إعلام - نيوميديا

صحافة العين الواحدة !…كتب حيدر مصطفى

|| Midline-news || – الوسط … 

الصحافة مهنة المحاذير، لا يكفي أن تتواجد في موقع الحدث كي تصنف نفسك شاهداً على الحقيقة، الأمر يتطلب منك إدارك الحدث، أبعاده كافة، جغرافيته، تاريخه، ارتباطاته السياسية والاجتماعية. ولا يمكن لصحفي أن يكون أقرب إلى الحقيقة فقط من خلال التواجد في موقع الحدث، بل من خلال قراءته متوخياً كافة التفاصيل والأبعاد المتعلقة به.

جميع من عمل في الصحافة في سوريا سواء كان سورياً أم لم يكن، وأنا منهم وقعنا في حفرة الإنحياز يوماً، كلٌ منا كان يرى الحرب والأحداث من زاويته، مأساوية الحدث كانت تشدنا نحو جزئياته وتفاصيله بكل ما نحمله من إنسانية ومشاعر في داخلنا.
يؤلمني أننا لا نتفق على جراحنا، وما يؤلمني أكثر أن جراحنا تفتقت وما زالت تتفتق بسبب مواد صحفية وإعلامية لا تستوفي المعايير المطلوبة، ولا ترتقي إلى مستوى الكارثة الحاصلة، القائمة والمستمرة منذ ثمانية أعوام.

أشهر الصحفيين الغربيين سقطوا في حفرة الانحياز والاصطفاف، ماري كولفين على سبيل المثال الصحفية التي كانت تعمل لصالح صحيفة الSunday Times وقتلت للأسف في حمص داخل حي باب عمر عام 2012 بحسب ما يروي الفيلم الذي ينسب إلى قصة حياتها الحقيقية.

كولفين واكبت الحروب في سيريلانكا وليبيا وأفغانستان والعراق ومناطق أخرى، مسيرتها المهنية انتهت في حمص، بعدما كانت ترصد تطورات الاحداث إلى جانب مجموعات من المتمردين تقول في فيلمها الموثق لرسائلها “لم يكن هنالك أي إرهابيين في حمص”، لكن ترى من هم هؤلاء الذين كانوا يحملون السلاح ويحفرون الأنفاق ويظهرون في الفيلم، ولماذا كانوا يكبرون طيلة الطريق أثناء الطريق إلى المخبئ الرئيسي في باب عمرو!

أسئلة يجب أن تطرح في مواجهة فيلم عالمي، تم تصويره باحترافية عالية ولوهلة تعتقد فعلياً ان التصوير قد تم في حمص!

كولفين قالت في رسالتها الإذاعية من داخل حمص، إن 28 ألف مدني بينهم نساء وأطفال وشيوخ ورجال محاصرون داخل الحي، وسط دوامة من العنف التي يشنها النظام السوري!

لكن كولفين لم تكن تعلم ماذا كان يحصل في أحياء الزهراء والأرمن وغيرها، لم تكن تعلم أن ذات “الثوار” كانوا يحاصرون أحياء أخرى، بتهمة ارتباطها بالنظام وعلى أسس طائفية.

أغفلت الصحفية البريطانية جوانب عدة من الحدث العام في حمص وطوقت نفسها بجزئيات مشاهداتها من مكانها الضيق في أحد الأحياء، وروت عن الحدث كما رأته من زاوية واحدة!

لا ينكر أحد أن الحرب القذرة تسبب بإزهاق أرواح الآلاف من المدنيين الأبرياء من كل الأطراف، وأننا كنا وما زلنا ضحايا لتلك الحرب، لكن المفارقة في أن تكون صحفياً مهنياً في العراق وليبيا، وأن لا تكون كذلك في سوريا، عجيبة جداً.

رسائل ماري كانت بالتأكيد عامل تأزيم بالنسبة للمشهد العام في سوريا، نظراً لصداها السلبي لدى الرأي العام الأوروبي، ناهيك عن مدى قصور أفكارها وحصرها في خانة شيطنة النظام وإغفال احتمالية وجود تمويل خارجي وأطراف دولية ترعى تلك التنظيمات والجماعات التي تمردت.

ماري كولفين وثقت مدةً من أحداث حمص على أنها حرب همجية من نظام شيطاني على شعب أعزل، ولم تتطرق إلى أي احتمالات أخرى، ما يسقطها حتماً في فخ نقص المصداقية.

شاهدت الفيلم A private war، واعتقد أنه مثالي لكل من يرغب العمل في مجال العمل الميداني، وفيه الكثير من العبر والتفاصيل التي قد يتعلم منها هواة العمل، لناحية التعامل مع المخاطر، وضرورة عدم تجاوز الخط الأحمر.

لكنه بالتأكيد فيلم مصاب بالقصور لناحية عدم قدرته على تقديم قراءة صادقة في المشهد السوري، والاكتفاء بإيصال رسائل سياسية بظاهر إنساني.

أخيراً وليس آخراً .. يُلام الصحفي الذي يمتلك كل الامكانيات لإيصال الحقيقة والواقع كما هو، ويعجز عن ذلك بسبب فشله في استخدام كلتا عينية لقراءة الحدث وأبعاده، يلامُ أكثر من أي صحفي يعمل تحت سطوة القيود.

كنت اتمنى لو استثمرت كولفين وغيرها من الزملاء الشجعان مهاراتهم لإيصال حقيقة الواقع في بلدي، من مستويات مختلفة دون استخدام أصواتهم وأقلامهم للعب دور عبثي ينسف لهم سنوات وسنوات من العمل في سبيل صحافة تناصر الإنسان، حسب ما هو مفترض.

المصدر : صفحة حيدر مصطفى على الفيسبوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى