إضاءاتالعناوين الرئيسية

صباح فخري، فنان أكبر من الكلام.. مراد داغوم

…الوسط – midline-news

.

عندما تكون الشخصية أكبر مما يمكن أن يُكتب عنها، تصبح كل المقالات سواء. ويكون الراحل ذو جلالة أسمى مما يمكنك أن تجد عنه في المؤلفات أو في الشبكة.

في البحث عن الفنان الكبير صباح فخري، ستجد كل شيء تريد معرفته، من السيرة التأريخية إلى قوائم الأعمال إلى الدراسات المستفيضة وأخبار الفن التي تتشرف بالحديث عنه.
وبعد ذلك، ما الذي يمكنك أن تقوله عن واحد من الأوابد العالمية؟ نعم العالمية، ولا أخص الأوابد السورية أو العربية، فما امتلكه هذا الرجل من قدرات خوَّله أن ينتسب إلى الموسوعات العالمية. ذلك الصوت التينورالمتفوق الصدّاح بخامة وقدرة ندر وجود أي شبيه لها تستحق أن تُصَنَّف بين الأوابد العالمية كأهرامات المايا والأزتك ومنارة الاسكندرية وشواهد جزيرة الفصح.

لذلك، أظن أن استخلاص المعلومات الفنية التي تم تركيزها كعصارة فكرية في ذهنه كما حكاها بذاته هو أجمل تأبين لهذه الشخصية الفنية الكبيرة.

إنَّ مسيرته الطويلة مع نوع محدد من الغناء، وهو التراثبكل أشكاله، جعلت منه خزّاناً هائل السعة لثروة تراثية لا حدود لقيمتها في الوطن العربي كله، فكيف استفادت الإنسانية من هذا الخزان المتفوق؟

يقول الأستاذ صباح: قام المرحوم مجدي العقيليبتدوين كمية واسعة من التراث الموسيقي تدويناً كتابياً، فتفوق العقيليعلى أبي الفرج الأصفهانيفي توثيق التراث الموسيقي العربي بتدوين موسيقي مكتوب عبر مُؤَلَّفَهِ: (السماع عند العرب) بمجلّداته الخمسة. ولكن كما يتابع الأستاذ صباحلم يبدأ التوثيق الحقيقي والصحيح لهذا التراث قبل اختراع أجهزة التسجيل الصوتي. لأن المَغنى ليس مجرد علامات موسيقية صَمَّة تتم كتابتها على سطور المدرج الموسيقي وحسب، ولأن نبرة المغني وإحساسه لا يمكن تدوينهما (كما قال)؛ وأن الكاتب عندما يستعرض كَمّاً كبيراً قد يخطئ وقد يصيب. من هنا يمكن القول أن أول فائدة للتراث الإنساني قدمها الراحل الكبير هي ذلك الكم الهائل من التسجيلات التي سيندر أن تجد موشحاً أو قَدّاً أو أي أغنية تراثية قد انفلتت من هذا التوثيق الكبير والمهم، وبصوت لن يتكرر فيما سيأتي من الأيام.

وعندما سُئِلَ عن أسماء فنانين عرب قدموا القدود التراثية بما يرضى عنه صباح فخري، فوجئت بأنه لم يذكر بالاسم سوى المغني المصري سمير اسكندراني، وأقول فوجئت لأن سميرغنى القدود بأوركسترا غربية خفيفة، وهو في  الأساس يُغني الإيطالية والفرنسية والإنكليزية. هذا الرأي الصريح الواضح يعني بشكل غير مباشر موافقة صباح فخري على موضوع تناول التراث العربي بفرقة موسيقية مغايرة للتخت الشرقي المعروف. برأيي، أجد في هذا الرضى فائدة قصوى لكل القادرين الذين تناولوا هذا التراث حصراً بشروط التخت الشرقي وقواعد الأولين الصارمة.

ورداً على سؤال طلب منه تحديد ما الذي (يجب) أن يقدمه الفنان الكبير لجمهوره قال بالحرف الواحد: (يجب على الفنان أن يقدم ما يحبه الناس، وما يحرِّك عواطفهم). لعمري إن هذا الرأي الصريح هو كاف وواف للرد على ادّعاءات من يلتحفون عباءات السلف الموسيقي ويعتمرون طربوشهمن أجل إبقاء التراث العربي ضمن سجن ما يتخيلونه صحيحاً للحفاظ عليه.

في السياق، أود الإشارة إلى أمر نفذه صباح فخري فعلياً لكنه لم يذكره في معرض ردّه على سؤال عمّا يغنيه في الدول الغربية ليجذب اهتمام المستمع الغربي، فالمستمع العربي الموجود في الحفل ذاته يحب كل أعمال التراث العربي.أجاب صباح فخري: (أنا أختار من التراث ما هو مبني على مقامات يفهمها الغربيون كالنهوند والعجم المقابلين للسلمين الغربيين الصغير والكبير). لكن ما لم يذكره هو أنه مثلاً في حفل قاعة (قصر المؤتمرات Palais des Congrès) في باريس عام 1978 اجتهد أن ترافقه فرقة تليق بمقام حفل وجمهور ومكان كهذا. بعد الاستقصاء، توصلت إلى أن الفرقة وترتيبات الحفل موسيقياً كانت بالكامل بجهود وإعداد وإشراف الوزير السابق الدكتور والباحث الموسيقي سعد الله آغا القلعة“. يمكنني أن أقول أنني ما عدت أستسيغ سماع أي حفل سواه بسبب تلك الأناقة الموسيقية الفريدة المرافقة للغناء، وذلك الدسم الذي يشبع القلب والأذن كسيل متدفق من مجموعة الوتريات المتميزة في تلك الحقبة من حفلاته الدولية. ما زلت أجهل لماذا اهتم الفنان الراحل بالحديث المستفيض عن الصعوبات التي واجهته خلال الحفل وما بعده بخصوص نشر الحفل عبر شركة إنتاج فني عالمية، ولا عن اهتمامه بالتنويه لمهندس الصوت أو مقدم البرامج بدون أن يذكر الفرقة المتميزة التي كانت سبباً رئيسياً في نجاح الحفل. كان افتتاج الحفل عزفاً مَهيباً لمقطوعة (سماعي كورد طاتيوس) الخالدة.

لروح الفقيد الكبير رحمات الرب الواسعة، مع أحر التعازي للفن العربي ولنا جميعاً، وسيبقى ذكر الكبير صباح فخريط مؤبداً في أفئدة العرب جميعاً.
.

*(مراد داغوم  مؤلف وموزع وناقد موسيقي  سوريا)

.

رابط الحفل الرائع في صالة قصر المؤتمرات في باريس 1978:

https://www.youtube.com/watch?v=-lD4zz0-SZo

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى