العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

عباس ثائر: لستُ معنياً بالأضواء ولم أذهب إلى الشعر، بل من تلقاء نفسه اختار ثيابه وزيّن وجوده وطرق بابي

حين أكتب لا أرى سواي ولا أسمع غير صوت أعماقي، وما سيبقى هو الأدب المفكر

|| Midline-news || – الوسط …

حوار: روعة يونس

كيف يبرز الشاعر إذا كان ينتمي إلى بلد لغة أهله الشعر؟ -والبروز هنا لا يعني الشهرة بل الفكرة- كيف يمرر أفكاره ومشروعه الشعري- الثقافي إلاّ إذا خلق أبجدية حديثة. تُعنى بالناس، بحيواتهم وتفاصيل يومياتهم وآلامهم وآمالهم، مبتعداً عن الذاتي والمكرور، مؤكداً أن مشروعه الشخصي: الناس. معلناً بإنسانية دافئة عبر شعره (أنا مشروعي أنتم).
هذا ليس تقديماً للحوار مع ابن الفرات ودجلة، الشاعر العراقي المجدد عباس ثائر. أعلاه بعض حقيقته. أما الكثير من حقيقته يكشفها الحوار معه.
مع شاعر شاب، ترى صحافية مخضرمة، أنه حوار عن ألف. كون شاعرنا؛ حديث وجديد -أيضاً- حتى في الإجابات والآراء. عباس ثائر، شاعر جميل بصدقه ووضوحه وتجربته وثقافته ووعيه ونضجه المبكر. ليس فقط لأنه -رغم صغر سنه- حاز على جائزة مسابقة “اتحاد الأدباء والكتاب في العراق” عن فئة الشعر، وبذا طُبعت مجموعته الأولى “ولله أفكار أخرى” ومُنح عضوية الاتحاد. بل لأنه حقيقي في زمن زيف الأوكسجين وانتشار فقاعاته الخلبية..

حوار “الوسط” مع شاعرنا المبدع، يكشف انه إن كان “لله أفكار أخرى” فإنه أيضاً “لعباس ثائر أفكار أخرى”!
.

“عنوان شامل”
إن كانت الرسائل تُقرأ من عناوينها، فحري بنا قراءة كتابك- مجموعتك الشعرية؛ من عنوانه «ولله أفكار أخرى». فما سبب العنوان؟ وما سبّبه -ربما- من إشكالية، في بيئة ثقافية شرقية ليس أكثر من التابو والمحاذير لديها؟

اعتادت الكتب الشعرية أن تكون عناوينها الرئيسية إما جملة في نص ما من داخل الكتاب ذاته، وإما أن يكون عنوان نص ما عنوانًا للكتاب نفسه، وقلّما نجد مجموعات شعرية تخلو نصوصها بشكل مباشرة من دلالة واحالة واضحة على عناوينها. العنوان الذي اخترته لكتابي يدل على فحوى وروح النصوص بشكل غير معلن، ولا تتضح للقارئ هذه الدلالة إلاّ بعد أن ينتهي من الكتاب، وسيخلص برؤية: إن العنوان قد شمل -صدقًا- جميع النصوص التي ضمها الكتاب.
أما السبب من وراء هذه التسمية؛ وإذا ما كانت هناك إشكالية في بيئة ثقافية شرقية أم لا؟ فبالتأكيد هناك مشكلات كثيرة! فمجتمعاتنا مازالت حتى اللحظة تعاني من التناقضات والصراعات الداخلية الخارجية الثقافية والنفسية في آن واحد: المرء مع نفسه من جهة، والمرء مع المجتمع ومحيطه من جهة أخرى، كذلك صراع المجتمع مع نفسه في الداخل ومن الداخل، وصراع المجتمع مع الخارج وفي الخارج. هذه الإشكالات وحدها تمنح الكاتب الحيرة الكافية لأن يضيع بين نصه ونفسه وبين الواقع والخيال والحلم واليقظة.

«تسحبنا بقوة لحلكة أشد من الأولى-هكذا يرتطم الإنسان بالحياة»، وهكذا اخترت بداية كتابك. لا أدري إن كان القصد: تنبيه لما قد يقرأ القارئ من نصوص متشحة بالسواد؟ مع ملاحظة أن هذا ليس اتهاماً لنصوصك، بل اعتراف بلون معظم واقعنا، حين يجتمع مع الحرب والشهداء والأشلاء والفقد والحزن والألم والفراق، وتطرق أسئلته الوجودية جدران الكون دون إجابات شافية سوى: إنها الحياة؟

قبل أنّ أُجيب على السؤال، سأمر على ذكرِ قولين -رأيتهما ينتصران للأدب السوداوي وإن لم يصرحا- كنتُ قد قرأتهما من وقت ليس بالبعيد، الأول للناقد الأمريكي توم بيسيل: «الكاتب العظيم يصرّح بالحقيقة حتى إن كان لا يرغب بذلك» والقول الآخر لأناييس نين الكاتبة والشاعرة الأمريكية: «دور الكاتب ليس قول ما يمكننا قوله جميعًا، بل ما لسنا قادرين على قوله».
أمّا أنا فلا أعتبر السوداوية اتهامًا أبدًا، فقد كان كافكا و إدغار ألن بو، وفيرجينيا وولف، وساراماغوا وغيرهما من كتاب السوداوية والرعب والفزع، لا يكاد يخلو نص من نصوصهم من الشحنات الفكرية الفلسفية والرسائل المعرفية والروحية، وقد كانت الظلمة وما تأتي به من خوف وهلع هي مفتاح النص الناجع لديهما.
والحقيقة الحاقة هي عندما أكتب شيئًا ما، لا أرى أحدًا سواي! أقف قبالة القصيدة وتقف قبالي، صحيح أنّي أعير اهتمامًا لبعض الأمور الفنية التي لا تدخل ضمن نظرية نقدية بعينها، وإنما تأخذ ضوابطها من ذاتها وتلزم نفسها بها، وهذه الضوابط، ليست تبشيرية، ولا يهمها أن يتأسى غيري بها، فهي ليست أسوة لأحد وما قصدتُ أنّ تكون؛ لأني لا أنحاز وأصطف إلى الوعظ الأدبي وحتى إلى الوعظ الديني، فقد كانت قصيدة «ولادة الإنسان على ذمة الشعر» هي الباب الأول لفهم فكرة الكاتب ورؤاه ومفهوم الكتاب ومحتواه عن طريق التلميح لا التصريح، و أدعي أنّي فككت شيئًا مخفيًا في فكرة الولادة -ضمن بيئة ما- التي هي الموت بمعناها الآخر، فهي إزاحة الإنسان من ظلمة رحيمة إلى ظلمة قاسية، ومفترسة. ربما فعلًا -كما ورد في سؤالك- انّي نبهت القارئ في هذه القصيدة وهي الأولى لأني أرى أنه في بعض الظلام رحمة، وأن السواد في النصوص الدالة على حقائق ضائعة حسنة ضاربة في جدران الوجود بعض من الأسئلة علّها تكشف كنزًا مخفيًا وراء جدار ما، وأنّ قصائدي الأخرى لا تخلو من كلّ هذا أيضًا. لكن، حقًا لم يكن اختياري لها عن قصد لتكون القصيدة الفاتحة، بل كان الاختيار عفويًا. وما ورد في الشق الثاني من سؤلك انّي أطرق الأسئلة الوجودية والتي لا تنسى المرور بالواقع لكني أتركها بلا إجابات شافية سوى القول: إنها الحياة. أقول ببساطة: إنّ الشعر لا يجب على الأسئلة بل يطرح الأسئلة، لا شغل له مع تشريح جسد النص بمشرط الإجابات.


“تلاقح الأدب والفكر”

يشير بطل أحد نصوصك إلى حبيبته، بضرورة أن «نفقه ما يراه المنطق و تلوكه الفلسفة، لنعرف أنّ ما تضمره الأيام تفضحه التجربة» وقد خيّل إلي إنما هي نصيحتك أنت للقارئ؟

كما بينت سابقاً: إنني لا أنزوي أو أميل إلى الوعظ الأدبي ولا إلى الوعظ الديني، بل والفلسفي حتى وأراه -أي الوعظ- ليس من شأن الكاتب. أنا أنقبُ فقط والقارئ يحلل وليأخذ ما يشاء ولينبذ ما يشاء، فإما أن يكفر وإما أن يؤمن. فأنا أرى ما يراه ميخائيل نعيمة: «لكلّ قارئ مقايس عديدة يقيس بها الشعر والشعراء لست لأخذها منه ولا لأبدّلها بمقايسي، فما أنا إلّا عارض عليه ما عندي، فلينبذه إذا شاء، أو ليقبله إذا شاء». و يقع هذا ضمن «دمقرطة» الفن أو الأدب وتدريب القارئ على أن يكون حرًا فيما يراه صحيحًا أو خطأ. وإن كانت هناك بعض الأمور التي أعتقد انّها الشعرة الرفيعة الفاصلة بين الجيد والرديء، وأقول الشعرة لأن الأشياء أصبحت متقاربة ومتشابهة فيما بينها لحد ما، لا سيما أننا نعيش زمانًا يصعب على المرء التمييز أو التفريق بين الجيد والسيء والصالح والطالح، وأن الغربال صار لا يمسك شيئًا. قلتُ لنفسي وللقارئ وبالأحرى هي صرخة بوجه الوجود: إنّ التجارب تفوق الحكم، وإن الإنسان ابن تجربته الذاتية الخاصة وليس نسخة عن غيره، وإن المنطق والفلسفة هما طريقان صالحان مع التجربة الذاتية والروحية الخاصة، لِأن يضعانه وفق طريقهما ليسير بهدوء، وما أظّنه إلّا واصلًا، لأن «ما تضمره الأيام ستفضحه التجربة».

كان لابد من السؤال السابق، لأقول: إن مجموعتك الشعرية؛ فلسفية الطرح، فكرية بامتياز، البطل فيها “الفكرة” وأنا لا أريد إحراج تواضعك، لكن هل نحن أمام شاعر أم مشروع مفكر وفيلسوف، يتساءل: ذريعة من حين يكون «التحليق عالياً حليف الغوص بالأعماق»؟

الفلسفة والفكر لا يفارقان الأدب لأن الكاتب بطبيعة الحال مفكر وإن لم يرمِ إلى ذلك؛ فالفكر جزء أصيل لا يتجزأ عن الشعر بشكل خاص وعن الأدب بشكل عام. لستُ مفكرًا ولا أراني كذلك ولا أسعى إلى ذلك، وإن أردت أنّ أصبح مفكرًا -وفق سؤلكِ- فعن طريق الشعر أو الأدب أو الفن، لا عن طريق الفكر والفلسفة وحدهما، أو خارج الأدب. القصيدة الحديثة قادرة الآن على أن تجمع الفكر والفلسفة والسرد والفن وغيرهما معاً في نص واحد. وربما من خلال ما قد كتب لحبيبة ما أو حبيب ما أو لقضية ما أو لمحة من يوميات شاعرة أو كاتبة، لكن التعامل مع النص جاء ذكيًا طيّع الأدوات الأدبية وليّن أو رطبّ الفكرة الفلسفية -اذا ما كانت جافة- فجعل من النص أدبًا فكريًا خالدًا غير مؤقت. وما يميز الشعر الآن بعد أن نفض عن ثيابه الغرضية أنه صار يشمل كل الأشياء في آن واحد. أنا شاعر أحملُ سلة فيها قصائد، في القصائد أسئلة ألقيها على من يتلقفها وأرحل دون أنّ أطالبه بثناء أو شكر. الفكر والفلسفة في الشعر هما السبب في ديمومة اغلب النصوص التي عرفناها -أعنى الخالدة-؛ لأن الإنسان يحتاج ويجوع إلى الفكر في كل عصر مثلما يحتاج ويجوع إلى الغذاء، لو فرضنا أن قصيدة ما كتبت في عصرنا هذا، وجاء عصر آخر، بطبيعة الحال ستصبح لغة النص قديمة بعض الشيء -كما لو تقرأ نصاً جاهليًا يتباهى شاعره بإعجاز كلماته- ماذا سيبقى من هذه القصيدة التي عبرت لزمان غير زمانها -بلغةٍ استهلكت واندثرت- سوى فكرها؟ ما الذي سيبقى غير الفكر؟ أرى أنّ ما سيبقى هو الأدب المفكر. ولا أعني أنّ يتنصل الكاتب عن كتابة تجربته الشخصية والروحية بل حتى يومياته وتفاصيل حياته الصغيرة، بل من الضروري العودة إلى النفس والذات مع شيء من الفكر الجميل.


“حداثي مجدد “

ثمة أنسنة في بعض نصوصك للجماد ولعناصر كونية، مثل (الهواء المنتفض وحديثه للراية المنكسرة- وبكاء السقف الغارق بدموعه- وفم الحرب الذي يبتلع كل ما هو طيب).. فهل القصد من الأنسنة: تحقيق بعد جمالي للغة، والإتيان بصور شعرية؟ أم أن الأمر منوط بكيفية خدمة فكرتك، سواء عبر الأنسنة أو دونها؟

لستُ مدركًا تمامًا لم أنسنتُ الأشياء، لكن في معظم كتاباتي الشعرية و لا أكون مبالغًا إنّ قلت كلّها، لا أحبذ القصد ولا أميل إلى الكتابة الآلية، عندما أخلد إلى نفسي أجدني لا أستطيع أن أكتب نصًا جميلًا بإرادتي، الشعر عندي -من تلقاء نفسه- وحده يختار ثيابه ويزين وجوده ويطرق بابي، لم أذهب إليه يومًا. الفكرة في النص وحدها من تخدم نفسها إن كانت عن طريق اللغة أو بخلط الفكرة بصور شعرية جديدة أو بشيء من الدهشة مع لغة واضحة غير متكلفة أو مصطنعة، بالطبع لا أقصد اللغة المباشرة، وأعتقد أنّ فئة كبيرة من الجمادات بإمكانها أنّ تكون حية، وحدها تؤنسن ذاتها بذاتها، بعد أنّ يضع الإنسان أو بعد أنّ وضع الإنسان حاجزًا دينيًا وقوميًا بينه وبين أخيه الإنسان صار من المؤكد أنسنة الجمادات.. وأن البعد الجمالي سيبقى في حدوده الدنيا بعدًا جماليًا ليس إلاّ، ربما تزيده وسامة اللغة شئيًا حسنًا لكنه لن يعمر الخراب الذي اكتنف دواخلنا، ولا الخراب الذي حل في العالم.

قارئ شعرك، سيقع على صيد ثمين من (الرؤى الشعرية، التكثيف اللغوي، الأفكار المبتكرة، الصور الأخاذة) فكم استلزمك من وقت وجهد وثقافة وأيضاً موهبة إبداعية، كي تكون الشاعر المتجاوز أو على الأقل المجدد وصاحب البصمة؟

في عامي ٢٠٠٧-٢٠٠٨ بدأتُ بكتابة أشياءً بسيطة وسطحية، لا تمت للشعر بصلة، منها نصوص عامية لم أحبّها ومنها نصوص نثرية وخواطر لم تعجبني أيضًا، ولا أفهم لم كنت أكتبها، هل كنت أحاول أن أكون شاعرًا أم كنت أحاول من خلالها أنّ أجد ذاتًا حديثة مختلفة، تشكلّني من جديد، تنقلّني من مرحلة لأخرى؟ حقًا لا أدري. ربما، كنت أكتب لأكتب فقط، وكانت كلّها محاولات خجولة للوصول إلى شيء أجهله، ربما كان الشعر.
أعتقد أنّ ما بعد الأعوام ٢٠١٠-٢٠١٤ بدأت كتابتي تحاول أنّ تجد طريقًا تسير عليه. وأرى -غير جازمًا- أنّ الوقت وحده لا يمنح الكاتب معرفة حقيقية بجوهر الكتابة وجوهر ما يكتبه، ولا رؤية لما يكتب، وعمن يكتب، وكيف يكتب، ولا لما يحدث من حوله ليصوره أو يتخيله على الأقل، الوقت طلاء فحسب. التجربة والقراءة والمحاولات الكثيرة والفشل الكثير، ثم نجاح -ولو كان بسيطًا- على مستوى كتابة نص ما، سيكشف الطريق أمامك شيئًا فشيئاً، وتبدو رؤاك أكثر وضوحًا ونضجًا، كما لو أنّكَ تسير في طريق مظلمة لا أضواء فيها، ثم تقترب لتصل، لتبدأ أضواء القرى أو المدن تلوح لك من بعيد فترى أن البيوتات قد بانت لكنّها تبدو أصغر من الممكن، كلّما اقتربت منها تحاول هي أنّ تقترب منكَ، كلما مشيت أكثر وزدت من السرعة كلما أُضيء الدرب وكبرت أحجام البيوت، هكذا تبدو الكتابة. عندما أكتب لا أرى سواي ولا أسمع غير صوت أعماقي؛ لذا صارت فكرة التجديد ملحة، فكرة «جلجامشية» محاولات دائمة ومستمرة للبحث عن عشبة اللا وقوف والأحدث المستمر. كلّ نص أكتبه أحاول أنّ لا أشبه غيري، لأقترب من نفسي أولًا، ومن روح العصر أو ما بعد العصر ثانية، أحاول أنّ أكون جديدًا أو حداثويًا لا تقليديًا على الدوام، وألّا أبقى في المكان الذي بقي فيه الآخرون، أو الذين فضلوا البقاء فيه، لأن الشعر مادة إنسانية تتطور مع تطور الزمن، نحتاج تواكب الحياة دائمًا وألا تقف.

 

“الشاعر الفائز”
توقفنا مع كتابك، دون أن نُعرّف القراء على عباس ثائر، وبداياته مع الشعر والفكر. من أنتَ قبل فوزك بجائزة مسابقة «الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق» وكيف مُنحت عضوية الاتحاد؟

ربما لا يعرف الآخرون أنّ من المشكلات التي أعاني منها هي: الحديث عن نفسي، فإنْ كان ولا بدّ، فأنا ولدتُ يوم ولد يسوع المسيح في (١٢/٢٥) سنة ١٩٨٩.حيث يذهب أنيس الياس فريحة (دكتوراه في الفلسفة واللغات السامية) في حديثه عن ديسمبر للقول: بأنه مشتق من جذر سامي مشترك هو جذر «كن» ومعناه الأساس والثبوت والاستقرار لأن الناس ينقطعون فيه عن العمل و«يكنّون» في دورهم”. نعم، كان كذلك قبل أنّ يودي صدام بالعراق إلى مهلكة أخرى ويجتاح الكويت، ويُعلن الحصار على العراق ويدمر الجيش، ولدت قبل ذلك بثمانية شهور. أسكنُ قريبًا من نهر الغراف الذي اشتقه السومريون من نهر دجلة إثر معركة حدثت بين دويلتين سومريتين «أوما» وهي مدينتي -الرفاعي الآن شمال محافظة ذي قار- وبين مدينة «لجش» وليس بعيداً من قبر ومقام صاحب الطريقة الرفاعية، الصوفية المعروفة، السيد أحمد الرفاعي. وعندما بدأت الكتابة لم أبدأها عن معرفة وإدراك، كانت كتابة عفوية وسطحية. بعدها صارت غرفتي لا تخلو من كتب: نيتشه، سارتر، صموئيل بكيت، البيرو كامو، ابن خلدون، هرمان هسه، دوستويفسكي، تولستوي، ماركيز، سعيد عقل، إدوارد سعيد، فالح عبد الجبار، العقاد، طه حسين، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، محمد الماغوط، ومحمود البريكان، أدونيس، أنسي الحاج، حسين مرادن، سركون بولص، فرج فودة، ادغر ألن بو، سيلفيا بلاث، نهج البلاغة لعلي بن ابي طالب «ع»، فرويد، بورخيس، نيرودا، هيدجر، جلال الدين الرومي، عمر الخيام، حافظ الشيرازي، بيسوا، كافكا، غوستاف لوبون، هيجل، شولوخفا، تيشخوف، علي الوردي، علي شريعتي، وغيرهم، التقطت هذه العينات لأن بعضهم يكتب الأدب الفكري والذي أحبّه من جهة، ومن جهة أخرى أحبّهم كأفراد، كلّ هذه الأسماء كونتني وعلمتني ووجهتني من حيث لا أشعر، وإن كنت لا أؤمن ببعض أفكارهم؛ فليس من الضرورة أنّ يؤمن المرء بكلّ ما قرأ أو يقرأ. وفي سنة ٢٠١٨ أعلن “اتحاد الأدباء والكتاب في العراق” عن مسابقة أدبية للشعراء دون سن ٣٥، وكانت الجائزة التي ستمنح: طباعة كتاب الفائز ومنحه عضويةالاتحاد وفق الفئة التي فاز فيها، فقد فزت عن فئة الشعر، ونلت العضوية وطُبع كتابي.


“الاصطفاف مع الناس”
في محور الثقافة، عامة، تقع على عاتق الشاعر مسؤولية تتصل أولاً بالتثقيف والتنوير. وثانياً مسؤولية تتعلق بالأمل في الحياة من خلال الفعل الثقافي ودور المثقف (ولطالما كانت الثقافة تحسن الحياة) ماذا عن دورك في هذين الإطارين؟ وأنت القائل “نريد العيش كحبة فياغرا لا تتوقف عن ضخ الأمل”.

ليس من شأن الأدب أنّ يغيرَ الحياة بقدر وخزها والتنقيب فيها، فمسؤولية الكاتب أو الشاعر هي في الاصطفاف إلى جانب الناس، لا أن يصبح بوقًا للسلطات أو طبلًا جاهزًا يقرع عند الحروب أو الفتن، وفق ما تقتضيه مصلحته أو مصلحة السلطة! الأدب في ذاته تنويرًا وإلاّ كيف يكون أدبًا ما لم يكّشف الغطاء عن المسكوت عنه أو المخفي قصدًا؟ الشاعر أو الكاتب لا يقف على الجبل ولا يهمه إذا ما كان الأكل أدسم عند السلطة الفلانية أو المؤسسة الفلانية، طالما أنه يدرك جيدًا أن الصلاة مع الناس أتم، صار عليه أنّ ينجزها معهم. وليس من المعقول أنّ تنشر الثقافة بطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الثقافة بناء طوابق مرتفعة وشاهقة، وإذا ما أردت أنّ تبني فعليك بخلق وبناء أساس قوي وثابت وحقيقي بعيداً عن السلطات الفاسدة والمؤسسات المشبوهة. وفيما يخص الأمل فقد رأيت -كما ورد في إحدى قصائدي- وهي خارج الديوان: «الأمل شقيق الوهم» فالوهم قطارة تقطر بعضاً من الماء لنعيش حياة مؤقتة، ثم نصطلح عليها بعد ذلك بالأمل، وإن أردنا العيش علينا أن نصدق أن الوهم هو الأمل، ونتغاضى عن كلمة وهم ثم يقوم الأمل المزعوم بضخ الحياة مثلما تصنع حبة فياغرا مع رجل شارف على الانتهاء، فاستطاعت الحبة أنّ تعيد له الأمل، ولكن يخترقنا سؤال هنا: ماذا بعد أن ينفد مفعول الحبة، أي حبة الفياغرا؟ أما سيواجه المرء حقيقة ما؟الحقيقة هنا هي الوهم ذاته الذي اعتبرناه الأمل.

في المحور ذاته أسألك عن مقتطف نثري لك أحتاج منك توضيحاً له، تقول «كان بإمكانك أن تمحو من رأسك الدوّار الذي تخلفه قصيدة النثر». كيف يستوي أن تسبب قصيدة النثر بوصفها أدباً وعلاجاً للروح- دوّاراً للرأس وربما تعباً للقلب؟

لا أقصد بالدوار، الدوار ذاته، أنمّا عنيت الكهربة التي تخلفها قصيدة النثر، وكيف تتحرك في رأس الشاعر و تحرّك رأسه، فهي قبل كلّ شيء قصيدة كبيرة، و صار من حقها -بفعل عجلة الزمن المستمرة- أنّ تشمل وتضم جميع الأجناس؛ فهي تأخذ من السرد شيئًا والفلسفة شيئًا والنقد شيئًا والفن شيئًا والغناء شيئًا. إنها قصيدة الأخذ لا الانتماء، فهي قصيدة اللمح واللحظ، قصيدة الرفض لا القبول، فالأدب أو الشعر على وجه الخصوص وإن كان علاجًا للروح -مثلما قلتِ- إلاّ أنه مرضٌ أيضًا لأنه يحتمل الشيء ونقيضه مثلما يحمل الجسد الوجه والقفا؛ فلا يستطيع المصاب به التخلي عنه ولا قبوله، إنه الشيء الذي يلحق صاحبه أنى رحل وأنى كان، أو الظل بمعناه آخر.

“تجارب حقيقية.. وفقاعات”
لنقف معك على رأيك في الحركة الأدبية الشابة في العراق. كيف تنظر إليها؟ وماذا عن مشاركاتك في أمسيات ومهرجانات الشعراء؟ لعل إقامتك خارج العراق، حالت دون نشاطك داخله!

قد لا أكون مبالغًا إذا ما قلت، كلّما مات طفل وجاع آخر وقتل جندي، وخطف شاب و أُرملت أُنثى، ونعت أم وقُطعت نخلة وثقب أنبوب نفط، و انتفض «الأباذريون» ولد شاعر. في حوزة العراق الآن شعراءً وكتابًا كبار، أدبًا وشعرًا صغار عمرًا، هناك تجارب شعرية ناضجة وحقيقية ومؤثرة وجميلة، وبالتأكيد هذا لا يعني أننا لم نختنق من المدعين والفقاعات التي صنعتهم المجاملات والخوانيات! إلا أن المفرح بالأمر هناك حراك ثقافي هائل وإن لم يأخذ الشباب -جيل ما بعد ٢٠١٠- حقهم الذي يجب أنّ يأخذوه مثلما حظيت به الأجيال السابقة.
أما على المستوى الشخصي فأنا لم أشارك في أمسيات كثيرة ولا في مهرجانات بقدر ما شارك غيري، أعني أبناء جيلي، ولست مهتمًا لهذا الصخب ولستُ معنيًا بتلك الأضواء، وبعد أن سافرت خارج الوطن بقصد إكمال الدراسة، وجهت لي دعوتان، واحدة لمهرجان “بابل الدولي”، والاخرى لمهرجان “الشعراء الشباب الوطني الـول في البصرة”، وقد صعب عليّ الحضور والمشاركة، وبعد “الكورونا” وجهت لي دعوة أيضًا لمهرجان “الشعراء الشباب الوطني الثاني” بعد ما صار الكترونيًا؛ بسبب الوباء الذي حل علينا، كانت مشاركتي كغيري عبر مقطع فيديو. كذلك أقام “الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق” أمسية ليّ عبر النت أيضًا، ولأكون منصفًا أكثر فقد أقام الاتحاد “مهرجان جواهريون” للشعراء الشباب وكان رائعًا وتبنى الاتحاد مسابقات أدبية وطباعة مجموعات شعرية، تحت عنوان “المسابقة الأدبية للشباب” والتي فزت في دورتها الأولى، ولكن هل هذا يكفي في بلد لا ينطق أهل سوى الشعر؟!


“الصحافة.. منفعة وضرر”
لديك نشاط صحفي عبر إجراء حوارات مع كبار الشعراء على سبيل الذكر (وديع سعادة، وأسعد الجبوري، عباس بيضون، قاسم حداد، شوقي بزيع، عبدالقادر الجنابي، أنطون ابو زيد، عيسى مخلوف).. وغيرهم. وكذلك لديك زاوية «تحت الأربعين» مع شعراء شباب. ما الذي تحقق لك من محاورة أساتذتنا الكبار؟ ثم ما الذي تحققه زاوية «تحت الأربعين»؟ وهل لديك طموحات أكبر على الصعيد الإعلامي؟

عندما حاورت هذه الثلة الشعرية الهائلة، كنتُ قد سافرت في رحلة مجانية مع الأدب والفكر والثقافة والوعي والتواضع، عندما تحاور أحدهم كأنك تقرأ كتابًا كاملًا بعشرة مجلدات عن المعرفة، هم غنى وغناء، حقيقة كنتُ أحاول أن أستقطب ما لديهم لأهبه للقارئ..
أنا عازم عن إجراء حوارات أخرى مع غيرهم وجمعها كلّها -أي الحوارات- في كتاب واحد. و فيما يخص «قبل الأربعين» وهي زاوية في صحيفة “أخبار الأدب” كانت الغاية منها إيصال بعض الأصوات الأدبية الجميلة المغيبة والكشف عن أفكارهم وتطلعاتهم، ليعرف القارئ العربي أن شجرة الأبداع لم تنقطع وأن لغته مازالت ولادّة وتفيض جمالًا حقيقيًا ليس مستنسخًا عن لغة أخرى. أعتقد أن الكتابة في الصحافة العربية هي جوع وبطنة، ومنفعة وضرر في ذات الوقت. موضوع الصحافة يحتاج لحوار منفرد. ليس لدي أدنى طموح، ولكنّي أكتب من حين لآخر المقال والاستطلاع والقصة الخبرية. هذا غير الحوارات التي أجريها، ولكن هذا كله تحت عباءة الأدب والفن ولم أخرج عنهما، أو أحيد لقسم آخر؛ فأنا لا يسرقني مني سوى الأدب والفنون الإبداعية، ولولاهما لم كتبت شيئًا في الصحافة، فما الغاية في أنّ يكتب المرء أشياءً لا يحبّها وغير مؤمن فيها؟!


سؤالي الأخير ذو شقين: ماذا عن علاقتك مع عمالقتنا الكبار ممن أتيت على ذكرهم في كتابك (النواب، سركون، بيضون) وسواهم ممن أثروا في تجربتك القرائية؟ والسؤال الثاني: ما هي مشاريعك الثقافية، ومن تريد أن تكون إذا عرفنا أنك تقول: «ما ظلم النص الذي شابه أباه»؟

لم تكن ليّ علاقة خاصة مع أحد ممن ذكرت على أرض الواقع-كانت أو مازالت- سوى علاقة المعرفة والجمال، كانوا قد غذوا أفكارنا وكتاباتنا بالرفض والسلام، و العلو الدائم فكلّ كاتب حقيقي كنت قرأت له أثرى تجربتي وهذب كتابتي، كلّ كتاب قرأته لأي كاتب كان لم أخرج منه أو أنتهي إلا ومعي شيئًا جديدًا قد تعلمته فشكرت صاحبه. لم أتأثر بأحد و إنما تعلمتُ منهم ومن غيرهم، تعلمتُ من «الكتب التي قرأتها جميعها والتجارب البسيطة التي خضتها» كيف أن أقرأ ولا أتأثر بأحد وأخلق لقدميّ قصيدتي طريقًا لم يسلكه أحدٌ من قبلي لتسير عليها وحدها، ليست أنانية، إنما الشعر يحتم على الشاعر أن لا يشبه سواه فهذا ما عنيته بـ«ما ظلم النص الذي شابه أباه» أردت أنّ أقول لا يُظلم الشاعر اذا ما شابه نفسه على الأقل، في أن يخطو مع الناس بنفس الاقدام والوجوه واللبس ولكن لا يشبههم في الروح وأعني النص. لا أريد أنّ أكون سواي، لا أريد سوى أنّ أعرف نفسي وأقترب منها؛ فمن يقترب من نفسه من المؤكد انّه يقترب من الناس وإن كان يفضل أنّ يكون وحيدًا على أنّ يكون بين جماعة.
الآن؛ لدي كتابان مخطوطان: مجموعة شعرية، وأخرى حوارات.. وكنت قد نوهت عن الأخير في جواب سابق من هذا الحوار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق