إضاءاتالعناوين الرئيسية

“شوّه العالم، وعلّمنا”..  فدوى خصاونة

|| Midline-news || – الوسط
.

جرّب أن تلقي حجراً صغيراً في بركة ماء راكدة تظهر على صفحتها صورتك، ستكون النتيجة دوائر تبدأ صغيرة ومن ثم تكبر وتكبر لتغيب ملامحك وتضيع فتظهر صورة مشوهة مسخ، وتنتظر بعدها ليعود الماء إلى سكونه.
فيروس “كورونا” شوّه العالم، وغير تضاريس الحياة، و جعل من الناس أسرى مقيدين مكممين. فعلى الرغم من كل القبح الذي يملأ وجهه؛ فعل ما لم تفعله أقوى قوى العالم.

كلنا متفقون أن عام 2020 هو عام الحزن، عام الموت، عام مشحون بالبؤس، عام عادل! فقد تساوت فيه كل الدول وكل الطوائف والملل؛ فنزل عليها ضيفا ثقيل الظل لا يميز بين حاكم ومحكوم قوي وضعيف غني وفقير؛ عدالة “كورونا” الفيروس الذي أوقف العالم كله على ساق واحدة.
كنا وما زلنا، ضحايا.. لكن كلنا يملك الحل! فالفيروس لا ينتقل وحده بأي حال ولكن الإنسان دافع عن انتشاره في كل العالم وكان شعارنا: تأجيل كل الأعمال إلى إشعار آخر.
يكفي أن نقول أننا عشنا في 2020 وحتى الآن، مجموعة أعوام مختزلة في عام واحد. وكم نتمنى أن نطوي صفحته بل  نمزقها و نلقيها قبل أن تمتلئ بالحبر الأسود أكثر فأكثر، ولكن ما قيمة الورقة البيضاء دون حبر نستلهم منه العبر.

عجبت لمن لم ير في الموت واعظاً! فلا نكاد نرى بيتا إلا وقد خيم عليه الحزن لفقدان أب أو أم أو اخ أو جار أو صديق، وهل في الحياة أقسى من الموت والفراق؟
ولأن الوباء و الموت هما أيامنا الحالية، ولا نملك إلا أن نرضى و نتأنى في الحكم على هذه الفترة التي صنعت الفرق في كل مناح الحياة، وأدخلتنا عالم ثقافي جديد” نعم ثقافة جديدة! فقد تعلمنا دروساً عجزت كل المدارس والجامعات عن ترسيخها في وجدان الإنسان.
تعلمنا أن نخرج من إطار الشكليات والأنماط الحياتية التي عشناها أعواما طويلة، وباتت مظهرا اجتماعيا أصيلا، فأدركنا أن الزواج لا يحتاح إلى كل ذلك الصخب والإفراط وكما يقولون “العروس للعريس والجري للمتاعيس”.
تعلمنا أن العزاء هو مشاركة وشعور وليس تجمعات واجتماعات ووجبات غداء وعشاء يقدمها أهل المتوفي لإرضاء المواسين.
تعلمنا أننا نستطيع أن نتأقلم ونتعايش مع كل الظروف، فأعياد الميلاد لا يلزمها شموع معطرة وكعكة بعدة طبقات، ولا يلزم كل ذلك البذخ والتبذير، فإن المبذرين إخوان الشياطين.
تعلمنا آباء وأمهات أن نعود إلى المراحل الدراسية؛ للمذاكرة من جديد والتواصل مع الأبناء واللعب معهم. فأدركنا أن الأسرة هي الرابطة الأقوى، ولمة العيلة، طمأنينة وسلام، ففاحت رائحة الخبز في البيت، و تبادل الجيران أطباق الطعام، وأصبحت البيوت مكانا للعبادات والصلوات؛ فحيثما تولوا فثم وجه الله.
تعلمنا أن البعد أحياناً هو أمان وعافية وقرب ومحبة، فصار شعارنا: إذا كنت تحبني لا تقبلني لا تقترب مني، واجعل بيني وبينك مسافات.
وهكذا ترك لنا فيروس “كورونا” إرثا ودروسا، ونظاماً وعالماً جديداً، وتأشيرة عبور واجتياز العقبات. فعسى لا نركن إلى الأيام ولا الشهور ولا السنين؛ فالأيام لا تكون سعيدة ولا حزينة ولا وفية ولا غدارة ولا حتى حلوة أو مرة؛ نحن المسؤولون عن كل هذا وبأيدينا نفرش الأرض ببساط الفرح والورد وبالعمل النافع نحقق النجاح.
فما أحوجنا اليوم إلى هذه الثقافة.. ثقافة التعامل مع الحياة في ظل الأوبئة.
.

*كاتبة من الاردن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى