إضاءاتالعناوين الرئيسية

عبقرية الفكرة في المسرح الرحباني.. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط

.

بمعاينة نماذج من المسرح الغنائي العربي منذ بدايات الفرن العشرين وحتى اليوم، نلاحظ أن أفكار ومواضيع المسرحيات الغنائية (أوبريتات)، هي إما منقولة عن عمل أجنبي، أو أنها بالغة البساطة وتفتقر إلى الفكرة التي تشد ذهن المُشاهد ليتابع الأحداث بشغف. فأعمال سيد درويش، ومن بعده عبد الوهاب مثلاً، كانت مبنية على أفكار بسيطة جداً ومواضيع غير ذات أهمية للمجتمع أو للإنسانية بشكل عام.

منذ الستينات، كان المسرح الغنائي في لبنان نشطاً، إن كان في المهرجانات أو في عروض خاصة، برز فيها خطان رئيسيان هما الرحباني مع فيروز، وروميو لحود مع صباح، شاركت صباح الرحابنة في عمل غنائي طويل هو دواليب الهوا“.

وكانت المحاولات الأخرى ذات مضمون مقبول أحياناً ولكنها غالباً كانت مترجمة، وتُضَمِّن العمل بعض الأغنيات والاستعراضات بدون حوار مًلَحَّن، مثل مسرحية بنت الجبللسلوى القطريب وأنطوان كرباج المستوحاة من مسرحية سيدتي الجميلةالمبنية أصلاً على نص برنارد شو.

امتاز المسرح الغنائي الرحباني بأفكار عبقرية لكل عمل، بالإضافة إلى تحميلها أبعاداً إنسانية أخرى، لكن الفكرة تبقى هي أساس العمل، فإن وُجِدَت الفكرة كانت صياغة السيناريو والأحداث أمراً  ثانوياً إذا ما قارناه بفكرة العمل. يرأيي الخاص، كانت مسرحيتا المحطةولولومبنيتين على أفكار فاجأت المشاهد لغرابتها وعبقريتها.

بُنيت مسرحية المحطة على كذبة، أو ادعاء، من قِبل سيدة غريبة تزور القرية وتزعم انتظار القطار بالرغم من عدم وجود محطة قطارات، يتم بناء المحطة بناء على زعمها، وفي نهاية العمل يدخل القطار بشكل مفاجئ. يُصاغ الهدف من المسرحية بأغنية النهاية التي تقول: (إيماني ساطع)، للتدليل على أن الحياة هي إصرار وإيمان بفكرة إن وُجدا ستتحقق الفكرة بالتأكيد.

أما مسرحية لولوفبُنيَت على فكرة إعلان خريجة السجن بعد 15 سنة في الحبس ثبت بعدها أنها بريئة، لتعلن أنها قد دفعت سلفاً ثمن جريمة لم ترتكبها، وأنها ستقتل شخصاً مقابل مدة محكوميتها. وكما في المحطة، يتم إعلان الهدف من الفكرة على لسان لولو/فيروز: (العدالة كرتون …) في تعرية واضحة للمجتمع وكشف عن خفايا النفوس في الواقع الذي يعيشه الإنسان وهو يتكلف إظهار ذاته بصورة تخالف حقيقته.

أما فكرة مسرحية بياع الخواتمالتي تحولت إلى فيلم سينمائي لاحقاً، فتقوم على فضح كذبة مختار الضيعة الذي يوهم أهلها بوجود مجرم يهدد أمن وسلامة الضيعة في إشارة واضحة إلى الحكومات التي تختلق أحداثا خيالية لتبرير استمرارها. بينما بكانت فكرة مسرحية يعيش يعيشتسخر من عملية تداول الحكم من قبل الجماعات ذاتها حيث يعود الامبراطور المخلوع لحكم البلاد بعد قيادته لانقلاب جمهوري.

في مسرحية صح النوم، تتسلل قرنفلإلى قصر الوالي وتختم كل معاملات الناس لأن الوالي يختم ثلاث معاملات شهرياً فقط ثم ترمي الختم في البئر، ثم تعرض نفسها للخطر بنزولها للبئر لاستعادته لكي يتمكن الوالي من الحكم عليها، لتختم المسرحية بأغنية تمجد محبة الغير تقول: (رميت السعادة للناس زهّرت بإيدي).

كل ما تبقى من أعمال مسرحية رحبانية قائم على أفكار رائعة وجذابة، لست في صدد استعراضها جميعاً هنا، وإنما لبيان أن هذا المسرح الفذ الذي يعتبر مدرسة أخلاقية رائعة لم يتعرض لسفاسف الأمور أو توافه الفكر لصياغة مضامينه، بل كان مبتكراً وخلاقاً فقدم أعمالاً تصلح أن تكون منارات أخلاقية إن تم تدريسها في المدارس لأعددنا شعباً طيب الأعراق والسمات والأخلاق.
.


*(مراد داغوم
.. مؤلف وموزع وناقد موسيقيسوريا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى