إضاءاتالعناوين الرئيسية

عام سعيد .. سماء زيدان

…الوسط – midline-news

.

هل إذا فتحت فمي لأتكلم.. سأجعل من نفسي أضحوكة؟
أريد أن أكتب عام جديد سعيد لكن يدي لا تطاوعني، أريد أن أقول كلمات معسولة مثل كرز شجر أعياد الميلاد، لكننا لانعرف الكرز في بلادنا، وشجر أعياد الميلاد هنا بلاستيكي لا يثمر، وكرات زينة العيد زجاج ملون بارد، ولا كرز في الشتاء، هذه هي الحقيقة..

إننا نتظاهر كل عام أن العيد السعيد سيكون هو العام القادم، ننتقي من الأيام يوما نكلله بالأوهام، أي يوم نسميه ما نشاء، لا عيد عندنا طالما نذكر الآلام، آلام كل الأحياء، من سبقنا ومن يأتي بعدنا، العيد يعني فرحة في قلب ساذج مخلص للوهم، يصدق أن الغد مختلف، من أين يأتينا غد مختلف إن كنا نحمل إليه الماضي وأنفسنا؟!..

أريد أن أصدق مثل مايقولون، أن الذاكرة مفتاح الهوية، لكنني أعلم أنها بوابة الحزن الدفين، بوابة لعالم سفلي كل أيامنا أحياء فيه مبصرة.. يقولون في الأساطير أن هاديس العالم السفلي يذهب إليه الناس بعد وفاتهم، وأنه عرف باسم العالم السفلي لأنه في أعمق جزء من الأرض، حيث لم يصل ضوء الشمس إليه.. كذلك قلبي! دفنت فيه كل أيامي التي مضت، بعضها سعيد وبعضها مشوه وأكثرها متشابه. سمعت صوت قلبي يكسر هذا العام خمس مرات على الأقل مثل عدد الصلوات، وكأنما في كسر قلبي صلاة. خمس مرات توقف نبضه للحظة، فاتته دقة فأسرع يلاحقها، كاد يموت من الآسى وفي كل مرة لم يتعلم، بسطت يدي فوقه لأحميه شعرت به يجاهد ليستعيد النبضة الفائتة وسمعت صوته ينكسر تحت أصابعي..

يريد الناس أن تضحكهم أن تخدعهم بكلمات أو بابتسامات بأمنيات.. وأنا أريد الحقيقة. الحقيقة تحرر وإن كانت مؤلمة، على الأقل تحررك من الخوف، الحقيقة تقتضي المواجهة، لا أجد من أواجهه سوى نفسي، أنظر في السماء فأرى وجهي بين الغيوم، أنظر في الماء فأرى نفسي تطاردني، أؤذيها بالحقيقة عنها وعن الغد وعن الماضي.. نفسي أسيرتي وأنا جلادها.

اليوم كتبت قائمة بكل الأشياء التي تحررني.. أولها الموت. الموت صديق للحقيقة، لا أحد يموت وفي يده شيء، كل يترك ما في يده ليمسك بمفتاح بوابته، يعبرها ليلتقي بأيامه وجها لوجه، يكف عن الهرب منها..
تقول الأساطير أن هاديس خطف برسيفوني ابنه ربة الزراعة وحبسها معه في العالم السفلي فأخذت أمها تجوب الأرض باحثة عنها تبكي حزنا لفراقها، حزنت حزنا شديدا نتج عنه حدوث مجاعة على الأرض، ولولا تدخل الألهة لاستمرت تلك المجاعة، وافق هاديس على إعادتها بشرط أن تكون معه في وقت من العام فكانت الفترة التي تقضيها برسيفوني مع أمها هي فترة الحصاد والمحاصيل والأزهار والفترة التي تقضيها مع هاديس هي فترة الجفاف والذبول.. وأصبحت برسيفوني زوجة هاديس وملكة العالم السفلي.. المرء يستسلم لقدره ولو كان نصف حياة في العالم السفلي!

من الأضحوكة الآن؟! إلا من استسلم وطحنت عظامه عجلة الأيام، كلنا برسيفوني.. نصف حياة أفضل من لاشيء، كما قلوبنا نصفين.. نصف فوق الأرض في الشمس والنور.. أمام الناس يحتفل ويضحك، ونصف تحت الأرض في العالم المظلم، دفين كما أحزاننا وأسرارنا!
عام سعيد رغم كل شيء.
.

*إعلامية وكاتبة من مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى