذي وضربي في باحة المدرسة ” فلقة من كعب الدست ” أمام جموع التلاميذ، الأصدقاء منهم، ومن غير الأصدقاء. صرت أسأل نفسي حينها، وأنا أبكي بحرقة من الألم، ماذا كان ذنبي يا ترى؟، هل كان السبب مجرد وشاية من “عريف فسّاد”؟، أم إن هناك سبباً آخر لا أعرفه؟

لقد كان حزني كبيراً من السيدين حبش وكف الغزال، حيث لم تشفع لي سمعتي العطرة لديهما في حفظ جدول الضرب في استبدال “الفلقة” بغيرها من جدول العقوبات المدرجة على لوائح المدرسة، الأقل إيلاماً.

عدت إلى المنزل مكلوماً، دامع العينين، مهيض الجناح، مجروح القلب، حزيناً من غدر رفيق الصف، ليستقبلني والدي أبو مازن عند الباب ضاحكاً، مرحباً بقدومي، دون أي اكتراث لحالتي النفسية المحطمة، حاملاً قلم رصاص بني اللون، استعداداً لتلقيني وتحفيظي أبيات أمير الشعراء: قُم ناجِ جِلَّقَ وَاِنشُد رَسمَ مَن بانوا.. مَشَت عَلى الرَسمِ أَحداثٌ وَأَزمانُ.. إلى آخر تلك الأبيات.

انقضى بعد هذه الحادثة نحو عشرين عاماً من الزمن، أكملت خلالها دراستي الجامعية، ثم أوفدت من قبل جامعة دمشق إلى جامعة أجنبية خارج سورية لتحضير درجة الدكتوراه، عدت بعدها إلى حضن الوطن ظافراً بتلك الشهادة، بعد أن عشت مغترباً لأكثر من خمس سنوات، تعلمت خلالها جدول عدم الضرب لدى من كانت قبضاتهم أشد وأقسى من قبضة أبي “رحمه الله”، وحتى من ثخانة عصا الأستاذ كف الغزال.

وفي المطار، رمقني أحد الموجودين في صالة الاستقبال بابتسامة صفراء، ثم اقترب مني يهمس في أذني بكل سخرية قائلاً: يا أهلاً، ويا سهلاً بك على أرض الوطن.

لم أكن أعرف ذلك الرجل من قبل قط، ولم يسبق لي أن التقيت به في مكان ما، لكن شعوراً غريباً انتابني لحظة رؤيته، فقد تخيلته وكأنه ذلك العريف، عريف الصف الفسّاد. وفجأة عادت بي الذاكرة إلى الوراء سنوات وسنوات لتستعيد صورة ذلك الشخص الحقود، عريف الصف. تخيلته يقول لي شامتاً، ومستهزئاً بي، أن المدير الأستاذ حبش يقرئك السلام، ويحمد الله على سلامتك، ويطلب منك أن تكتف يديك فوراً. كذلك هيئ لي وكأن أحد الأشخاص هو الأستاذ “كف الغزال” يقف بانتظاري عند بوابة الخروج، مستعداً بعصاه الثخينة المصنوعة من خشب الزان لأن “ينقرني فلقة” أمام جميع الحاضرين في قاعة الاستقبال، احتفالاً بعودتي.

ركبت السيارة عائداً إلى بيت أهلي، إلى مسقط رأسي في منطقة عين الكرش. كنت فرحاً مستبشراً، بالرغم من غيظي وانزعاجي من تخيلاتي عندما رأيت ذلك العريف الجديد القديم، والذي ما زالت صورته القبيحة تظهره منتشياً بالأوامر العقابية للأستاذ حبش، وبصوت عصا الأستاذ كف الغزال التي تجلد الأقدام، بالرغم من عديد السنوات التي مرت على آخر مرة رأينا فيها بعضنا. لم أشأ في تلك اللحظة أن أعكر مزاجي الفائض بالغبطة والسرور، والمستمتع برؤية الأهل والأصدقاء، وباستنشاق نسيم الوطن. كما أن تلك الرغبة الجامحة التي كانت تعتريني أيام المدرسة في عصيان أوامر ذلك العريف لم تعد موجودة أبداً. لكن وبالرغم من ذلك، حاولت عبر نافذة السيارة البحث عن الأستاذ حجازي بين الجموع المحتشدة خارج المطار، لأخبره فقط أنني بفضله، وبفضل جميع أساتذتي حصلت على الشهادة العليا، علَه يستطيع كبح جماح أمثال ذلك العريف بعد أن يعرف خفايا قصتي الحزينة، أو أن يدرأ شيئاً من العقوبات العنيفة للأستاذ حبش، أو أن يخفف قليلاً عن المتميزين من حفظة جدول الضرب قسوة ضربات عصا الأستاذ كف الغزال. لكنني، مع الأسف، كنت متيقناً أنني لن أرى أبداً الأستاذ حجازي ضمن جموع هؤلاء الناس، فقد عرفت صدفة أثناء وجودي في الغربة أنه قد فارق الحياة.

وقبل وصولي إلى حارتنا بدقائق نظرت إلى نفسي منعكس الصورة على زجاج نافذة السيارة مكتوف اليدين، وكأن روح الأستاذ حجازي تحوم حولي، فما كان مني إلا أن تمتمت بالسلام عليه، واعداً إياه وعد المحبين لأبي ماجد بائع الفول، والمتعطرين بشذى زهر شجرة النارنج في حديقة بنائنا، والمتنشقين لرائحة الخبز المشروح الشهي المنتشرة عند جوزة الحدباء، بأنني سأقوم بتحفيظ أبنائي وأحفادي جدول الضرب، وشعر أحمد شوقي ما حييت، وما زلت عند وعدي هذا حتى كتابة هذه الكلمات.

 

*أديب وكاتب- وزير التعليم السابق- سورية

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق