العناوين الرئيسيةحرف و لون

شهداء أحياء .. د.غادة سعيد

|| Midline-news || – الوسط …
.

في الخارج كانت الحياة “مبتلة” وأكثر جمالا وكان المطر وبقايا السواتر وأطلال العمارات وروائح الموت تتربص بالنهار..
استفاق لاهثًا، خائفًا، متعبًا، ملهوفًا متسارع النبض.تلمس صدره. شعر بألم حاد، وبقايا كابوس يمخر روحه… يأبى أن يتوارى. استحضرها عمدًا، كما كان يشتهيها حلمًا، وهي بعيدة عن يديه:
كالعدالة..!
شريط سريع، مرّ في خياله لم يقطعه سوى ألم شديد يتزايد مع مرور الوقت وغضبٌ “ساخن” يُرعشُ” أصابعه..
“كابوسهُ” كان بالالوان، واحتاج ليوسف “النبي” وحكمة تفسيره، بعد ثماني سنوات حربٍ عجاف.
أشعل سيجارة ورشف من بقايا ثفل فنجان قهوة بائت. قَلّبَ صورتها المركونة داخل محفظة نقوده. مرّر عليها أصابعه الخشنة صحبة القلق الذي شاطره المكان و الزمان والذاكرة… خاف أن يجرح خذّ وجهها البض.
شدّ جبينه بأصبعيه ضاغظا، بقوة، على صداع مفاجئ، ربّما، كان فقط حسرةً…
تحسّسَ بدلته العسكريّة المثقوبة. شعر مع نبض القلب لحياة مرّتْ على عجل. تذكر:
وجه أمه وهي تودعه في آخر إجازة… صوت أبيه وهو يلعن الخونة مطفئًا التلفاز..
تذكر أخته وصديقتها الجميلة التى رأها لمرة واحدة قد لا تُعاد، وعلِقتْ على حائط ذاكرته..
تذكر أيضا، الطريق إلى بيته المنزوي وحارته القديمة القابعة أعلى الربوة..
وأكثر ما تذكره جنازة صديقه الشهيد الأول في بلدته وصورة والده في آخر الموكب و ساقاه غير قادرتين على حمله، كما كان يقول..
تذكر طفولته… أولاد حارته… قائده و هو يحثه على الثبات في الموقع مهما كلف الأمر من تضحيات..
فالوطن أغلى من الأرواح البشرية!.
قفز، على عجل، من سريره الذي هو عبارة عن صناديق ذخيرة مركونة وسط الخيمة المسبقة الصنع التي زُوِّد بها موقعهم، حديثا.
هو ينتمي للقوات الجيش، بعد تخرجه من الجامعة وتوصله بأوامر التجنيد بدل وظيفة مدنية.. كان يحلم بها طول عمره.
اقترب من المرآة..
المرآة عبارة عن جزء مكسور من مرآة شاحنة. ثُبثتْ إلى عمود خشبي مركزي وسط، بمسامير واضحة الابعاد..
سرّح شعره بأصابعه إلى الأعلى، بعد أن خلله بقليل من الماء، و أعاد قبعته العسكرية..
بدأت الشمس ترسل ضوءها من خلف الجبال ومتاريس العمارات.. لييدأ يوما جديدا، لا يدرك أحدٌ كيف ينتهي..!؟
هدير الطائرات، وصرير نافدة تحن للمسة صبيةٍ… وصوت حفيف الصنوبر راحوا يعزفون موسيقاهم على إيقاع ندف الثلج المتساقط، فيغطي بجماله و روعته على صوت أزيز الرصاص..
وعلى صور ذلك الحلم المزعج..
تذكر عبارتها الأخيرة على الهاتف:
– سنتين يا  زلمة، مو معقول! كل هذا الوقت وأنتَ بدون إجازة..؟! شوف يا ابن الناس إذا أنتَ ما بدكْ تطلع إجازة.. بدي اطلع أنا لعندكْ..؟؟
تبسم وهو يرتب هندامه ويعيد حزامه العسكري إلى وضعه الصحيح..
انحنى يدهن ويمسح حذاءه العسكري، وألم صدره لا يفارقه. وضع يديه من جديد على قلبه، وأغمض عينيه، يُبسملُ و”يتوعد” الشيطان الرجيم.
تلك الخلوة النفسية بددتها، لمسة باردة على جبينه وضحكة من صديق السلاح و العلَمِ، و هو يربت على كتفيه، متمنيّا له حظًّا سعيدًا…
– حان موعد اجازتكَ من الجبهة والموت المنتشر “هون” صديقي.. قائد الوحدة يأمركَ بأن تكون جاهزًا بعد ساعة لترحل مع الشاحنة القادمة إلينا.. مبروك صديقي.. ألف مبروك.. تمتع جيدا بإجازتك..
أمام هول المفاجأة. سقطت دمعتين على خديه وهو يعانق رفيقه.. ثم همس له في أذنه:
– عن أيّ إجازة تتحدث وأنا لا أملكُ فلسًا واحدًا.. ومستحقاتي الشهرية لم تصرفها الإدارة في دمشق منذ أن التحقتُ بالجبهة..؟
أخرج من جيبه ورقة “ألف ليرة” والتي أهدتها له حبيبته ، حين ودعها قبل سنتين؛ وكلّ ما اختلى بنفسه كان يشمُّ عطرها.. أو بقايا لمسة عطر حبيبته الجامعية.
شدها من طرفيها، تمعّنها باحتقار شامت، ثم أعادها إلى أسفل جيبه. أخرج يده بعناية فائقة، كي لا تخرج معها و يفقدها..
استلقى من جديد على السرير العسكري الوحيد في الخيمة.. و بانتظار الفرج و”ورطة الإجازة”. يسند رأسه المثقل بين أصابعه المتشابكة، يغط بشرود عميق و دمعتان تطفران من عينيه و تتسابقان على خذه الأسمر..

.

 

*أديبة وناقدة سورية.. بورتو- البرتغال
(اللوحة من الفن التشكيلي السوري.. معرض “بورتريه لشهداء الوطن”- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق