العناوين الرئيسيةالوسط الفني

شادي جميل: كل أغنية تنبع من بيئة محلية هي أغنيتي وأغنيتك وأغنيتنا جميعاً

يضفي على التراث أغانٍ حديثة اللحن والكلمة لمجاراة العصر ومحاكاة الشباب

|| Midline-news || – الوسط – حوار روعـة يـونـس …

كرمت وزارة الثقافة السورية مؤخراً الفنان القدير “شادي جميل”، أحد صروح الأغنية التراثية والقدود الحلبية، على أدواره الكبيرة في إحياء التراث الفني والمحافظة عليه، وإسهاماته الكثيرة لتجديد الأغنية التراثية وبث روح الحداثة فيها بما يضمن استمراريتها بإيقاع حيوي معاصر. إذ لم يتوقف فيها عن سحر الغناء وبذل العطاء كي يرتقي بفنه الطربي ويفتح نوافذ قدراته الصوتية باتجاه السماء.

يتردد أن سبب نجومية ضيف حوارنا دعاء ديني “يا ربّ يا عالي شوف عبدك، جبرته آه برضاك وشملته”. بينما في الحقيقة سبب نجوميته، صوته الرقراق وفنه الدفاق وإبداعه الخلاق. فأياً يصف النقاد والجمهور فناننا الكبير، فإن حارس التراث الحلبي “شادي جميل”، بفضل فنه النبيل رفع رأس مسقط رأسه..

“الترتيل والتجويد”

لنقف قليلاً مع البدايات، فلدينا جمهور قراء شباب يرغب بمعرفة أولى خطواتك مع الطرب الأصيل. هل تعتقد أن أساتذة الفن الحلبي مع الجمهور “السميّع” في حلب، ساهموا في تشجيعك ونجاحك؟ وفي الوقت عينه ألم تشكّل إقامتك في حلب عائقاً نحو المزيد من تألقك المحلي كونك بعيد عن العاصمة دمشق؟

  • نشأت في طفولتي أرتل في الكنيسة، والترتيل كان النواة، ثم صرت أميل إلى القدود الحلبية، وكان المطران “نوفيطيوس إدلبي” سمعني ضمن الكورال وهو أول من شجّعني. وفي البدايات تأثرت كمُطرب بالأستاذين صباح فخري ومحمد خيري كونهما مطربي تراث ومن مدينتي حلب. ثم كان للأساتذة عبد الرؤوف حلاّق والأستاذ عبد الرحمن مدلل الدور الكبير في تعليمي تجويد القرآن الكريم وأحكام التجويد. ثم احترفت الغناء من دون تخطيط مُسبق! جاءت الأمور بشكل عفويّ وتلقائي، رغم اعتراض والدي على غنائي، مع أنني ورثت عنه قدراته الصوتية. لكن إصراري على الغناء كان كبيراً لشعوري أنه لن لا يليق لي شيء سوى الفن. وعلى العكس من توقعاتك! كانت إقامتي في حلب هي السند لي كونها تُحافظ على هذا التراث، وهي أنجبت كبار الملحنين المؤلّفين والعازفين. أنا لا أتحيّز لمدينتي فهذه هي الحقيقة. الأصوات القوية التي لديها مساحات ويمكنها أن تقف وتُغنّي لثمان ساعات متواصلة دون إرهاق وتعب موجودة في مدينة حلب. لكنني أفهم مغزى الشطر الثاني من سؤالك، إذ أن من غادر حلب حقق شهرة واسعة، ربما لأن دمشق عاصمة الفن والموسيقى والحفلات والعلاقات العامة والإعلام والشهرة.

لمَ أطلقت عشرات الأغاني “الخاصة” الجديدة المعاصرة ذات الطابع الطربي الذي يحاكي القدود الحلبية والتراث، في حين لم يجرؤ على المغامرة والإضافة إلى التراث والتجديد به غيرك من الفنانين الذين يعيشون على القدود والمواويل؟

  •  الحقيقة لدي 120 أغنية خاصة بشادي جميل ومن انتاجي الشخصي. كيف ذلك؟ الرب قال قم يا عبدي لأقوم معك. يعطيني العشرة فلا أدخرها وأكدسها! بل أنفق التسعة على الألحان والقصائد ومحاولة تجديد التراث دون المساس به. وذلك لهدف نبيل. فكي أتمكن من إبقاء هذا التراث مستمراً أضفت عليه أغانٍ حديثة اللحن والكلمة تتمكن من مُجاراة العصر اليوم، وبذا نستهدف الجيل الجديد ونجلبه إلى أغانينا المعاصرة والمحافظة على روح التراث في آن معاً. وكما ترون الناس أحبت أغنياتي الخاصة (عايل ماني عايل، يا حبيّب، يا ام المحرمة، رشرش حبك وانسى غرامك راح) وغيرها، بخاصة أنني لم أرغب أن أكون مقلداً أو رقم 2، فخرجت من العباءة لأكون نفسي، بينما كان للآخرين قناعاتهم وخياراتهم الآمنة –ربما- التي لا مغامرة ولا تجديد فيها.

“شروط واستفزاز”

أخبرنا المايسترو جلال جوبي رئيس فرقتك الموسيقية أنه بالرغم من محبتك وتعاطفك واحتضانك لفرقتك، فإنك لا تقبل عازفاً غير دارس للموسيقى، ولا يجيد النوتة الموسيقية كتابة وقراءة. واتقان اللغة الفصحى وسلامة مخارج الحروف مفروضة على الكورس، هل نحن أمام فنان داعم للدراسة الأكاديمية الموسيقية؟ أم أن اشتراطك هذا، مرده سببه آخر؟

  • يجب أن يكون كل من المطرب والموسيقي مثقف لغوياً وموسيقياً. وكذلك دارس للموسيقى والنوتة والصولفيج، خاصة إذا كان يقدم فناً طربياً وتراثياً. فغناء الفُصحى والموشحات يحتاج إلى مُطرِب متمكّن من مخارِج الحروف والعِرَب وأحكام التجويد ليكون الغناء سليماً أخّاذاً. وبالتالي على الموسيقي أن يكون متبحراً وأكاديمياً في موسيقاه يكتب ويقرأ النوتة كي يتوحد مع المطرب ويتناغم معه ويكونان وجهان لقلب واحد. فالحرص على الفن عامة وعلى فني خاصة هو سبب شروطي ولا سبب آخر هناك”.

شاركت في برنامج “حرب النجوم” ونافست الفنانة فلّة، وهي إن توافقني ذات صوت رائع. كيف تمكنت من الفوز عليها؟ وثمة شطر آخر للسؤال: لمَ شاركت في هكذا برنامج، هل حقاً كنت تريد اكتشاف قدراتك والتأكد من فوزك؟

  • لا.. لا.. هذا سؤال استفزازي. لكنه أعجبني لأنه يتيح لي الرد لأول مرة. وأنا حقاً أرغب بتوضيحين: الأول نعم كما قلتِ الفنانة فلة صاحبة صوت رائع وقدرات كبيرة. والفوز بالبرنامج يتصل بالمخزون المعرفي لتاريخ الأغنية العربية والثقافة الفنية الرفيعة، خلا الصوت والأداء الجميلين. والأهم هنا توضيحي بأنني فقط شاركت لأجل هدف البرنامج الإنساني حيث يتبرع الفائز بمبلغ الفوز لصالح جمعية خيرية. وعمل الخير كان هدفي (يضحك) لا لقياس قدراتي الصوتية والمعرفية.

“الله يسامحه ويشفيه” (!)

* يحبك الإعلام العربي ويستضيفك دائماً في برامجه سواء لبنان أو مصر أو دول المغرب العربي وكذلك الإعلام في دول المهجر، هل أنصفك الإعلام المحلي؟

  • الحمد لله إذا كنت من الفنانين المحبوبين في الإعلام العربي. مع أنني لست من أصحاب الفرقعات الإعلامية والفبركات ولا حتى “السكوبات”! لا وشايات تصدر مني ولا إشاعات حولي. يحاورونني في برامجهم ويتوقون لسماع صوتي، وخلال عام واحد حللت ضيفاً في برنامج “بيت القصيد” مع الإعلامي زاهي وهبي، ومع الإعلامية رابعة الزيات. وفي مصر عبر عدة فضائيات وبرامج. والحقيقة الإعلام السوري بات مؤخراً أقرب إلي ومني، وبدأ يهتم أكثر، بدليل أن عدة برامج استضافتني منها “أهلا بهالطلة”، وبرنامج “نجم الاسبوع”، فضلاً عن تكريمي مؤخراً من قبل وزارة الثقافة، ودار الأوبرا السورية.

ربما انقضى زمن التعتيم عليك؟

  • اممممم ..لم أفهمك!

لدي إحساس أرجو أن تخيّبه! بأنك ستتهرب من الإجابة على سؤالي الواقعي والمعروف والمكشوف لدى كثر! ألم يتم قمع ظهورك ومنع انتشارك في الساحات المحلية، وأنتَ على ما أنت عليه من عظمة صوت وفن؟ عموماً، ثمة سؤال آخر يحمل الدليل على صحة رأيي؟

  • (يطول صمته ثم يقول) بل سأخيب إحساسك.. طالما تقولين أن الأمر مكشوف ومعروف! لن أنكر، وسأقول يبدو أنني شكّلت حالة أو كما قيل لي ظاهرة استقطبت الجمهور إليها. فحاول البعض أو أحدهم إعاقة ظهوري الإعلامي وانتشاري. لكنني صمدتُ وثابرت. فهاتي دليلك الآخر!

دليلي على وجود من حاول تغيّيبك محلياً ليظل هو في المشهد، أنك يا فناننا جبت العالم بفنك واكتسحت أغانيك قاراته، بينما لم تستطع تحقيق ذلك في الداخل السوري! يعني غيرك لم يستطع مجاراتك خارجياً، لأنه حال دون أن تجاريه محلياً؟

  • حسناً أعترف هذا صحيح، لن أقول سوى: الله يسامحه ويشفيه !

“الكبار والصغار”

ثمة معنيون في المؤسسات الفنية الثقافية ومعهم جمهور كبير، وجهوا انتقادات إلى طريقة إدارة أنس فخري –مؤخراً- لتحركات وأعمال والده الفنان صباح فخري، من خلال ظهوره بحالة مرض في برامج يغني خلالها مقتطفات تظهر تعب صوته ونشازه! بينما هو من أطرب الملايين. فهل أنت في صف “المنتقدين”؟

  • نعم أنا ضد ذلك تماماً.. وأقف مع الرافضين المنتقدين لإدارة أنس ابن الفنان الكبير صباح فخري. لأن في ذلك إساءة إلى “صناجة العرب” وإلى صوته في الذاكرة وتاريخه الفني. جميعنا يا عزيزتي سنكبر ونتعب ونهرم، وعلى من هم حولنا حينها أن يحفظوا حضورنا الجميل في وجدان الآخرين.

لننتقل من كبر السن والهرم إلى الشباب..دعنا نقف على رأيك المهم حول الفنانين الشباب ممن يملكون مواهب حقيقية وأصوات قوية في المجال الطربي؟

  • هناك أصوات شبابية جميلة بحق. إنما جمال الصوت لا يكفي! للأسف أنا غير متفائل بها. لأنه ليس هناك من يحاول وضع بصمة خاصة به ويكون مستقلاً بحالته الفنية! ففي أغنية الطرب والقدود والتراث لا أحد يقدم الجديد، يكتفون بترديد ما غناه الأجداد، وكثر يغنون أغنياتي التي أنجزتها خلال عقود! ولا أحد يبتكر أو يجدد أو يضيف من تلقاء نفسه، كما يفعل نجوم الأغنية الساحلية الجبلية السائدة الآن.

“تصريح لا تلويح”

هل هذا تلويح بإعجابك في الأغنية الشعبية التي ظهرت في الساحل السوري واقتبسها الجوار كونها جميلة ومبهجة ومنعشة؟

  • لا ليس تلويحاً بل تصريحاً واضحاً. تعجبني الأغنية الساحلية التي ظهرت جلياً عبر صوت الفنان علي الديك، لقد أظهر أغنية بيئته الجميلة اللطيفة، وأسس لها كمدرسة عبر سنوات وجهود ملّحة، وعمل على نشرها. وحين ظهرت بعده أصوات تغني ذات اللون وتقلده، حاولوا الابتعاد عن بصمة علي الديك الشخصية في الأداء واستقل كل منهم ببصمة وجمهور. لكنهم حافظوا على روح الأغنية، حداً صار كل منهم نجم الأغنية الساحلية الجبلية داخل وخارج سورية. وأنا أشعر بسعادة كبيرة حين تُردد هذه الأغاني السورية في دول الجوار ومصر والخليج، وهي أصلاً كما تقولين أغنية مبهجة منعشة….

حسناً، وماذا بشأن….؟

  • (مقاطعاً)…عفواً لدي تتمة للإجابة السابقة. فأن أكون فنان لونٍ طربيّ تراثيّ كله قدود وموشحات وبيئة حلبية، لا يعني أن أرفض حق فنان آخر في تقديم أغنية مدينته أو بيئته. أكثر من ذلك، الأغنية الشعبية التي أطلقها ونشرها الفنان علي الديك ومن لحق بركبه من فنانين مجتهدين، هي أغنية سورية. هي أغنيتي وأغنيتك وأغنيتنا جميعاً. نحن فقط نقول أغنية حورانية وأغنية حلبية وأغنية ساحلية وأغنية فراتية كدلالة على المنبت الجغرافي لا المناطقية والتقسيمات التي أرفضها.

“لكل منا سلاحه”

هناك خريجون سوريون من برامج مسابقات المواهب. لكن الرابح يذهب مع الريح! هل تعتقد أن السبب يكمن في الحرب على سورية؟!

  • انظري، بالنسبة لبرامج مواهب الأطفال أنا ضدها تماماً، أرفض أن يخسر الطفل حياة البراءة والدراسة والطفولة والمراهقة ويشتت تركيزه. لقد سمعت عن الطفلة المصرية جويرية أنه صار عندها اكتئاب لأنها لم تكسب! لكنني لا أمانع برامج المواهب الشابة. وهناك من نجح فيها بجدارة مثل ناصيف زيتون ورويدا عطية من سورية. أما البقية فربما لم يحسنوا الاختيار، أو لم يجدوا من ينتج لهم ويرعاهم. أما موضوع الحرب على سورية، فحقيقة كلنا قاومنا وحاربنا، كل منا بسلاحه، أنا بصوتي أنتِ بقلمك وذاك بكمانه وتلك بلوحتها. ومن يريد الصمود والنجاح والمتابعة سيصل إلى هدفه رغم قسوة الحرب.

لا يمكننا إنهاء الحوار دون معرفة جديدك، ما الذي تحضر له من أغانٍ ومشاريع فنية بعد “شهبا شو عملوا فيكِ”؟

  • جديدي أغنية عاطفية “آه منك” كلمات الشاعر صفوح شغّالة. وألحان الفنان جورج مارديروسيان وتوزيع حامد طيفور. وأنا أسجل الآن أغنية “شهبا أنتِ الأحلى” كلمات الشاعر توفيق عنداني وألحان الفنان مازن أيوبي. وأنوّه أنني حين أغني لحلب أو حمص أو بردى فأنا أقصد الوطن سورية، التي غنيت لشعبها في الحرب “يلّي تركت الوطن ورحت تعيش أيامك في المنفى، بالذمة، في ليلة ارتحت؟ وفي الغربة عم تدفا”؟ أنا واثق أن سورية ستعود إلى صحتها وعافيتها قريباً، وهناك الكثير من الذين سيعودون ويغنون معنا أغنيات السلام والخير.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق