العناوين الرئيسيةحرف و لون

شجرة “الأوزّابة” .. د.محمد الشميري

لوحة: ماهر النائب

|| Midline-news || – الوسط …

.

 قبيل المغرب ، الخامسة والنصف تحديدا ، اعتادت على تفقد علبتها البلاستيكية التي حولتها لحوض يحتضن مجموعة من المشاقر ونباتات عطرية متنوعة ، كانت تحدثهن واحدة واحدة ، همسا ومناجاة . اقتربت ذات مساء من ( أوزّابة) وحيدة ، رأت سرب (ذر) نمل صغير يتسلق جذعها النحيل ويعود من الجهة المقابلة ، يصطف الجميع ثم يغادرون الحوض . لم تجد تفسيرا مقنعا خصوصا أنها لم تجد أي أثر أو تآكل ، سقتها بصمت ثم جلست على كرسي خشبي مشدود بحبال سعف النخيل. فجأة عاد زوجها واتجه مباشرة نحو الحوض ، أخرج عودا من فتحة في جدار السور وحرك به الطين ثم عاد لعمله دون أن يحدثها بشيء ! انتظرته عند العاشرة فلم يعد، حاولت الاتصال به، بعثت له أكثر من رسالة …..
ست سنوات مضت وسرب النمل لم يغادر تفكيرها ، وزوجها لم يتحدث ..! “الكتابة نسيان مع سبق الإصرار والترصد”، قالها أخيرا وهو يفتح دفتر مذكراته بعد أن أخرجه من خزانته المتخمة بالقصاصات البالية . _لنخرج من الغرفة . وضعت أمامه فنجان قهوته الخفيفة بدون سكر ، وقطعتين من معجنات التمرية _ هكذا إفطاره _ظل صامتا حتى انتهى من تناول ماقدمته له ، طلب منها قراءة الفصل الأخير من سيرته الذاتية . ” الحرب ليست غبية أبدا ، الأصدقاء وقودها الأزلي، إنهم ينجبون كثيرا ويدعون الله بالهداية والصلاح ، وكلما تناست السماء ثرثراتهم قرروا الدفاع عن ربهم وإطلاق سراحه ! ” كنتُ الوحيد بينهم أحترف العقم ، لم أعد مجرد هاوٍ مبتدئ ، فقد مرت عشرون سنة على زواجنا ، كل الذي فعلناه : استبدال سقفنا الترابي ، نقلنا المشاقر بطريقة علمية إلى حوض بلاستيكي جيد التهوية ، جلبنا لها السماد وحبوب منع الحمل، جعلناها قريبا منا ، نطل عليها حتى من نافذة الغرفة قبل شروق الشمس وعند الغروب . “الحرب مازالت طرية ، طرية جدا تماما كابتسامات أطفال المدارس عند فسحة العاشرة “… _أعرف أنك الآن تشبهين تلك ( الأوزّابة ) تتخطاكِ أحلام الصغار ، تغادر جذعك النحيل ولاتأكله. لو أن لي كل هذه الحرب ، لو أن قلبي مدرسة ، لو أن عود السور محراثا والكلام بذور ، لأنجبت منك أطفالا يطلقون الضحكات ويكسرون أقلام الـ ( رصاص.

 


*شاعر وقاص- اليمن
*(اللوحة للفنان التشكيلي ماهر النائب- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق