افتتاحية

صفقة القرن .. طبخة “جعيص” .. أدسم مكوناتها الخروج على الإجماع العربي و “الربيع المشبوه” .. طـارق عـجـيـب ..

تصفية القضية الفلسطينية من أهم أهداف "الربيع العربي" ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

عُقد مؤتمر مدريد للسلام /1991/ بين “العرب” و “إسرائيل” برعاية أميركية روسية ، وكان الاتفاق بين الدول العربية أن يكون هنالك إجماع عربي على أي اتفاق مع الطرف الإسرائيلي بحيث يكون الهدف هو الوصول إلى اتفاق شامل لكل القضايا المطروحة على طاولة المؤتمر ولكل القضايا التي يسعى العرب لتسويتها مع الكيان المحتل والمغتصب …

التأكيد على الإجماع العربي كان لضمان عدم استفراد إسرائيل وداعميها الذين يمثلون أهم دول العالم العظمى بأي طرفٍ عربي منفرد ، وبالتالي يكون من السهل ترتيب اتفاقيات ثنائية تفرض على الطرف العربي الذي ينفرد ،”وسيكون الأضعف”، شروطاً ونقاطَ ارتكاز لمكاسب كبيرة وهائلة للإسرائيلي سـيغتنمها لاحقاً ..

المؤسف أن إسرائيل تمكنت بدعم أميركي وغربي كبير ، وبتواطؤ من بعض الدول العربية ، من إقناع “الجانب الفلسطيني” الذي يتزعمه “ياسر عرفات” ، وجـرِّه إلى محادثات ثنائية سرية في “أوسلو” بالتزامن مع انعقاد مؤتمر مدريد ، ومن ثم الإعلان عن الوصول إلى أرضية اتفاق ثنائي بين إسرائيل وبين “الفلسـطينيين” ..

هذه المحادثات الثنائية خرقت الإجماع العربي ، وحققت لإسرائيل وداعميها غايتَهم بالاستفراد بالجانب الفلسطيني الذي لا يمتلك من مقومات “الـنِـدِّيـة” مع الطرف الأخر إلا بندقيته المقاومة التي تعتمد من ألفها إلى يائها على الدعم والعمق العربي المقاوم .. لذلك كان من السهل اقتياد الجانب الفلسطيني الذي يتزعمه ياسر عرفات إلى القبول باتفاق أوسلو والتوقيع عليه ، ويعتبر هذا الاتفاق هو الأرضية الأساس التي بُنيت عليها مجموعة لاحقة من الاتفاقيات والصفقات التي كللتها بالعار “صفقة القرن” التي أعلنها ترامب ونتنياهو ..

في مدريد 1991 ، وقبله وبعده ، كانت سوريا هي الطرف الأكثر تمسكاً بالتضامن والإجماع العربي ، ولم تقبل أي محادثات ثنائية منفردة ولا طرح قضايا بينية فقط .. وكانت الأكثر رفضاً لما قام به الجانب الفلسطيني من اتفاقيات نتجت عن ذلك الخروج على الإجماع وحذَّرت من خطورة هكذا اتفاقيات ومحادثات وصفقات على قضية فلسطين التي تعتبر قضية العرب مجتمعين وليست قضية تنحصر بجغرافيا فلسطين فقط ، كما حذرت سوريا من التبعات الكارثية لاحقاً لهكذا خروج ..

كان واضخاً بعد مؤتمر مدريد للسلام ان ماكينات الإعلام والدبلوماسية الغربية والعربية الـمُـسَــيَّـرَة من الغرب وأجهزة استخباراته ، والمؤسسات والمنظمات الأممية الثقافية والإنسانية وشبيهاتها التي تأتمر بأمر الأميركي والغربي ، تفرغت لتسويق وترويج اتفاقيات الفلسطينيين مع الإسرائيليين على إنها إنجازات تاريخية للشعب الفلسطيني وانتصارات كبيرة وخطوات صحيحة نحو الأهداف الفلسطينية “العظمى” ..

الأخطر في عمل هذه الماكينات كان التركيز على شيطنة وتشويه الأطراف التي رفضت واعترضت على هذا الخروج عن الإجماع العربي ، والسماح للإسرائيلي بالاستفراد بطرفٍ غيرَ مؤهلٍ ليكون بمواجهة قوة وامكانيات إسرائيل وداعميها .. فكان التركيز على شيطنة سوريا وكل من يرفع راية المقاومة ، وعلى كل من رفضَ الاحتلال ودعمَ بشتى السبل والإمكانيات العمل على تحرير فلسطين وكل الأراضي العربية المحتلة ..

حملات الترويج والتهليل والاتفاقيات والصفقات .. وحملات الشيطنة لسوريا وقادتها وجيشها ولحركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه للهيمنة على المنطقة ككل وخططه التوسعية .. تلك الحملات تكثفت وزادت وتيرتها بعد عام 2000 ، عام هزيمة جيش الاحتلال الإسرائيلي وتحرير ما تبقى من جنوب لبنان المحتل .. ثم ازدادت شراسة هذه الحملات بعد حرب تموز 2006 ليكون هدفها شيطنة محور المقاومة ورجالاته وتقزيم انتصاراته وتضحياته وتحويل بوصلة الشارع العربي والرأي العام العربي باتجاهات بعيدة عن الكيان الصهيوني ، العدو الرئيس والحقيقي والأول الذي يستهدف المنطقة ، وخلق بؤر اختلاف ونزاعات وصراعات وعنف وغير ذلك من أسباب تُبعد الأنظار عن السبب الرئيس لكل ما يجري في المنطقة برمتها ..

من أهم وأقذر الغايات التي عملت عليها تلك الاتفاقيات والحملات مجتمعة هي “تصفية القضية الفلسطينية” .. وكان لما سُمي “الربيع العربي” الدور الأكبر في ضرب نقاط ارتكاز وقوة الشعب الفلسطيني في الخارج والتي كانت تصون الهوية الفلسطينية وتحتفظ بمفاتيح البيوت ، وتمتلك الزخم البشري والسياسي والعسكري المقاوم الذي يدعم قرارات الشرعية الدولية التي تضمن حقوق الشعب الفلسطيني في عودته واسترجاع أرضه وحقوقه وطرد المحتل من أرضه ..

كان من أهم أهداف “الربيع العربي” استهداف التجمعات الفلسطينية التي تعتبر “عواصم” للفلســطينيين في الخارج ، وتشتيت الفلســطينيين منها بسبب الإرهاب والعنف والتفقير والتجهيل والحرمان ، ونشرُهم في دول العالم ليكونوا مجموعات صغيرة لا حول لهم ولا قوة إلا الاندماج في بلدان اللجوء الجديدة وضياع هويتهم وخسارة حقوقهم .

إعلان “صفقة القرن” هو نتيجة طبيعية لِـمـا زَرَعَه رجالات وزعماء الخروج عن الإجماع العربي في مدريد ، ومن ثم السعي لعقد اتفاقيات ثنائية فوق الطاولة وتحت الطاولة ، ولا يمكن أن ننسى مقدار الدهشة والاستغراب مؤخراً (قبل الإعلان عن الصفقة) من التهافت العربي الرسمي للإعلان عن العلاقات الطيبة و”العريقة” التي تجمع بين الكيان الإسرائيلي وعدد كبير من الدول العربية ، والإعلان عن اتفاقيات كثيرة وفَّرت الأجواء المناسبة لإعلان “صفقة القرن” ..

“صفقة القرن” نتيجة طبيعية لاستهداف وتحييد سوريا وحركات المقاومة والدول العربية وغير العربية التي ترفع راية القضية الفلسطينية وعودة الفلســطينيين إلى أرضهم وبيوتهم واسترداد حقوقهم المغتصبة وطرد المحتلين الغاصبين .

هذا الاستهداف تم بحملات شيطنة وتشويه، و “بربيع عربي” صنعته أيادٍ صهيونية أميركية غربية بشراكة مع نفس الأطراف العربية التي سهَّلت عملية الخروج على الإجماع العربي وإفشال محاولات التضامن العربي ..

طباخو “صفقة القرن” لن يجدوا ظروفاً عربية وإقليمية ودولية أكثر ملائمةً من هذه الظروف لإعلان أن طبختهم قد نضجت وحان التهامها .

الرد على هكذا “طباخين” يختصره مثل شعبي شامي يقول :

إذا طباخنا “جعيص” شبعنا مَـرَقْ ..

طباخو “صفقة القرن” .. كيدوا كيدكم .. لكن الشعب الفلسطيني ومعه الحقُّ كلُّه ، ومعه الشرفاء من دولٍ وحركات مقاومة ودعم شعبي ، سيكون له الكلمة الأخيرة والقول الفصل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق