إعلام - نيوميدياالعناوين الرئيسية

صحيفة بوليتيكو الأمريكية: كيف نحصل على ما نريده من بوتين؟

|| Midline-news || – الوسط …

 

نشرت صحيفة بوليتيكو مقالة جاء فيها :لن نتفق أبدًا مع الزعيم الروسي على المبادئ ، لكن قد نتمكن من التفاوض بشأن هيكل أمني أفضل لأوروبا.

ستكون المحادثات الجارية الآن بشأن الأمن الأوروبي بين الولايات المتحدة وروسيا صعبة لأن البلدين لا يثقان ببعضهما البعض ، ولا حتى قليلاً.. كثيرون في الغرب مقتنعون بأن موسكو تريد بالفعل أن تفشل المناقشات ، وبسرعة ، لأنها تريد ذريعة لمهاجمة أوكرانيا ، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قرر فعل ذلك.. وإلا ، فإنهم يتساءلون ، لماذا كان سيعلن عن مسودتي معاهدتين – إحداهما بين روسيا والولايات المتحدة ، والأخرى بين روسيا وحلف الناتو – التي تصر على الضمانات الغربية الملزمة المتعلقة بأمن روسيا ، وبشروط غير مقبولة بشكل واضح ، مثل حظر توسيع الناتو أو التعاون الأمني ​​الأمريكي مع دول الاتحاد السوفيتي السابق؟

ويصر آخرون على أن الولايات المتحدة يجب أن تطالب روسيا بسحب قواتها من الحدود الأوكرانية قبل الموافقة على بدء المفاوضات: يجادلون بأنه لا توجد محادثات ، بينما يتم توجيه بندقية روسية نحو رأس أوكرانيا.

لكن المؤكد تقريبًا أن روسيا ستحتفظ بقواتها وأسلحتها في مكانها حتى بدء مفاوضات جديّة، إن لم يكن أطول من هذا. بدأت روسيا حشد قواتها حول أوكرانيا من عام 2015 فصاعدًا، على الرغم من تعزيزها لأعداد قواتها مؤخرًا. علاوة على هذا، تفيد تقارير بأن بوتين أخبر دبلوماسييه في منتصف تشرين الثاني /نوفمبر أن مستوى معينًا من التوتر سيجبر الغرب على التعامل بجدية مع روسيا.

بالرغم من أن أفعال بوتين أشعلت هذه الأزمة، إلا أن إدارة بايدن وافقت بحكمة على بدء محادثات دون شروط مسبقة. وأقرت الإدارة أن بعض المقترحات الروسية يمكن أن تكون أساسًا للمحادثات، بالرغم من رفضها تمامًا مقترحات أخرى. أوضح البيت الأبيض أيضًا أن المحادثات لا يمكن أن تركز بشكل حصري على شواغل روسيا الأمنية لأن الغرب لديه قائمة بسلوكيات روسية مُهددة وغير مقبولة، تمتد لعقود من الزمن، يرد مناقشتها مع روسيا.

إن الهدف الفوري لهذه المحادثات هو نزع فتيل الأزمة الراهنة. لكن هذه المحادثات توفّر فرصة لإدارة بايدن لفعل شيء أكبر وأكثر دوامًا: تأسيس نظام أمني أوروبي يضم روسيا ويقلل من خطر نشوب أزمات ومواجهات في القارة.

يُظهر التاريخ أن الأنظمة الأمنية الجديدة بين الدول التي بينها مواقف متناقضة، مثل الوضع بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم، يتم فرضها من جانب الطرف المنتصر في أعقاب حرب كبرى.

لكن الحرب بين قوتين نوويتين ستكون كارثية لكليهما، وعلى العالم بالطبع. لهذا فإن التحدي أمام إدارة بايدن هو القيام بذلك دون مواجهة مسلحة. ويتطلب هذا إقامة توازن حصيف بين مراعاة بعض من شواغل روسيا الأمنية الأساسية – بهدف منع اندلاع أزمات بين الفينة والأخرى مثل الأزمة الحالية – والدفاع عن المبادئ والمصالح الغربية الحيوية. وبالرغم من أن هذه المهمة الأكبر قد تستغرق وقتا طويلاً، إلا أنها غير مستحيلة.

إليكم كيف يمكن تحقيق هذا..

نقطة البداية هي الاعتراف بأن المبادئ الأمريكية والروسية إزاء الأمن الأوروبي لا يمكن التوفيق بينها. يرتكز الموقف الأمريكي على فكرة أن الدول الأوروبية (لا سيما أوكرانيا) هي دول سيّدة ولها الحق في اختيار البلدان التي تتحالف معها، وأن هذا يتناقض مع إصرار روسيا على أنها بحاجة إلى مجال نفوذ في أوروبا من أجل الشعور بالأمن. من الصعب التوفيق بين هذه المواقف لأنها تنطلق من مفاهيم مختلفة للهوية الوطنية وبناء الدولة. لهذا فإن مفتاح تحقيق تقدم في المحادثات هو تجنب الدخول في نقاشات عبثية حول المبادئ الأولى والانتقال عوضًا عن هذا إلى مناقشة اتخاذ خطوات ملموسة لنزع فتيل التوترات وتعزيز الاستقرار.

إن المحادثات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا ينبغي أن تكون منتدى التفاوض الأساسي. تصرّ إدارة بايدن، عن حق، على أن حلفاءها وشركاءها يجب أن يشاركوا في المفاوضات، وأنه لا قرارات سيتم اتخاذها بشكل منفرد من جانب روسيا وأمريكا. لكن المحادثات متعددة الأطراف يمكن أن تؤدي لحالة جمود: فهي قد تسمح للحليف أو الشريك الأكثر تعنتًا بتعطيل أي تقدم أو حتى الاعتراض عليه.

إن الإصرار على مشاركة أطراف متعددة، يتجاوز حقائق القوة في القارة الأوروبية. فالولايات المتحدة، الضامن الأساسي لأمن أوروبا، وروسيا، القوة الرجعية الأبرز، هما البلدان الوحيدان اللذان لديهما القوة العسكرية القادرة على تغيير ميزان القوى. إن قدرتهما على التوصل لاتفاقيات ورغبتهما في التصرف بانضباط، سيكون لهما دور مهم في تحديد نتيجة أي مفاوضات، حتى لو كان هذان البلدان مضطرين لإقناع دول أخرى ستكون مشاركة في الاتفاق النهائي بالترتيبات التي توصلا إليها. علاوة على هذا، فإن موسكو ستتفاوض بجدية مع واشنطن، ويعود ذلك جزئيًّا إلى أن المحادثات ستُشرعن دور روسيا بوصفها القوة العظمى الأخرى في أوروبا، والسبب الآخر هو أن روسيا تعتقد أن واشنطن هي التي تتحكم في الأمور، وأن أعضاء الناتو الآخرين مجرد شركاء صغار في أفضل الأحوال.

لن يتمكن الغرب من الإبقاء على روسيا مُنخرطة بشكل إيجابي في المفاوضات إلا إذا أظهر أنه يأخذ مخاوفها بجدية وأنه ملتزم بإحراز تقدم؛ وهذا لا يعني تلبية جميع مطالب موسكو. وهناك مجالات أخرى عديدة ينبغي للغرب وروسيا، من الناحية المبدئية، أن يكونا قادرين على التوصل فيها لاتفاقيات ذات فائدة مشتركة دون تأخير مفرط، بالرغم من أنه ستكون هناك حاجة لمفاوضات مطوّلة لتحديد التفاصيل.

هناك خطة أولى ينبغي اتخاذها، وتتمثل في الاتفاق على إعادة بدء حوار روتيني عبر قنوات روسية – أمريكية ثنائية (مثل بين وزيري خارجية ودفاع البلدين) وعبر قنوات متعددة الأطراف (مجلس روسيا وحلف الناتو ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا)، مع التركيز على إعادة إحياء وتحديث إجراءات بناء الثقة خلال الحرب الباردة والتي اختفت بمرو الزمن. إن من مصلحة روسيا والناتو تجنب حوادث خطيرة في البحر والجو، لا سيما في منطقتي بحر البلطيق والبحر الأسود، حيث أصبحت مثل هذه الحوادث شائعة. ولمنع تصاعد مثل تلك التصادمات، من المفيد دراسة إجراءات من بينها تبني الشفافية فيما يخص التدريبات العسكرية – على سبيل المثال عبر توفير إنذار مسبق – ووضع قيود متبادلة على نشر قوات وطائرات هجومية وصواريخ.

هناك أمر أكثر تعقيدًا، لكن يمكن على أساسه التوصل لاتفاق مبكر، وهو الالتزام بعدم نشر صواريخ باليستية متوسطة المدى في أوروبا. وافقت روسيا والولايات المتحدة على حظر عالمي على هذه الأسلحة بموجب معاهدة حظر القوات النووية المتوسطة المدى. انسحبت واشنطن من هذا الاتفاق في عام 2019 بسبب الانتهاكات الروسية المتواصلة للمعاهدة، ولكن أيضًا بسبب رغبتها في الحصول على هامش لنصب مثل هذه الصواريخ في آسيا، حيث نشرت بعض الدول، وأبرزها الصين، هذه الصواريخ بالفعل بأعداد كبيرة. بصرف النظر عن الرواية المعلنة، إلا أن موسكو كانت سعيدة بإلغاء المعاهدة لأسباب مشابهة.

ما من حاجة استراتيجية ولا عسكرية ملحّة لنشر أنظمة سلاح نووية متوسطة المدى في أوروبا اليوم، غير أن الاتفاق على حظر نشرها سيتطلب معالجة اتهامات غربية بأن صاروخ 9M729 الروسي انتهك المعاهدة، ومزاعم روسية بأن الولايات المتحدة هي الأخرى انتهكت المعاهدة لأن الأنظمة المضادة للصواريخ التي نشرتها في رومانيا يمكن تحويلها بسهولة إلى أنابيب إطلاق لصواريخ كروز متوسطة المدى. مع هذا، هناك حلول فنية متوفرة في حال كانت هناك رغبة سياسية في واشنطن وموسكو.

إن هذه الخطوات لن تساعد فقط في نزع فتيل الأزمة الراهنة، لكنها ستمنحنا وقتًا لمعالجة القضايا الأهم والأكثر تعقيدًا – توسيع الناتو وتسوية شاملة لصراعات مجمّدة ومتواصلة في أوروبا.

أوضحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو أنه لا يمكنهم القبول بطلب موسكو بأن يوقف التحالف روسيًا أي توسّع ناحية الشرق. كما رفضوا أيضًا إلغاء “إعلان بوخارست” الصادر عام 2008 والذي فتح الباب أمام عضوية أوكرانيا وجورجيا في الناتو. كما أكّدوا على أن أوكرانيا لن يتم إجبارها على القبول بالحياد ضد رغبتها، وأن فكرة مجالات النفوذ، عمومًا، هي فكرة رجعية، بالرغم من أن دولًا غربية رئيسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لطالما كان لديها مجالات نفوذ.

مع هذا، يدرك قادة الناتو عمومًا أنه لا أوكرانيا ولا جورجيا، ناهيك عن دول سوفيتية سابقة أخرى، ستكون جاهزة لعضوية الناتو قبل سنوات – وربما لعقود قادمة من الزمن. يمكن أن يوفر هذا أساسًا لتأجيل قرار ضمّ أوكرانيا (وجورجيا)، لكن دون إغلاق الباب للأبد، وربما تقبل موسكو بهذه التسوية لأنها تعلم أن الناتو لن يقبل مطلقًا بفرض حظر تام على التوسع شرقًا.

إن إضفاء طابع رسمي على هذا التأجيل في شكل وقف اختياري مُعلن لضم أوكرانيا أو أي بلد سوفيتي سابق، لفترة محددة من الزمن، ربما 20 أو 25 عامًا، سيكون أكثر قبولًا من جانب روسيا، بالرغم من أن بعض حلفاء الناتو قد يعترضون على هذا. إن الشروط المحددة لهذا ستتطلب مفاوضات صعبة وطويلة والكثير من الخيال والصياغة الماهرة للكلمات. ربما تصرّ روسيا على حظر أي تعاون أمني بين دول سوفيتية سابقة وأي بلد عضو في الناتو، قد يُفهم على أنه تجهيز لعضوية هذا البلد السوفيتي في الناتو- تدريبات عسكرية مشتركة أو تعاون تقني وعسكري، على سبيل المثال. لكن أعضاء الناتو من جانبهم لن يقبلوا بهذا الحظر، رغبة منهم في ضمان أن يمتلك بلد مثل أوكرانيا القدرات اللازمة للدفاع عن نفسه.

مع هذا، ربما تكون هناك أرضية مشتركة كافية للعمل على معايير مقبولة لهذا الوقف الاختياري لتوسيع الناتو. ربما تخلص روسيا إلى أنه لا يمكنها الحصول على تأجيل غير محدد لعضوية أوكرانيا في الناتو، فضلًا عن فرض حظر على تلقيها معدات وتدريبات عسكرية من الغرب، والمحصلة النهائية أن التسوية الوحيدة المعقولة ستكون حول هذا الأمر؛ حيث سيكون هذا من ناحية، أقرب إلى تبني أوكرانيا للحياد – وهو ليس كذلك – ومن ناحية آخري سيحافظ هذا على مبدأ الناتو الذي يرتكز على فتح أبوابه لأعضاء جدد.

أما بالنسبة للصراعات المستمرة أو المجمّدة الحالية، فإنها تتعلق نوعًا ما بالتمرد الانفصالي. إن الهدف الأوّلي سيكون أن يحدد الغرب وروسيا الشروط المطلوبة لكي تعتبر أعمال تقرير المصير شرعية في أوروبا. في الحد الأدنى، ينبغي أن يتضمن حق تقرير المصير عقد تصويت يتم الإشراف عليه والتصديق عليه دوليًّا باعتباره حرًّا ونزيهًا، للتأكد من إرادة المجتمع المحلي، فضلًا عن مجموعة من الاتفاقيات الفنية بين الإقليم الانفصالي والدولة التي يرغب في الانفصال عنها. إن كوسوفو والقرم ربما تكونان النموذجين الأبرز والأهم في هذه الصراعات، ويمكن تطبيق هذه الإجراءات بطريقة شكلية للتحقق مما يدركه معظم المراقبين من حقيقة أن كوسوفو ستظل مستقلة عن صربيا وأن أوكرانيا لن تستعيد القرم، كما ستُستخدم هذه الإجراءات أيضًا للتوصل لتسوية في إقليم دونباس الانفصالي في شرق أوكرانيا. إن تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وسط المجتمع المحلي، بما في ذلك السكان الذين فرّوا لأماكن أخرى، سيكون مهمًّا للغاية في تحديد ما إذا كان ينبغي أن تستمر “اتفاقيات مينسك” في كونها الأساس لتسوية الصراع. لكن في ضوء شعور المجتمع المحلي بأن جميع أطراف الصراع تخلت عنه، لا أحد يعلم حقًّا كيف ستؤول الأمور فيما يخص هذا التصويت.

لقد ركز القادة المتورطون في هذه الأزمات بشكل مفهوم على خطوات قريبة المدى لتقليل التوتر. وفي مواجهة ما يعتبرونه أزمة صنعتها روسيا، ومحاولة جريئة منها لإعادة صياغة الوضع القائم، يميل القادة الغربيون للدفاع عن الوضع القائم؛ إذ إن أي شيء أقل من هذا، سيعتبرونه عملًا من أعمال الاسترضاء.

لكن هذا النظام القائم، الذي يعدّ حلف الناتو عموده الفقري، يتعرض لضغط منذ بعض الوقت، وخصوصًا أن توسيع التحالف شرقًا سيسفر بالتأكيد عن مزيد من الأزمات مثل الأزمة الراهنة، وقد يسفر حتى عن صراع مسلح، على افتراض أننا سنتمكن من منع هذا في هذه الحالة.

لقد حان الوقت الآن للتفكير بحكمة وتخيل نظام جديد أكثر استدامة بإمكانه أن يستوعب روسيا. بغض النظر عن نظرتنا إلى النظام السياسي الاستبدادي الذي يرأسه بوتين، إلا أن هناك حقيقة لا يمكن الهرب منها؛ وهي أن روسيا استطاعت تجاوز مرحلة طويلة من الضعف، وباتت ترى نفسها الآن قوة عظمى لها مصالح أمنية، ستدافع عنها، ولو تطلّب هذا استخدام القوة.

بالتالي، هناك حاجة لنظام أمني جديد في أوروبا. لكن السؤال الآن هو عما إذا كان الوضع يتطلب حربًا كبرى لكي نتأكد أننا بحاجة إلى هذا النظام الجديد، كما كان الحال في الماضي. إن المحادثات الجارية الآن مع روسيا توفر فرصة لإثبات أن رجال الدولة الحكماء يمكنهم إنشاء هذا النظام دون حرب كبرى تكون دافعًا لهذا النظام، ولا شك أن إقامة هذا النظام دون التضحية بمصالح ومبادئ أمريكا الأساسية، لن يكون عملًا من أعمال الاسترضاء لروسيا، ولكنه سيكون دليلًا على فن ماهر في إدارة الدولة هدفه زيادة تأمين الولايات المتحدة وأوروبا.

المصدر: صحيفة بوليتيكو

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى