خاص الوسط

ضحايا جرائم الخطف .. موت .. وما هو أقسى .. مالك معتوق ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

دمشق مدينة كزهر الياسمين, مزدحمةٌ حباً وبهجةً وغشاً وضجيجاً ..

جميلةٌ دمشق, تعرف كيف تجمع النقيض إلى النقيض دون حرج, فيها من الورد ما تشتهيه المدن، هي مدينة تحسدها المدن على وردها، دمشق كان لها من هذه الحرب التي عصفت بسورية نصيب كبير, لم يُذكر منه على الشاشات, لا الأوروبية الناطقة بالعربية، ولا العربية الناطقة بالعبرية الكثير, دمشق المدينة التي لم تُرِد من هذه الحرب أن تخطف إلا السلاح، خطفت الحرب كثيرين من أبناءها.

مشهدٌ بسيط, هو أول الصور التي تتوارد للرأس عندما نسمع بكلمة خطف .. “فتاة في العشرين .. سيارة سوداء مفيّمة تقطع الطريق عليها .. شابٌ مسلح ملثّم يشد الفتاة العشرينية من شعرها الطويل ويحشرها في سيارته .. امرأة تولول من شرفة منزلها قبل أن يسقط غسيلها من بين يديها .. صوت هروب السيارة .. والأشنع من هذه الصور هي تلك الظلمة التي تُعشش في القلب”.

يحدث الخطف في سورية، ولكن بصورة أبشع ..

في سورية ينتشر انتهازيون أباحوا لأنفسهم على مدى 8 سنوات قتل عباد الله ، وسبي نسائهم ، وخطف رجالهم ، واستباحة أموالهم باسم الله و”الثورة” على مرأى من ضمير العالم، مُحولين أرضَ سورية إلى سجن جماعي في مساحة وطن.

أم يوسف تلك السورية البسيطة بوجهها المُجعَّد كتلال الوطن, لم تكن تعلم أن دموع الفرح، التي ذرفتها يوم تخرج ابنها من الكلية الحربية سترافقها طوال حياتها لوعةً على اختطاف بكرها, فلذة كبدها.

على مدخل منزل “أم يوسف بدوي” في “المعضمية”، تلاقيك صورة كبيرة لشاب عشريني مُتعب الملامح ، خانه السيف وخذلته الأيام، مذعورٌ كذئبٍ جريح بشعره المنكوش ولحيته المسترسلة، وسيمٌ أنيق في “بدلته” العسكرية، يمسك ببندقيته وسيجارته في فمه “كانت صورته الأخيرة التي التقطها قبل اختطافه”, تنزلق يد أم يوسف لتداعب وجه ابنها في الصورة وتشتعل نيران قلبها فتطير كلماتها بلا أجنحة لتستقر في أذني : “شايف هالشبوبية”.

لا تمتلك أم يوسف اليوم سوى حق الاشتياق, تتنقل في غرفة ابنها, تتنفس رائحة مناشف حمامه, تتلمس شفرات حلاقته, تحتضن شراشف نومه تناجي قميصه المعلّق, صابونته التي ما زالت تحمل رغوة استحمامه, تشرب قهوتها بفنجان ارتشف منه قهوته الصباحية, تعانق ثيابه التي علِقت بها رائحة عرقه “آه يا إمي ما أحلى ريحتك”.

بعينين يبدو أن دمعهما يتدافع للخروج من محجريهما تقف “أم يوسف” عند بابِ بيتها, تحاول أن تشد أعصابها غير أن دمعتين تسقطان على الرغم من كل قواها المضادة، دمعتين تجسد فيهما كل الحب والعاطفة التي تحملها لابنها الذي كان أبا لأمه وأخواته اللواتي فقدن الأب .. توشوشُني فتقول: لا شيء كان يشي بالحزن في ذلك اليوم .. ركب يوسف دراجته .. أدار المحرك .. وغاب .. غاب شهراً وشهرين ومرت شهور, لم يعُد, نابَ عنه الحزن .. “كانت هذي رحلة يوسف الأخيرة “.

كلماتها القليلة كانت كافية لاختصار معاناة أمٍ بكت كثيرا منذ اختطاف ابنها في آب سنة 2016، ما يعذب هذه البائسة هو شكها الدائم “أميت هو أم حي؟”, عندما تمشي في الشارع أو حين تنظر إلى وردة مهملة على جانب الطريق، غالباً ما تفكر أن ابنها قد يكون مدفوناً في أي من هذه الأمكنة، فتمشي بكثير من التواضع, حتى لا تتطاول دون قصد على قامة الراقدين هناك, تخاف أن تمر بقدميها فوق قبره دون أن تشعر.

عندما دخلت الحرب منحناها الخطر واشتدت الأزمة في سورية, ابتسمَ إبليس, ودخل أمراء الحرب وقراصنتها في سباق محموم, واستغل الخارجون عن القانون من قطاع طرق ومسلحين, الفوضى المنفلتة من عقالها, فامتهنوا الخطف في ظاهرة اتخذت أشكالاً عدة، وكان لها أهداف عدة, منها السياسية ، ومنها ما يتعلق بالسلب والنهب بغرض طلب الفدية وتكديس الذهب وأوراق النقد ، ومنها ما يهدف للإتجار بالبشر أو حتى الاستغلال الجسدي، حتى صار لكل منطقة رموزها من الخاطفين، يتداول الناس أسماءهم في جلساتهم وشوشةً, بهمس وخوف.

ورغم الصعوبة في تحديد حجمها وغياب الإحصاءات الرسمية ازدادت عمليات الاختطاف التي تقدر بالآلاف، على كامل التراب السوري وأصابت جميع الشرائح الاجتماعية منذ بداية الحرب في سورية وعليها.

حمل القدر المختطفين على طريق لا يعلمون إلى أين يسير بهم, فالسيناريوهات حول مصير المفقودين والمخطوفين كثيرة ومفتوحة .. رئيس هيئة المصالحة الوطنية الدكتور علي حيدر يقول: هنالك احتمال بأن يكون المسلحون قد قاموا بتهريب قسم من المخطوفين لديهم من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها عبر الممرات التي كانوا يستخدمونها لإمدادهم بالسلاح قبل دخول الجيش السوري اليها, فالجماعات المسلحة يضيف الدكتور حيدر, تمكنت من إخراج عدد من المختطفين باتجاه تركيا والأردن, كما أن ثمة احتمال بأن الخاطفين حولوا أجساد عدد كبير من المخطوفين إلى دريئة إطلاق، قبل أن يدفنوهم ضمن مقابر جماعية تم اكتشاف عدد منها كانت تغص بعظام ساكنيها المعتصمين فيها.

في عتمة الحرب تكثر قصص من دفعوا ثمنا باهظاً في ذاك المجهول الذي يقبع فيه المخطوفون، في عتمة الحرب تُجهَض الأحلام، وتتقطع السبل بالعاشقين، وتتناثر حيواتٌ بأكملها.

تُقلِّبُ نور البوم الصور ، فيما تبكي وهي تفكر في يوميات العذاب والموت والإذلال، التي يعيشها خطيبها.

نور الأمين، ابنة حي الورود الدمشقي، انخرطت في كتائب العشَّاق، واختارت أكثر العمليات القتالية صعوبة، بعد أن عاهدت خطيبها المختطف، على انتظاره حتى نهاية الأيام، فعندما غدر الغياب بمحمد، حولت نور التي بقيت على قيد الحرية فاجعة الفقد إلى فرصة ذهبية، كي تُنازل الغياب عشقاً، ذاهبةً معه في تحدٍّ تجاوز حدود المنطق.

في انتظار حبيب مجهول المصير، تتوه نور يوماً ويومين ، وتستمر سنواتُ التيه حتى تَعُد الفاً من الأيام وأكثر ولا خبر عن محمد, تفكر نور في مواعيد الأدوية، وأن محمد مصاب بالسكري، فهل يحتمل من خطفوه حاجته للخروج إلى الحمام بشكل متكرر كلما داهمته نوبة السكر.

تجلس نور وحيدةً تتلفت بناظريها باحثةً عن حضرة حبيبها .. يمضي بها الأمل إلى ما سواه فتقول: بعد مرور ثلاث سنوات وأربعة أشهر على اختطاف محمد يتساءل كثر ما الذي يبقيني صامدة حتى الآن، “الحب” هو ما يسعفني بعد كل هذا الوقت تقول نور، حبي الكبير له، وإيماني بأنه يستحق الحرية .. محمد بأمس الحاجة إليّ، فأنا صوته بعدما أخفوا صوته, هكذا ببساطة، أوقن سلفاً أن التراجع مستحيل, يساعدني في الصمود الأهل من الطرفين, والدته هي عنصر قوتي, أرى فيها قديسة احتملت ما لا يحتمل ولا زالت تدرك بقلب الأم أنه سيعود إليها، أمي أيضا “سندي وعزوتي” لولاها لكان الصبر مشقة لا تحتمل.

الحياة لا تراوح مكانها بل تسير إلى الأمام برأي سيدة علم النفس ماجدة الخطيب .. المعالجة النفسية تقول: إنه في حالات الخطف مجهولة المصير، يعلق المحبون بين عالمين، أولهما يدفعهم للتشبث، والثاني يدفعهم لتغليب حاجاتهم الإنسانية ثم استكمال الحياة وتقبل الواقع وحتمية الفقد وبعدها النعي والتخلي.

في حالات الخطف تقول الدكتورة الخطيب: يعيش من هم في الخارج في بعض الأحيان “عقدة الناجي”، حيث تبدأ الأسئلة “لماذا أنا على قيد الحرية وليس هو؟”، ويسيطر عليهم الشعور بأنهم لا يستحقون الحظ الجيد الذي جعلهم في مأمن، فيبدأون بتعذيب أنفسهم لإحقاق بعض العدالة في ما حصل.

يمكن للحرب أن تستمر أعواما عديدة وتدير لك هذا الجانب أو ذاك من جوانبها لكن الشيء الأهم هو الاشمئزاز منها والكره لها هذا ما فهمه أيمن حالا وإلى الأبد.

في عمق الغوطة كان الجحيم يفتح للسوريين ذراعيه وصدره في غرفة واسعة مغلقة لا يخرج منها إلا الذاهبون للسخرة وحفر الأنفاق, في هذا المكان الموحش أمضى “أيمن حسن” ثلاث سنوات ونصف, مختطفا على يد ميليشيا “جيش الإسلام” في انتظار إطلاق سراح ابتسامته, ففي ديننا، الابتسامة صدقة يُجازي اللَّه خيراً صاحبها .. ديننا الذي لا يَدين به رجال الكهوف وقطّاع طُرق الأديان.

تتوه الأصوات في رأس أيمن .. يغوص في وحل الذكريات ، تنحدر ذاكرته إلى تلك الأيام التي نضبت وزالت فيقول: لدى وصولي إلى بلدة قالوا إنها دوما عقب اختطافي من الضاحية، أُدخلوني إلى أحد المنازل حيث كان فيه نحو عشرة مسلحين, هناك جردوني من ملابسي وقيدوني ثم ضربوني على وجهي مراراً، أحضروا عدة سكاكين عرضوها علي لأختار بأيّ منها أريد أن أذبح, قبل أن يُخرجوني من مكان احتجازي، ليعرضوا علي قبراً محفوراً قالوا لي إنه قبري الذي سأدفن فيه بعد ذبحي, كم هو من الصعب عليَّ أن أنسى تلك الأيام.

ثلاث سنوات ونصف لم أر السماء فيها فنحن المختطفون كان ممنوع علينا رفع رؤوسنا مطلقا, فالذي يفعلها ولو عفو خاطر يجازف بحياته, كنت اسمع زقزقة العصافير, ولكن إن فكرت برفع رأسي لأراها لصار مصيري كأخرين فعلوها, “صرخات طويلة تتبعها صرخات ممزقة تنتهي بغرغرة تُشبه غرغرة الموت, يعقبها سكون عميق “سكون الموت” نعلم حينها أنَنا قد نقصنا واحد.

كنت انصت لقلبه, اسمعه يخفق مرتعشاً .. كانت شفتاه تحاولان الشروع في الكلام لكن يعود الخوف فيغلقهما وكأن عُقاباً قد انقض بغتةً على نحر فريسته .. يستجمع شتات شجاعته ويتابع: في تلك الغرفة السجن الهاربة عن سطح الأرض عرفتُ كيف تمط أَرجلها الدقائق, كيف تتجمد, وتستحيل إلى عصور, ثلاثة أعوام ونصف في أحد أقبية المسلحين, عُذبنا بأبشع الأفعال وصُبت في آذاننا أشنع المفردات التي كانت تنال من كراماتنا وأعراضنا حتى سابع جد.

يسرق أيمن ابتسامةً خفيفة قبل أن يقول: “وطلعنا على الشمس”, خرجنا إلى الحرية عبر ممر الوافدين في العاشر من نيسان 2018 بعد تحرير الجيش للغوطة بعملية فولاذ دمشق, كل ما أردته يومها أن أنام قليلا وأن اكل قليلا وأن اقرا كتاباً، أردت أن أشاهد فيلما وأن أزور أصدقائي أردت ان اسبح وأن اتجول على ارصفة المدينة.

يُحكى أن امرأة وابنتها كانتا في سيارتهما باتجاه حماة، فجأة وجدتا عدداً من المسلحين يقطعون عليهما الطريق، طلبوا منهما أن تترجلا, كان واضحاً أنهم سيأخذون السيارة بما فيها، فقالت المرأة في محاولة إنقاذ متذاكية: “يا جماعة نحنا ضد النظام” وكانت المفاجأة حين نظر إليها أحدهم وهو يقول: “ضد النظام، معه، معارضة، موالاة، نحن لا علاقة لنا بكل ذلك” ثم اقترب منها وقال بوضوح أكبر: “نحنا قطاعين طرق، بتسمعي فيهم؟”.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق