إضاءاتالعناوين الرئيسية

شفّاف ، ولكن ! .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 .

بانتظار أن تبدأ مباراة منتخبنا الوطني لكرة القدم مع منتخب استراليا جلست مع مجموعة من الأصدقاء لمتابعتها بكل شغف، ورجاء أن يمنَّ الله علينا بالتأهل إلى كأس العالم هذه المرة، فقد آن لنا أن نشهد تلك اللحظة التاريخية التي كنا ولم نزل نترقبها منذ أن ولدنا، وكل ما نخشاه أن ينقضي العمر من دون رؤية منتخبنا يلعب مع أبطال العالم.

وقبل أن تبدأ المباراة بدقائق رأيت على إحدى القنوات الفضائية المحلّية وجهاً لشخص شبّه لي أني أعرفه. استوقفت صاحبي الذي يقلب القنوات التلفزيونية لبضع ثوان ريثما أستمع لهذا الشخص ماذا يقول، فإذا به يستعرض بصوت أجشّ إنجازاته اللا محدودة في مقابلة له مع مجموعة من الإعلاميات الفاتنات، اللواتي كنّ يتحلّقن حوله باسمات، تكاد ثيابهن الضيقة تخنق جلودهن فيبرز عظيم دسمهن.

كان ذلك الرجل يتحدث بوجه مفعم بالحيوية والنشاط عن ضرورة اعتماد مبدأ الشفافية الذي يجب أن يتحلّى به كل شخص مسؤول في هذا الظرف الصعب الذي يمر به الوطن الجريح، وضرورة تعاضد أبناء الشعب الواحد وتكاتف وتلاحم الجماهير لدحر الأعداء، وبشكل خاص أعداء الداخل، الذين هم أخطر وأشرس من أعداء الخارج، الذين يستنزفون ثروات الوطن، ويعتاشون على قوت المواطن.

يا الله، لم أكن أتصور يوماً ما أن أرى شخصاً بشفافية كهذه. كنت أستطيع لشدة شفافيته أن أرى حتى قفصه الصدري، الذي بان واضحاً كقفص العصافير. كان قفصاً مؤلفاً من اثني عشر زوجاً من الأضلاع تحمي قلبه ورئتيه الفحلتين، اللتين توشحتا بعديد البقع السوداء، بقع ناجمة-على الأغلب- عن تدخينه السيجار الكوبي، لأن البقع الناتجة عن السجائر الكلاسيكية أو النارجيلة قلّما تظهر بسواد كالح كهذا، حيث كانت أقرب للون البني الداكن منه إلى السواد. أما معدته فقد كانت كبيرة كمعدة جمل، احتلت معظم بطنه الأعلى. والغريب في الأمر أن شدة شفافيته أظهرت لي أن الطعام في أعلى معدته كان غير مهضوم، وقد كان معظمه مكّوناً من أكلة شعبية معروفة جداً هي “لسانات ونخاعات”. أما بقية أحشائه كالكبد والطحال والمرارة والبنكرياس والكليتين فلم أستطع – للأسف – أن أراها بوضوح، فلقد كان ذلك الشخص قصيراً نوعاً ما، كما إن إحدى الإعلاميات كانت تراوح في مكانها، ما أضعف التعرف على بقية شفافيته. أما جمجمته فقد بانت بشكل جلّي، فارغة من أي مخ أو مخيخ، وحتى من دون بصلة سيسائية، لكن عظميَّ السمع، المطرقة والسندان، كانا واضحين، وفي مكانيهما المعهودين. أما لسانه فقد كان غليظاً، أقصد سميكاً، وطويلاً جداً، ملتفاً على بلعومه كأنه حية راقدة في سبات شتوي.

سألت أصدقائي الجالسين بقربي، هل ترون ما أرى؟، هل ترون هذا الرجل كم هو شفاف؟ قال لي أحدهم وهو يبتسم: لعلك لم تره منذ مدة طويلة، لقد كان منذ نحو سنتين أكثر شفافية بكثير، لقد كنت تستطيع من شدة شفافيته حتى أن ترى شبكة شرايينه وجميع أوصاله، وحتى أن تتحسسّ معظم خلاياه وعصبوناته، أما الآن فقد أصبح أقل شفافية، فقد سبقه إلى المستوى الأعلى من الشفافية كثير من زملائه. قلت له: طيب، ما دمت تعرف عنه الكثير، وربما أكثر مما قلته لي الآن، قل لي بربك كيف كانت شفافيته من عند خصره وإلى الأسفل؟ قال لي صديقي ضاحكاً: عيب عليك أن تسأل عمّا تحت الحزام، بل عار علينا جميعاً ونحن في هذا العمر المتقدم أن نتحدث عن شفافية هذه المناطق من الجسم. ثم أردف يقول: لقد كان كثيراً ما يحاول إخفاء شفافيته التي تحت خصره، حتى إنه في كثير من الأحيان كان يضطر أن يلبس درعاً مضاداً للشفافية، وبخاصة أمام معشر الصبايا في المطاعم والنوادي والملاهي الليلية. قلت لصديقي: لقد فهمتني خطأً يا حبّاب، أنا أقصد هل كانت شفافيته تنبئ عما في جيوب بنطاله مثلاً؟، هل كانت جيوبه شفافة بما يكفي لتعرف كم معه من النقود مثلاً؟ قال لي: لا، أبداً، لقد كان يتقصّد أن تكون جميع سراويله بلا جيوب، فهو لم يكن يرغب في حمل النقود، على الإطلاق، وكان يقول في جميع مجالسه دائماً إن رواتبه ينفقها فور قبضها، بكل طيب نفس، على الفقراء والصالحين من المساكين، لأن ما ورثه عن جده المتوفى في موزامبيق من مال وفير كان يكفيه، ويكفي أولاده، وسيكفي أحفاده طول العمر. وهكذا، انقطع الحديث مع صديقي عن ذلك الشفاف مع بداية مباراة منتخبنا المرتقبة.

ذات مرة، كنت مسافراً إلى بيروت، فتوقفت في “السوق الحرة” لأشتري ما طلبته مني حفيدتي الحبيبة ياسمين، وهو بيض الشوكولا، المعروف ببيض المفاجآت من شركة “كيندر”. أما الغريب في تلك السوق فكان ازدحامها بعشرات الأشخاص الشفافين، لا بل الشفافين جداً. لقد كانت أقفاصهم الصدرية خاوية من الرئات، وجماجمهم محتقنة بالتراب، جيوبهم كانت تنضح نضحاً بالعملات الصعبة، يورو على دولار على إسترليني، بالرغم من أن سراويلهم كانت سميكة القماش، وقاتمة جداً. كنت تراهم كالسكارى، يترنحون يميناً وشمالاً بين رفوف البضائع، ويسحبون منها إلى عرباتهم كل ما تطوِّقُه أيديهم، مشروبات، سجائر، شوكولا، بضائع متنوعة لا حصر لها، من دون النظر إلى سعرها أو كمياتها، يتبضعون وكأنهم لن يعودوا إلى هذا المكان مرة أخرى في حياتهم، ثم يقف كل من انتهى الشراء منهم في صف طويل ليحاسب عامل الصندوق حاملاً بيده، جهاراً نهاراً، رزمة ثخينة من العملة الصعبة، منتظراً زميله الذي قبله ليدفع أولاً. وقفت أمام الرف الذي فيه مطلب حفيدتي، نظرت إلى السعر فوجدته ما يعادل نحو 4000 ليرة سورية للعلبة الواحدة التي تحتوي خمس بيضات من الشوكولا. حملت علبة واحدة ووضعتها في عربتي متَّجهاً إلى الصندوق الذي كان يزدحم بصف طويل من أولئك الشفافين. قلت في نفسي، وأنا أتفحص جودة بيضات الشوكولا في العلبة التي اخترت، قبل أن أدفع ثمنها: والله إنه لغلاء فاحش، خمس بيضات بسعر أربعة آلاف ليرة، شيء غير معقول. مع ذلك فإنني لن أرفض لحفيدتي الغالية طلباً ما حييت.

وفي صدفة لا تحدث إلا قليلاً وقفت في الصف الطويل لأدفع ثمن ما أردت شراءه، فإذا بي مباشرة خلف ذلك الشفاف الذي كنت قد رأيته في التلفاز عندما كنت أنتظر بدء مباراة منتخبنا الوطني. تذكرت في تلك اللحظة كيف قال لي صديقي أن لا جيوب في سرواله، لكنني في هذا اليوم رأيت عكس ذلك، فعلى ما يبدو أن شفافيته قد تأثرت بالغبار في الآونة الأخيرة، فقد أصبح لديه جيوب كثيرة، متخمة برزم من العملات الصعبة، والسهلة أيضاً، نقود تزاحمت في سرواله المعفّر بالتراب. قلت له مبتسماً: أهلاً بالأستاذ العظيم، إنه لشرف كبير أن أراك على حقيقتك، قصدي أن أراك شخصياً، وليس أمام الكاميرا. يا الله، ما أروع تلك الشفافية الرقراقة التي تمتلكها؟ إنها لعمري من أبدع ما شهدت في حياتي. ابتسم لي ذلك الشفاف معبراً عن إعجابه بإعجابي به، ثم قاطعني عن متابعة الحديث في موضوع الشفافية قائلاً: أيا صديقي العزيز، هذه عربتك شبه فارغة، وعربتي متخمة بالأغراض، هل لي أن أضع معك بعضاً من بضاعتي ريثما يحين دوري بالدفع، ولا تخف، فبالطبع أنا من سيحاسب عليها. قلت له: “فور شور” أيها العزيز، لكن انتبه أن تدفع للصندوق ثمن بيضاتي. قال لي مبتسماً: كلا وألف كلا، سأدفع عنك ثمن بيضاتك لقاء مساعدتك لي. قلت له: أبداً أبداً، البيضات خط أحمر، ولا أسمح لأحد أن يساومني عليها، لكنني أود أن أساعدك مجاناً، وبكل سرور. وما إن وصلنا سوياً إلى محاسب الصندوق حتى رأيته قد سدد ثمن كل ما احتوت عربته وعربتي من بضائع. قلت له: إذا سمحت، لقد سددت ثمن علبة بيض الشوكولا خاصتي ثمانية دولارات، هاك عشرة مني، وردَّ لي الباقي. قال لي: للأسف، لا أملك دولارين منفردين، لكن يمكنك أن تأخذ بدلاً عنها ما شئت من أغراضي،” زجاجة فودكا، كروز دخان، زجاجة ويسكي”، خذها عن طيب خاطر. قلت له معاذ الله أن آخذ منك شيئاً، سأسامحك بالبقية لقاء ما شهدت لديك من شفافية تلفزيونية مذهلة.

خرجت من ذلك المكان فرأيت وأنا في طريقي إلى سيارتي مجموعة من الشفافين يقفون قرب رتل من السيارات الفارهة. كانوا لا يتكلمون مع بعضهم أبداً، وإنما يتبادلون النقود وحسب، هذا يدفع لذاك، وذاك يأخذ من هذا. حملت كيس بيض الشوكولا فرحاً بتلبية طلب حفيدتي الحبيبة، عساها أن تدفع يوماً ما ثمناً لها قبلة ترد لي الروح.
.

*(وزير التعليم العالي السابق- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق