العناوين الرئيسيةمقالات

“صورة واقعية لابتزاز إلكتروني”.. بقلم: بسام العطري

|| Midline-news || – الوسط

.

راجعتني موكلة وبرفقتها سيدة أخرى في مقتبل العمر بغرض الاستشارة بموضوع خاص يتعلق بتلك السيدة التي أخذت تسرد وقائع قصتها المتلخصة بتلقيها رسائل تتضمن صوراً خاصة جداً لها من رقم مجهول على هاتفها الجوال، تلاها بعد ذلك تهديدات ومحاولات ابتزاز من الشخص المرسل تتضمن رغبته بإقامة علاقة غير مشروعة مع تلك السيدة، وإلا فإنه سيقوم بنشر تلك الصور علناً على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي.

هنا وجدتُ نفسي أطرح عليها سؤالاً منطقياً جداً حول كيفية وصول تلك الصور إلى الشخص الفاعل وهي صور خاصة جداً، فأجابتني بأن جهازها الجوال قد وقع منها في سوق الحميدية على الأرض حيث ارتطم نتيجة السقوط وانفكت أجزاءه، ففقدت نتيجة لذلك بطاقة الذاكرة التي كانت في الجهاز، حيث كانت تقوم بحفظ الصور كافة على تلك البطاقة…
ابتسمتُ بهدوء شديد ونظرتُ إليها مطولاً، ثم قلتُ لها: “نظراً لخصوصية الموضوع وحساسيته أفضل أن نتحدث على انفراد قليلاً”. استأذنتُ من السيدة التي أحضرتها، وانتقلنا إلى غرفة أخرى.. بادرتها بالحديث قائلاً: “ابنتي.. اسمعيني جيداً.. لا وقت لديّ لأضيعه مع شخص لا يحترم ذكائي وخبرتي، أنتِ يا ابنتي لم تضيعي بطاقة الذاكرة، بل إن الصور وصلت للفاعل بمحض إرادتك، وأنتِ من أعطاها أو قام بإرسالها له…” انهارت الفتاة بشكل مفاجئ، وانهمرت دموعها بغزارة، وشرعت ترجوني أن لا أخبر أحداً بشيء مما قلته لها.. هدأت من روعها وأخبرتها بأني لن أخبر أحداً بطبيعة الحال لأن عملي يقتضي من التكتم والسرية والحفاظ على خصوصيات الناس وأسرارهم لا سيما في مثل هذه الحالات، لكن بالمقابل لا يجوز من جانبها أن تكذب على محاميها الذي سيتولى متابعة مشكلتها، بل عليها أن تصارحه بأدق التفاصيل حتى يتمكن من التصرف على الشكل الأفضل والأنجع الذي يحقق فيه مصلحتها ويحميها من أية إشكالات قد تعرّض نفسها لها نتيجة كذبها وتحريفها لحقائق ووقائع القضية، الأمر الذي يجعلها عرضة للوقوع في مآزق شتى.
وعندما همّت بشرح تفاصيل الموضوع الحساسة، رفضتُ الاستماع لتلك التفاصيل نظراً لخصوصيتها، ونظراً لأني -بحكم الخبرة- قد تصورتُ سيناريو ما حدث بالكامل، اكتفيتُ منها بالحصول على اسم الفاعل وبياناته وبعض الأمور الأخرى.
بعد تنظيم الوكالة القضائية تقدّمتُ بشكوى أصولية للمحامي العام شارحاً فيها ما تتعرض له الفتاة من تهديد وابتزاز وإشكالات قد تدمّر سمعتها ومستقبلها بشكل كامل.. فأحالني المحامي العام إلى فرع مكافحة الجرائم الإلكترونية والمعلوماتية الذي قام بدوره بفتح ضبط أصولي بالموضوع، حيث قاموا بإحضار الفاعل الذي لم يجد مناصاً من اعترافه الكامل بالموضوع وبشكل تفصيلي، بأنه قد تعرّف على الفتاة من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، حيث تعززت علاقتهما من خلال تبادل الأحاديث الخاصة والحميمة جداً، وصولاً إلى قيام الفتاة بإرسالها له صوراً خاصة جداً بناءً على طلبه منها بوضعيات خاصة وبملابس مثيرة، وبعد حصوله على عدد من تلك الصور بدأ يطلب منها إقامة علاقة غير مشروعة، وعندما رفضت ذلك راح يهددها بنشر تلك الصور على الفيس بوك علناً.
بطبيعة الحال تعامل الفرع بسرية وتكتم شديدين على الموضوع. وتم ختم الضبط أصولاً وأحيل الفاعل إلى القضاء الجزائي المختص متمثلاً بمحكمة بداية الجزاء المختصة بالجرائم الإلكترونية والمعلوماتية لمحاكمته على ما ارتكبه من أفعال جرمية هي في حقيقتها حالة من حالات ما يسمى قانوناً بـ”اجتماع الجرائم” حيث قام الفاعل بعدة أفعال معاقب عليها قانوناً منها “التهديد والابتزاز” المنصوص عليهما في قانون العقوبات السوري والتي تُشدد عقوبتهما سنداً للمادة /29/ من قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية نظراً لارتكاب الفعل باستخدام الانترنت، كما أن الفاعل هنا قام بارتكاب فعل الشروع بجريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة التي عاقب عليها القانون السالف الذكر في المادة /23/ منه. وعند قيام والد الفاعل بالتواصل معي في محاولة منه للصلح مع الموكلة واسترضائها بأي شكل كان طمعاً منه بقبولها بإسقاط الحق الشخصي عن ابنه، كان جوابي حاسماً للنقاش معه بأن على ابنه أن يتحمل مسؤولية أفعاله وتهديد مستقبل وسمعة فتاة في مقتبل العمر وثقت به نتيجة تهورها وطيشها وعدم خبرتها في الحياة، وبأنه وأمثاله يجب أن يكونوا عبرة في المجتمع لكل من تسوّل له نفسه التعدي على خصوصيات الناس وتهديدهم وابتزازهم بأساليب وضيعة.
.

*محام ومستشار قانوني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى