إضاءاتالعناوين الرئيسية

عابرو الإنسانية .. أحمد علي هلال

 

|| Midline-news || – الوسط …

 

في عالم تشظت فيه المنظومات المجتمعية، حدَّ الجهر بنهاية «الأخلاق» لكأن مفهوم النهايات تواتر على غير مستوى هجساً وواقعاً أكثر منه افتراضاً، ذلك أن الإنسانية المثلومة باتت اليوم تبحث عن قوة المثال، وعن طلقة الوعي التي تعيد الاعتبار للإنسانية ذات الجوهر الواحد، وتحتفي بمن يمثلها ولو على ندرته وفرادته، فقد تصبح –هذه الندرة والفرادة- ظاهرة بعينها، وثمة من تسائل يوماً لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة، وهل الثقافة في هذا السياق منتج اجتماعي فحسب، وللفيلسوف سقراط تساؤله المفتوح في أزمنته: «كيف ينبغي للإنسان أن يحيا»، وأعقب علماء الأنثربولوجيا هذا السؤال بأسئلة متواترة: «ليس من أنا، بل من نحن وما الذي ينبغي أن نفعله بوجه عام»؟.

هذا السياق الذي يستدعي تأمل أولئك الإنسانويين، من مثل المصري طبيب الفقراء كما وُصف محمد المشالي، الذي رحل عن عالمنا مؤخراً، ذلك الإنسان الذي صنع مأثرة انفرد بها، أي انحيازه إلى الفقراء «الغلابة» في عالم ينهشه الجشع والتردي الأخلاقي والقيمي، ولا يبتعد عن ذلك  السياق  طبيب الإنسانية السوري إحسان عز الدين،  طبيبان اختصرا  في راهننا رسالة الإنسانية  وجهرا  بها، وسواهم ممن يعملون بصمت ودون ضجيج من آثروا أن يعيدوا الاعتبار لعقد اجتماعي يجعل من الإنسانية حقيقةً ماثلةً للعيان، وليست محض مجاز يتردد في متون الخطابات وبطون الكتب، فقوة المثال هنا، أي في ما ذهب إليه الفيلسوف الهندي كريشنان صاحب المقولة التي تقول: «إذا ما تعالينا عن مظاهر الاختلاف بين المعتقدات والثقافات، فسنجدها جميعاً واحدة، لأن الإنسانية في جوهرها واحدة».

فالضمير الإنساني –على ندرته- هو النسيج الجوهري للإنسان، وهو في قوس مهامه الكبرى، لا سيما في زمن فاض توصيفه ولم تعد على الأقل مفردة بعينها قادرة على توصيفه بشكل دقيق، لأنه أقرب إلى الزمن الملحي الذي يذوب إثر شمس حارقة، إذن لماذا علينا أن نستعيد سير أولئك النبلاء، الذين كان عملهم هو كلامهم وأفعالهم هي المعنى، في عالم يصعب على المرء فيه إيجاد الدواء ويتردد غيره في الذهاب إلى المشفى، لا لقلة المال   فحسب، بل للخشية من إندياح الضمير، ولعل عالم الطب ليس وحده فقط من يجمع هذه المأثرة لكلا الرجلين وأمثالهما الذين يعملون بصمت، بل تتعدد أوجه النبل في غير مستوى، وكل ذلك لجعل الإنسانية هي المشترك الحي والخصب للكائن الإنسان أينما كان.

ولعل الحديث قد يبدو مثالياً إلى حد ما في استحضار تلك المثل الكبرى التي صدحت بنشيد الإنسانية بطريقتها وأسلوبها، فلأن تلك المرويات التي تصادت في يومياتنا وأشعلت الحنين الفادح إلى زمن الإنسان،  والثقافات النبيلة، مازالت تأخذنا لئن نواسي نقصنا الفادح في اكتمال شرطنا الإنساني الذي يعاند قبائح الأرض، انحيازاً إلى الجمال ومنظوماته الكثيفة، وفي الجوهر انحياز إلى الحق والخير بما تمثله لدى الفقراء «الغلابة» من جدارة استحقاق للحياة ولتصبح أنا هي الـ نحن وبذلك يكتمل عقد فريد مازلت الإنسانية تهجس به، وما عليها الآن إلا أن تتبع سردياتهم التي حملتهم على أن يكونوا أنداداً للمحبة والسلام، السلام الذي تستحقه أرضنا مبرءاً من الحروب والأوبئة والجشع و«حيونة» الإنسان على حد تعبير المسرحي والروائي الراحل ممدوح عدوان.

 

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق